Aller au contenu principal

"مفهوم القوة الناعمة وتحليل السياسة الخارجية"

علي جلال معوض، مركز الدراسات الاستراتيجية، الإسكندرية، 2019، 208 ص.

في تمهيده لهذه الدراسة، يقول الكاتب: "على الرغم من ذيوع وانتشار استخدام مفهوم القوة الناعمة على جميع المستويات الأكاديمية، الرسمية وغير الرسمية، فإن تعريف المفهوم وأبعاده الأساسية يظل موضع اجتهادات متعددة، تضيق من نطاقه تارة...وتوسعه...بحيث يشمل جميع الأدوات والتفاعلات ذات الطبيعة التعاونية، بما في ذلك استخدام الأدوات والآليات الاقتصادية، وأحيانا العسكرية في صورها غير الصراعية، مثل المعونات العسكرية وبرامج التدريب والمناورات المشتركة وغيرها".

ويقر بأن مفهوم القوة الناعمة ظهر للمرة الأولى عام 1990، في مقال جوزيف ناي، أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، في مجلة "السياسة الخارجية". وتقوم الفكرة الأساسية لدى ناي على تأكيد "وجود وجه آخر غير مادي للقوة، قوامه الجاذبية المستمدة من ثقافة الدولة وقيمها ومصداقيتها المتولدة عن ممارساتها المتسقة مع هذه القيم، وضرورة عدم تجاهل هذا الوجه، نتيجة التركيز على الأبعاد المادية العسكرية والاقتصادية، التي حظيت بمكانة محورية في أدبيات العلاقات الدولية والسياسة الخارجية".

وقد انطلق ناي من تصور خاص، مفاده أن تفوق الولايات المتحدة ودورها القيادي لا يتراجع كونها تتمتع ب"تفوق غير مسبوق تاريخيا في العناصر غير المادية للقوة، ممثلة في جاذبية ثقافتها وقيمها وسياساتها، بما يعزز من شرعية قيادتها للنظام العالمي، وذلك جنبا إلى جنب مع تفوق قدراتها الاقتصادية والعسكرية".

بيد أن ناي، وإن ركز على بعد التفوق الأميركي، فإنه حذر فيما بعد "من خطورة فقدان هذا التفوق، نتيجة نزعات الهيمنة والسعي لترسيخ الأحادية القطبية والتفكير الأمبراطوري في الاستراتيجية الأميركية". ومعنى ذلك، أنه ينصح بألا تظهر الولايات المتحدة كما لو أنها تدافع عن مصالحها الذاتية فقط، بل "باقتراب واسع يدمج مصالح الآخرين ويضعها في الاعتبار".

في هذا الإطار، "تتزايد أهمية القوة الناعمة لبناء هذه الصورة، باعتبارها الخيار الأقل تكلفة والأكثر ملاءمة وفاعلية على المدى الطويل، لتحقيق المصالح الأميركية وتعزيز مكانتها من خلال تشكيل تفضيلات الآخرين".

وقد انتقل المفهوم من تطبيقه الأميركي في التأكيد على التفوق الأميركي والتحذير من تراجعه، انتقل بشكل مماثل في دراسات القوى الإقليمية من تحليل الصعود إلى التحذير من التراجع، إن تغيرت الظروف وعادت التهديدات العسكرية من جديد.

وعلى الرغم من كثرة التحديدات بالاتساع أو بالضيق، فإنه "يمكن تسكين التعريفات المختلفة السائدة للقوة الناعمة، بين طرفي متصل يتراوح بين جاذبية مظاهر الثقافة الشعبية، وصولا إلى جميع أشكال القوة، عدا الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية".

بالتالي، فيبدو أنه كل ما سوى الاستعمال الفعلي للقوة العسكرية في العلاقات الدولية، فهو قوة ناعمة. أما جانب النعومة في المفهوم، فيعني "تراجع الطابع المادي وغلبة الطابع المعنوي، النفسي والفكري. فالقوة الناعمة في الأغلب لا تقوم على أي تهديد صريح، إكراه أو مبادلة أو إثابة تقديم حوافز، وإنما هي القدرة على التأثير في الآخرين عبر الآليات الجاذبة أو الاستقطابية التعاونية، من تأطير الأجندات أو برامج العمل والإقناع، وإثارة جاذبية إيجابية بما يحقق النواتج المنشودة".

يحدد ناي ثلاث موارد تعبر مجتمعة عن مفهوم القوة الناعمة:

°- ثقافة الدولة، أي "العناصر الجذابة في قيم المجتمع وممارساته العليا أو النخبوية، كالأدب والفن والتعليم، أو الشعبية التي تركز على إمتاع الجماهير، كالأفلام والمسلسلات وأنماط الاستهلاك"...الخ.

°- القيم السياسية، من ديموقراطية وحكامة وحكم رشيد.

°- السياسة الخارجية، هل هي مشروعة ومبنية على اعتبارات أخلاقية ومؤسساتية...الخ.

ويعتبر مفهوم القوة الناعمة مفهوما محوريا في حقل العلاقات الدولية. إنها محرك أساسي لتطور الحقل ومنظوراته. إذ تحرر طبيعة هذه العلاقات من بعدها المادي الخالص، لفائدة أبعاد الإقناع والاستقطاب والإغراء.

ويعترف ناي بأن القوة الناعمة ليست مفهوما جديدا، فقد عبر منذ القدم عن ظاهرة موجودة. الجديد عند ناي أن المصطلح لم يكن مؤسسا من الناحية المفاهيمية. ثم إنه يتقاطع مع مفاهيم قديمة، لكنها قريبة منه مثل الدعاية السياسية والحرب النفسية والغزو الثقافي...الخ.

نافذة "قرأت لكم"

21 شتنبر 2023

Vous pouvez partager ce contenu