في شهر يوليوز الماضي، أصدر مجلس الشيوخ الفرنسي تقريرا استشرافيا مهما (بإشراف من السيناتور جويل بوردان) تحت عنوان "التبعات الاقتصادية للزيادة في مصاريف البحث بأوروبا" والآثار المحتملة للزيادة إياها فيما يتعلق بمستقبل التنمية بالاتحاد الأوروبي في أفق السنة 2010.
قد يكون للتقرير بعض من القيمة في حد ذاته شأنه في ذلك شأن مئات التقارير التي تصدر عن هذا المجلس وعن غيره، لكن قيمته العملية القصوى إنما تتأتى من إسناد المستوى المؤسساتي (السياسي تحديدا) له من خلال المجلس الأوروبي الذي راهن في دورتي مارس 2000 بلشبونة ومارس 2002 ببرسلونة على تحويل الاتحاد الأوروبي إلى "اقتصاد المعرفة الأكثر حيوية والأكثر تنافسية في العالم".
في الأوراق الخلفية لدورة برشلونة نقرأ التالي: "إذا أردنا تقليص الفارق بين الاتحاد الأوروبي ومنافسيه الأساسيين، فإن الجهد الشامل في ميدان البحث والتطوير والإبداع بالاتحاد الأوروبي إنما يجب أن يسير إلى الأمام بقوة، والتركيز في هذا يجب أن يولى للتكنولوجيات المتقدمة. وعليه فإن المجلس الأوروبي يعتبر أن مجموع مصاريف البحث والتطوير بالاتحاد يجب أن ترتفع لتقترب من نسبة 3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2010. ثلثا هذا الاستثمار الجديد يجب أن تأتي من القطاع الخاص".
نحن هنا إذن بإزاء التزام قوي من لدن الحكومات الأوروبية مجتمعة بشأن ضرورة الدفع بمصاريف البحث والتطوير، بإزاء اعتراف رسمي بما توافق عليه علماء الاقتصاد من أن الزيادة في المصاريف إياها إنما من شأنها الرفع من وتيرة النمو والتطور ومن مستوى حياة الأفراد والجماعات.
ونحن أيضا (وإن ضمنيا) بإزاء تسليم رسمي مفاده أن ما تنفقه أوروبا على البحث والتطوير غير كاف ليس فقط لمواكبة التحولات الجارية ومجاراة المنافسين (القائمين منهم كما القادمين المفترضين من هذه الجهة من العالم أو تلك)، ولكن أيضا لرفع رهان اقتصاد العلم والمعرفة الذي تتطلع أوروبا إلى أن تكون "الأكثر حيوية" ضمنه و"الأكثر تنافسية" من بين أعضائه.
بالتالي، فأهمية التقرير، مادة هذا الحديث، لا تكمن فقط في بعده الاستشرافي المبني على نماذج في الاقتصاد التطبيقي الخالص (نموذج نميسيس المعتمد في هذا التقرير تحديدا)، ولا فقط في خلفيته النظرية الجافة، ولكن أيضا (ولربما بالأساس) في تركيزه على التبعات المحتملة (المؤكدة يقول التقرير) بجهة تطور مستوى العيش في ظل تزايد نسب الشيخوخة وبزاوية تحسين الظروف العامة...ناهيك عن مساءلته لطبيعة الاستراتيجية المفروض اعتمادها وكذا السياسات المصاحبة لتصريف ذات الاستراتيجية وتعضيدها بأرض الواقع.
ليس ثمة من شك إذن أن الاتحاد الأوروبي (على ضوء هذا التقرير كما احتكاما إلى ما سواه من دراسات وتقارير) إنما أدرك فكرا وممارسة أن إحدى المداخل الكبرى لاقتصاد المعرفة (للاقتصاد الجديد يقول البعض) إنما تمر عبر الاستثمار في البحث والتطوير حجما ونسبا، وعبر استراتيجيات وسياسات تضمن تصريف الحواصل (من إنتاجية وتنافسية وبلوغ حصص سوق قصوى) على الأفراد والجماعات، على الأقاليم والجهات، على المدن كما على الحواضر، على المستفيد من ميزة قربه من " تجمعات التنمية" كما على الذي لا تطاوله ذات الميزة.
