Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة "المساء": الفنان المغربي اليوم جبان تماما كرأس المال أو أكثر

1- إلى أي حد يستجيب الفنان المغربي لتطلعات الشعب المغربي عموما وللشباب على وجه الخصوص؟

يحيى اليحياوي: هذا سؤال عريض وواسع للغاية، ويستوجب تحديد ماهية الفنان والمقصود من تطلعات الشعب والشباب. ثم إن المجال، مجال الفن، واسع للغاية أيضا، إذ يضم روافد عدة، لعل أبرزها السينما والتلفزة والمسرح والأغنية وإلى حد ما الريشة في الشق التشكيلي للفن. نفس الشيء بالنسبة لمفهوم الشعب، إذ يضم على الأقل من الناحية العملية (دعي عنك الجانب الفلسفي المعقد) يضم شرائح وطبقات وأذواق وآمال مختلفة ومتباينة.

ومع ذلك، أقول التالي للرد على السؤال بكثير من الاختزال: أولا، ما يروج من مدة بالمغرب لا يمت للفن بصلة، فما بالك أن يكون تعبيرا عن تطلعات شعب أو انتظارات شباب. أنا أزعم بأن ما يروج باسم الفن أو تحت ادعاء أنه فن، إنما هو أغاني ماسخة وأفلام رديئة ومسلسلات تافهة وعروض مسرحية تدفع للتقزز أكثر ما تستنبت طقوس الفرجة والمتعة، ولوحات تشكيلية لا نفهم ألوانها وتعقيداتها المبالغ فيها قصدا، فما بالك أن نفهم ما تعبر عنه في الفكرة أو المضمون.

ثانيا: أزعم أن عبارة الفنان بالمغرب لا تنطبق إلا على عدد محدود قد لا يتجاوز عدد أصابع اليد. أعني الفنان العاشق لما يقوم به، المتمكن من أدواته والمؤمن بأن الفن رسالة قبلما يكون تجارة أو مصدر رزق أو اغتناء وأبهة اجتماعية. ما سوى هؤلاء، وهم معدودون ومعروفون، فنحن بإزاء أناس مهرجين، وجهلة، ولا علاقة لهم بما يسمى الفن، لا يشفع لهم إلا كونهم يبحثون عن لقمة الخبز هنا أو هناك. وهذا باعتراف الكثير منهم على أية حال، وهذا أمر قد نفهمه ونتفهمه.

ثالثا: لا أعرف حقيقة ما المقصود بعبارة الشباب. هل المقصود أولئك الذين يحضرون دورات موازين السنوية والماسخة، وعروض نانسي عجرم وجذبة الستاتي وعبيدات الرمى ويتماهون مع البيغ وغير ذلك، لا أعرف من هم. ولا أعرف هل لهم نفس التمثل عن الفن الذي نعرف، والذي مؤداه أن يكون بالفن رسالة مغلفة بجمالية وترتقي بالذوق العام، لا بل وتطبع مرحلة من المراحل، أم يفهمون الفن بطريقتهم. الأكيد بكل الأحوال أن السياسة بالمغرب لم تفرز لنا إلا شبابا ضائعا بين هذه الموجة أو تلك، مسلوبا من لدن هذا التيار أو ذاك، غير قادر على تمييز الجيد من الرديء. بالتالي، يتعذر علي الجواب على هذا السؤال.            

2- هل تنعكس القضايا الوطنية والأوضاع الاجتماعية على الإبداع الفني على اختلاف أشكاله  بالمغرب؟

يحيى اليحياوي: لا أعرف حقيقة عن أي إبداع فني تتحدثين. أنا صراحة لا أراه لا بالتلفزة ولا بالسينما ولا بالمسرح ولا ببعض أروقة المعارض بالمدن الكبرى، ولا أسمعه مما أسمع من أغاني هنا وهناك. يبدو لي أن ثمة موجة من الرداءة ضربت البلاد منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، حتى بات اليوم كل من هب وذب إما مغني أو ممثل أو "فنان تشكيلي" أو نجم من النجوم بهذا الكباريه و ذاك.

