Aller au contenu principal

"في تسليع المعاناة"

يحدد عالم الاجتماع الأرجنتيني ماكسيميليانو إي. كورستانجي "رأسمالية الموت" في كونها مرحلة من مراحل الرأسمالية التي يتحول الموت بموجبها إلى سلعة للتبادل والترفيه والاستهلاك، وتصبح فيها المعاناة الإنسانية أداة للمتاجرة والربح.

 

لا يتحدث كورستانجي عن غزة مباشرة، لكنه يحيل عليها. إذ تضمر رأسمالية الموت هناك تصوير المأساة، ثم تدويرها وموسطتها، ثم توزيعها على نطاق كوني واسع ليتلقفها جمهور من كل الأجناس، يحزن لها، لكنه ينتهي إلى التطبيع معها واعتبارها سلعة للاستهلاك كباقي سلع السوق.

 

نحن هنا إذن إنما بإزاء تسليع للمعاناة، حيث يتحول الألم والموت والقهر، إلى منتج، ثم إلى مشهد، ثم إلى سلعة قابلة للاستهلاك والمفاخرة وحسن الحظ، حظ من لا يتعرض لها. ما يسميه كورستانجي بالسياحة المظلمة، إنما هو من صميم هذه النظرة التي تدعي الانتماء "لاتجاه ما بعد حداثي، حيث يزور السياح الأماكن المرتبطة بالموت الجماعي والخسارة والألم والحزن، مثل أوشفيتز (معسكر المحرقة الشهير) والسجون أو المناطق المنكوبة بالكوارث. ينظر إلى هذه الممارسة على أنها وسيلة للزوار لتفسير محدوديتهم من خلال معاناة الآخرين، أو اكتساب إحساس بقيمة حياتهم الخاصة".

 

لا تختلف النظرة كثيرا في حال محرقة غزة، حيث تحولت مأساة ما يناهز مليوني مواطن إلى مشاهد يومية بوسائل الإعلام الدولية وبمنصات التواصل الاجتماعي، لتغدو بالمحصلة مادة دسمة لبيع فترات المشاهدة وترويج السلع الرأسمالية المتماهية مع صور التقتيل اللامتناهية.

 

لقد تم تأثيث مشاهد "استهلاك معاناة الآخرين"، من خلال أخبار الإبادة والترويع والترهيب والقصف الذي لا ينتهي، وتحولت قسوة المأساة إلى أداة لاستقطاب مشاهدين ومتابعين يشعرون بالأسى والألم والعجز، لكنهم يمعنون في استمرار المشاهدة والمتابعة. لقد حولهم منطق تسليع المعاناة، إلى مدمنين، أي إلى مخلوقات بحاجة مستمرة لحقنة من مشاهدة المعاناة وهي تعاش بالمباشر الحي.

 

لا يقف هذا المنطق عند حدود تصوير المعاناة ونشرها. إنه يصبو إلى أن تستمر وتتنوع. المشاهد بدوره لم يعد يكتفي بالمعاناة في صيغتها الخام. إنه يتطلع للجديد، للمتميز وللمثير.

 

أما مرحلة الرأسمالية السابقة على رأسمالية الموت، فتشتغل في مجالاتها المعهودة، إذ باتت كل غزة المدمرة مجالها وميدان استثمارها. في مقدمة هذه الشركات، نجد شركات السلاح وشركات التكنولوجيا المتقدمة. لقد أنشأت الولايات المتحدة الأميركية جسرا جويا لنقل السلاح لإسرائيل، وعمدت الشركات الأوروبية إلى تزويد إسرائيل بكل المعدات العسكرية الضرورية، والاستشارات الميدانية والاستخبارات التي لم تترك نقطة في غزة إلا وغطتها وكونت بشأنها بنوك معطيات. الأولى تقوم بتجريب ما استجد لديها من سلاح، فيما تقوم الثانية على تزويدها ببرمجيات وخوارزميات النجاعة والدقة.

 

لم يعد خافيا ما أقدمت عليه شركات أمازون، ومايكروسوفت، وغوغل، وأوراكل، وآي بي إم وغيرها، ليس فقط في تصميم برامج الجرد والترصد، بل في تطوير نظم في الحوسبة السحابية، بإمكانها تخزين كل أفعال أهل غزة وتفاعلاتهم عبر الوسائط والمنصات الرقمية.

 

ثمة جانب آخر ينهل منه منطق تسليع المعاناة: تحويل المناطق المنكوبة، كما حال غزة، إلى منطقة استثمار وتدبير مشاريع. لقد كثفت إسرائيل من مشاريعها للتنقيب عن الغاز والنفط على شواطئ غزة، ضمن خطتها لتحويلها إلى منتج ومركز إقليمي رئيسي للغاز والطاقة. كما تعمل على دفع شركاتها العقارية العاملة بالمستوطنات لبناء منازل فارهة وفنادق ومنتجعات وأماكن ترفيه وتسلية، ثم العمل الحثيث لإحياء مشروع قناة بن غوريون كقناة بديلة لقناة السويس، تمر من خليج العقبة عبر صحراء النجف وغزة إلى البحر المتوسط.

 

أما سكان غزة، فسيتم تخييرهم بين الرحيل الطوعي، وبين عزلهم بمساحات مغلقة بعيدة عن المنشآت الموعودة في إطار ريفيرا ترامب. إنهم مجرد كتلة بشرية من المفروض تحريكها ونقلها وإعادة موطنتها بعيدا عن مراكز الاستثمار القادمة.

 

فظاعة الجريمة مغلف هنا بخطابات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وبلاغة الشركات العابرة للقارات والاستثمارات الكبرى وما سواها. نحن بالتالي، أمام "رأسمالية الإبادة بشكلها الفج، الذي يصل حد وضع إحصائيات للانتماء، إذ نقرأ مثلا أن 25% سيختارون الانتقال في أثناء عمليات البناء، وهناك 75% لن يعودوا إلى غزة".

 

إنه التجلي الصرف للمخيلة الرأسمالية المتوحشة، ولثقافة الإبادة التي تقضم البشر والحجر، لكنها تقدم صورا انتقتها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تشي بأن غزة ليست تجسيدا تاريخيا لشعب أصيل فوق أرضه، بل مجرد جغرافيا تحتاج لإعادة هيكلة، أي لتجريف شامل، ثم لإعادة تشكيل من جديد. نحن بالتالي، يقول كورستانجي، أمام "نموذج مروع وعنف مقنع برؤية مستقبلية، لا تقيم أي اعتبار سوى للربح والربح الصرف، ولو فوق ركام الشهداء وأجسادهم. رأسمالية الاستعمال هذه تكشف عن وجه العالم الحالي، القتل مقابل الربح".

 

موقع عروبة، 20 يوليوز 2026

https://ourouba22.com/article/9297-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B3%D9%84%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%A9

 

Vous pouvez partager ce contenu