ماذا يقول التقرير في مفاصله الكبرى؟
يتوزع التقرير على ثلاثة محاور كبرى:
+ الأول وصفي ويذكر بالتأخر الأوروبي في ميداني البحث والتطوير كما في ميدان الإبداع التكنولوجي.
+ الثاني ( استشرافي خالص) وينطلق من التساؤل التالي: لو ارتكنا على المستوى التقني إلى الأثر الإيجابي لمجهود البحث، فما الآثار الماكرواقتصادية لنجاح "هدف 3 بالمائة" المرغوب فيه في أفق السنة 2010؟
+ أما المحور الثالث (وهو محور إجرائي) فيسائل "سياسة البحث الأوروبية" من خلال مساءلته للسياسات القطرية في ذلك ومطالبته بضرورة انصهارها (حتى في تنافسيتها وتنابذ بعضها) لمنظور أوروبي موحد..." لرهان مشترك" يقول التقرير.
°°- بالمحور الأول، يذكر التقرير أن الاتحاد الأوروبي لم يخصص سنة 2001 من ناتجه الداخلي الخام إلا 1،93 بالمائة للبحث والتطوير (في المتوسط)، في حين بلغ ذات المستوى 2،82 بالمائة للولايات المتحدة الأمريكية و3،09 بالمائة لليابان. أي أنه في حين لم يخصص الاتحاد الأوروبي في المتوسط إلا164 مليار يورو (بالمعطيات المجردة)، خصصت الولايات المتحدة لذلك حوالي 288 مليار يورو (154 بالنسبة لليابان)...على الرغم من التمايزات الكبرى بين دولة أوروبية وأخرى وتميز بعضها عن البعض الآخر (تخصص السويد وفنلندا لذلك 4،27 بالمائة و3،40 بالمائة من نواتجهما الخام على التوالي) وتواضع مجهودات بعضها الآخر (2،49 لألمانيا، 2،23 لفرنسا) ودنو البعض الآخر عن المتوسط (0،96 لإسبانيا و0،83 للبرتغال) وهكذا.
بالتالي فحصة ما يعود للاتحاد الأوروبي (على سعة مساحته وغنى دوله) داخل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إنما يبقى نسبيا وبكثير قياسا إلى حصة الولايات المتحدة (43،7 بالمائة) وحصة اليابان (16،7 بالمائة).
لا يختلف الأمر كثيرا لو اعتمدنا مقياس " نسبة العاملين بميداني البحث والتطوير"، إذ نجد باليابان 10 باحثين علميين لكل ألف شخص (9 للولايات المتحدة) ولا تتعدى ذات النسبة 6،7 لألمانيا و 5،5 لبريطانيا و 7 لفرنسا (مع استحضار حجم قاطنة هذه الدولة كما تلك).
يبدو إذن، بهذا المحور، أن للولايات المتحدة القدرة الكافية لتغطية جل الميادين العلمية (ولليابان رافعة علمية كبيرة في ذلك أيضا) في حين نجدها إذا لم تكن ضعيفة بالاتحاد الأوروبي (قياسا إلى قريناتها في التنمية والتطور) فهي على الأرجح متواضعة...وإلى حد بعيد... ناهيك عن التباينات في أحجام ومصادر تمويل البحوث وأعداد الحاضنين لها خواصا ومؤسسات عمومية وناهيك أيضا عن طبيعة الأبحاث الممولة والجهات المراهنة على نواتجها.
°°- بالمحور الثاني يتساءل التقرير: ما الآثار الماكرواقتصادية والقطاعية لتخصيص 3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام لمجهودات البحث والتطوير؟
لا يقتصر التقرير (للجواب على السؤال) على ما راج ويروج من أدبيات اقتصادية عن آثار مصاريف البحث والتطوير على التنمية ولا عما صدر ويصدر من توصيات بجهة ضرورة اعتماد استراتيجية اقتصادية مبنية على المعرفة وعلى الإبداع التكنولوجي، بل عمد إلى استصدار نماذج تطبيقية تثبت بما لا يدع مجالا للمزايدة بأن علاقة التأثير المباشر بين مستوى ذات المصاريف ومستوى التنمية الاقتصادية قائمة وثابتة وغير قابلة للتأويل الكثير.