بالمقابل، نلاحظ من مدة أن ثمة محاولات للاقتراب من المتلقي بهذا الشكل أو ذاك، لكنها تبقى إلى التصنع أقرب منها للحقيقة. أنا أقول صراحة إن الحلقة المفقودة في الفن بالمغرب هي الإبداع، لأن هذا الأخير هو قلب المنظومة. ومادام هذا القلب مغيبا، فإننا نستخدم عبارة الفن هنا من باب التجاوز...أي بحكم عدم وجود صفة معبرة ودالة، وإلا فلنترك لكل من أراد أن يلصق بنفسه الصفة التي تريحه.

3- يقدم المركز المغربي السينمائي المغربي كل سنة دعما للإنتاج الفني وخلال سنة 2010 أنتج  15 فيلم طويل و60 فيلم قصير، في نظركم هل هذه الإنتاجات تلبي حاجة المتلقي المغربي؟

 يحيى اليحياوي: لو أردنا إعادة صياغة السؤال بدقة أكثر، لقلنا التالي: هل المركز يقدم الدعم أصلا لهذه الغاية؟ هل المقياس لديه في منح الدعم لهذا الفيلم أو ذاك هو مقياس مدى ما قد يلقاه أو لا يلقاه من استحسان لدى المتلقي؟ لست متأكدا بالمرة، على الأقل بالاحتكام إلى طبيعة وصفة من يتحصل عل هذا الدعم، والذي لا يطالب دائما بتسلي مسودة العمل للمركز، أو يقدم فواتير التكاليف التي تحملها بكل أطوار تنفيذ العمل.

بالمقابل، فالمشاريع المقدمة للمركز، والتي غالبا ما يعتمدها هذا الأخير، لا تعبر في معظمها إلا عن حداثة مبتسرة، تقدم العري واللقطات الحساسة والمشاهد التي قد تبلغ خدش الحياء في مجتمع محافظ، تقدمها كتعبير عن هذه الحداثة المتأخرة، ولكأني بكتاب السيناريو والمخرجين هؤلاء بمرحلة مراهقة متأخرة، لم يجدوا متنفسا لها إلا في أفلام من هذه الطينة.

ثم إن هؤلاء، وبعضهم لا يتحدث العربية ولا يعرف المغرب إلا في المظهر والقشور، لا يراهنون على المتلقي المغربي، إنهم يقدمون مادتهم للغرب وللمهرجانات هنا أو هناك، علهم يحصلون على فتات من هذه الجائزة أو تلك، وغالبا ما تكون للمجاملة الصرفة، أو لأن المغرب، بلد هذا الفيلم أو ذاك، هو المحتضن لهذا المهرجان أو ذاك.

بالتالي، فأنا أزعم أن المنتوج السينمائي لا يخرج بدوره وبالمرة عن الرداءة المعممة التي أصابت المجال الفني بالمغرب لأكثر من عقدين ونصف، ولا تزال تضرب الأطناب من بين ظهرانينا دون حسيب أو رقيب، لا بل ولربما عن قصد وسابق إصرار.

4- إن حركة 20 فبراير فتحت العديد من الملفات، في رأيكم إلى أي حد يسارع الفنان المغربي إلى التجاوب معها من خلال إبداعه؟

 يحيى اليحياوي: 20 فبراير ليس تاريخا مفصليا من المفروض أن نقيس عليه هذا السلوك أو ذاك. هذا معطى لا يبدو كبير الأهمية كما الحال مع 11 يناير بتونس و 25 يناير بمصر، حيث الدلالة قوية والعبر واضحة لا تقبل المزايدة أو التخفي خلف هذا الادعاء من الاستثناء أو ذاك.