بالتالي، فعطفا على العديد من النماذج المتوفرة أو الرائجة (وعلى نموذج نميسيس تحديدا) يقر التقرير قطعا أن جدلية البحث والإبداع والإنتاجية والتنافسية والتنمية إنما هي جدلية إيجابية بامتياز تماما كإيجابية الاعتقاد بأن "مزيدا من البحث إنما يؤدي إلى مزيد من التنمية" وبالتالي من الشغل ومن الرفاه.
والخلفية في ذلك، وفق النموذج المعتمد من لدن التقرير، إنما "حتمية" تحول مصاريف البحث والتطوير إلى أحجام معرفة وتحول هذه الأحجام إلى إبداع وتحول الإبداع إياه إلى نجاعة اقتصادية تتحول بمقتضاها الإبداعات في النظم والسلع إلى طلبات تحرك الدورة الاقتصادية في عملية تفاعل كبرى بين الإبداع والطلب.
°°- أما المحور الثالث، المسائل للاستراتيجية الأوروبية، فيسائلها بجانب الأطراف التي من المفروض أن تمول هذه ال 3 بالمائة التي حددها المجلس الأوروبي سنتي 2000 و2002 والتي تبناها في يونيو 2003 في إطار ما أسماه "برنامج عمل أوروبا" المطالب بضرورة إقامة منظومة أوروبية للبحث العلمي والإبداع التكنولوجي.
لم يكتف التقرير ب "البرامج- الأطر" الخماسية المعتمدة من لدن مؤسسات الاتحاد الأوروبي المختصة منذ ثمانينات القرن الماضي (سيما بجوانب الميزانية التي من المفروض أن يكون القطاع الخاص عمودها الفقري)، بل ذهب لحد انتقاد "البنية التنظيمية" التي تحكم ذات المؤسسات وتجعلها عاجزة عن "رفع رهانات مجتمع المعرفة الناشىء" (تعدد المستويات المقررة، تضارب الاختصاصات، التزمت للبعد القطري، تشتت المجهودات وتنافسها السلبي...الخ) لدرجة تجعل الفاعلين في المجال يشتكون "غياب المرجعية في حركتهم وتحركهم ومجازفاتهم".
ما الآية من سياق مفاصل هذا التقرير وبعض من خلاصاته؟ ما الآية منه بالنسبة لنا "كأمة" عربية تتطلع شعوبها (قبل حكامها تأكيدا) للتطور والنمو؟ ما الغاية من استحضار ما يروج لدى الآخر وما يعتمل بداخله فكرا وسياسة وبالممارسة؟
يس ثمة من سر في ذلك يذكر في ذلك:
+ فدول الاتحاد الأوروبي (مادة التقرير إياه) كما باقي دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إنما أضحت مكمن حركية البحث العلمي والإبداع التكنولوجي بامتياز في الوقت الذي لا موقع لذات الحركية بالمنطقة العربية أنظمة ودولا سواء بسواء:
بالأولى منظومات للبحث قائمة أو مؤكد العزم على إقامتها، في حين أن لا وجود لها يذكر بالثانية ولا نية واردة لإقامتها.
بالأولى وعي واسع ومشترك برهانات ذات المنظومات بالحاضر كما في المستقبل، في حين أن لا رهانات تقام لها بالثانية لا في حاضر الأزمان ولا في المقتبل منها.
في الأولى نقد للسياسات السائدة في أفق تقييمها وتقويمها، في الوقت الذي لا نجد لها أثرا كبيرا يذكر فما بالك في غيابها بسبل التقويم أو التقييم لها حتى.
في الأولى مراهنة على جداول زمنية مدعمة بدراسات مدققة في حين أنه لا جداول لدينا لذلك ولا قيمة للدراسات البانية لها في الشكل أو في الجوهر.
في الأولى محطات لمحاسبة الجهات القائمة على هذه السياسة أو تلك (العلمية والتكنولوجية وغيرها) في حين أن لا محطة لدينا لمحاسبة القائمين على شأن ذات السياسات...إذا تسنى لبعض من مفاصلها أن تظهر بهذا البلد أو ذاك.
بالتالي (وبالمحصلة النهائية) : إذا كانت أوروبا تراهن اليوم على هدف 3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام تخصصه للبحث والتطوير...فإن المأمول لدينا أن نتعلم كيف نحدد الأشياء ونراهن إذا لم يكن على تحقيقها...فعلى الأقل الاقتراب من ذلك.
جريدة العلم، 10 شتنبر 2004