ثانيا: أنا لست متأكدا من أن "الفنان" المغربي يلتقط كذا إشارات وقضايا ويترجمها إبداعا ويعمل على تصريفها في أعماله. الفنان عندنا بالسنين الأخيرة خصوصا، جبان تماما كرأس المال، عندما تأتي الشدائد يختبئ ويهرب أو يشتغل على التفاهات، وعندما ينفرج الحال يعود ثم يدعي البطولة والجرأة في تناول القضايا. والدليل عل ذلك أن معظم من يسمون أنفسهم اليوم مخرجين سينمائيين لم يكتشفوا تزمامارت كمادة سينمائية إلا بعد رحيل الحسن الثاني وانفضاح الأمر بالعالم، ومنهم من جاهر بذلك صراحة كحسن بنجلون، الذي اعترف بأنه لم يكن يتوفر على الجرأة في حينه جراء الخوف من العواقب. وكذلك كان حال الطاهر بنجلون الذي لم يأته الوحي للكتابة عن تزمامارت إلا بعد الانفراجات النسبية التي حملها عهد محمد السادس في بداياته الأولى، أما ما قبل ذلك، فكان بباريس يكتب للفرنسيين، ولم تكن له أدنى معرفة أو اهتمام بما يكابده المغاربة بهذا المعتقل الرهيب ناهيك عما يكابدونه في معاشهم اليومي الصعب.

عندما لا يلتقط الفنان الأحداث الكبرى ويصرفها إبداعا وفي حينه، ولا يشتغل عليها إلا عندما تمر العاصفة، فأنا أعتبره خادعا ومنافقا وكذابا ومرتزقة، وبالتالي يجب مقاطعته بالجملة والتفصيل.

أقول هذا لأني أعتبر الفنان حامل هموم شعبه في الزمن والمكان، المعبر، لا بل والمؤرخ بالصوت والصورة للمنعرجات الكبرى التي تقيد مجتمعه وترهن مستقبله. إن الفنان صاحب رسالة تدخل كل البيوت وبدون استئذان، بالتالي فهو مربي ومؤطر ومناضل وما سوى ذلك. إذا لم يكن بمستوى هذه المسؤولية، فليذهب للعقار والمسمار حيث المضاربة شبه مشروعة، ولا مجال للأخلاق أو الدفاع عن قضايا المجتمع. 

5- ما تقييمكم للتواصل الحاصل بين الفنان والاحتجاجات مقارنة مع باقي الدول مثل مصر؟

يحيى اليحياوي: ما وقع بمصر لا يقاس عليه في حالتنا بالمغرب. الفنان بمصر كان تاريخيا بجانب الشعب، ولك أن تسمعي أغاني أم كلثوم وعبد الحليم عن ثورة عبد الناصر وإنجازاته. ولك أيضا أن تشاهدي فيلم "الأرض" أو "المواطن مصري" أو غيرها من الأفلام وهي كثيرة.

الفن بهذه الحالة تاريخ لمرحلة، إحساس بنبض شعب، إنصات لتطلعات أمة، وليس مشروعا تجاريا أو استثماريا، يقتنص الفرص للربح وينتظر المناسبات للتحايل على المال العام.

هذه الحالة، حالة مصر اليوم ومن ذي قبل، كانت بمغرب الستينات، ولا سيما السبعينات، حين انفجرت ظاهرة ناس الغيوان الخالدة، وصورت أفلام قوية وإن على قلتها، وراجت أغاني راقية، طبعت المرحلة برمتها ولا تزال تعتبر من أقوى ما أنتجه فنانو هذا البلد.

أما للرد على سؤالك مباشرة، فأقول التالي: لا أظن أن الحركات الاحتجاجية بالمغرب قد ألهمت "الفنان" المغربي منذ نهاية عقد سبعينات القرن الماضي، والعديد من "فناني" هذا الزمن الرديء خيبوا آمال المغاربة إما عن جهل، وهذا يمكن تفهمه، أو عن تجاهل، وهذا تقصير صارخ من لدنهم قد يبلغ مستوى الخيانة لرسالتهم.

جريدة "المساء"، 24 فبراير 2011

Vous pouvez partager ce contenu