يتخرج من الجامعات المغربية أكثر من 1400 طبيبا سنويا، لكن نصفهم يهاجر إلى أميركا وأوروبا، حيث لألمانيا نصيب (400 طبيبا سنة 2022) ولفرنسا نصيب، حيث يعمل بمستشفياتها أكثر من 8000 طبيبا مغربيا، ولأستراليا نصيب، حيث يبلغ راتب الطبيب المغربي هناك 10 أضعاف ما يحصل عليه هنا، ولباقي البلدان نصيب أيضا، يزيد أو ينقص.
يصرف المواطن المغربي على كل طالب ملايين الدراهم، ويوفر لهم ولو في الحد الأدنى، سبل الحصول على التمرس والتجربة بالمختبرات وبالمستشفيات العمومية، حتى عندما يشتد عودهم، لا يترددون في مغادرة البلد، بحثا عن آفاق لهم رحبة في الغرب. من هؤلاء من يغادر مباشرة بعد حصوله على الشهادة، وضمان عقد مسبق يفتح له السبل للهجرة، دون الحاجة إلى عبور مسالك المستشفيات العمومية أو المختبرات لاكتساب التجربة.
المغرب يقوم بتكوين من يدير مستشفيات الغرب إذن، أي إن هذا الأخير لا يتحمل ولو جزءا بسيطا من تكاليف التكوين والتأطير والتجريب وما سواها. يجني الفاكهة دون أن يتحمل ولو جزءا بسيطا من تكلفة إنتاجها. يستنزف خيرات بلد جهارا نهارا، ولا يتردد في استقدام من هم أدنى، أي التقنيين والممرضين والمساعدين وما سوى ذلك. وقد عاينا ذلك بكثافة في ظل جائحة كورونا.
نظير هجرة طوعية أو قسرية، يعيش النظام الصحي وضعية صعبة للغاية: أقل من 8 طبيبا لكل 10 آلاف مواطن، في حين أن معيار منظمة الصحة العالمية يحدد هذا العدد في 23 لكل 10 آلاف. أي إن عدد الأطباء لكل 10 آلاف مواطن، هو ثلث ما يجب أن يكون عليه، لو تسنى للمغرب أن يلتزم بالمعايير الدولية.
بصلب كل ذلك، انطلقت "الإجراءات الإدارية"، لتوفير التغطية الصحية لأكثر من 22 مليون مغربي، جلهم لا يتوفر على الحد الأدنى لضمان تطبيب كامل، مع توفير البنية التحتية والأطر الإدارية والمستلزمات اللوجيستية، التي تستوجبها مشاريع من هذا الحجم.
هو مشروع مهم للغاية، أفردت له ميزانية ضخمة، تهم كل المستويات المعنية. بيد أنه سيشكو حتما من غياب الأطر الطبية، العامة والمتخصصة، التي من المفروض أن تعمد إلى وضعه موضع التنفيذ. هل معنى هذا أن المشروع سيشكو الخصاص منذ البدء، على أن يتم تداركه بالتدريج؟ هذا أمر متعذر للغاية، لا سيما لو علمنا أن حجم الخصاص الحالي من الأطباء يتجاوز ال 30 ألفا، وحجم الخصاص من الأطر الطبية عموما يتجاوز ال 60 ألفا.
ومع ذلك يبقى السؤال بشقيه مفتوحا: ما الجدوى من استمرار جامعات تمول من المال العام، كي تكون أطرا عليا، ينتهي بها المطاف في مستشفيات الغرب؟ وما جدوى إطلاق مشروع التغطية الصحية إذا كانت الأطر التي ستغذيه وتتحمل مسؤولية تدبير محاور الكبرى، تهاجر ولا أمل في استرجاعها في المدى المنظور؟
ما الفائدة إذن من الاستمرار في التكوين، إذا كانت المحصلة سالبة بكل المقاييس، وان من يفضل من المتخرجين لا يغطي تكاليف من يرحل. هل يعني هذا أن نتوقف تماما عن تكوين الأطباء، إذا كان بعضهم مثلا يرحل للقطاع الخاص، أو يفتتح له عيادة أو مختبر، بعدما يكون قد حصل على تكوينه دون تكلفة من لدنه تذكر؟
من المتعذر حقا المراهنة على ثني الذين ينوون الهجرة لدى التخرج، ولا الوقوف بوجه من يغادر بعدما يكون قد مر ولو لمدة قصيرة، بمسالك المستشفيات العمومية. والسبب في ذلك بديهي وواضح، إذ حوافز الاحتفاظ بهؤلاء هي أقل بكثير من الإغراءات التي تقدمها مستشفيات الغرب، لا من زاوية التعويضات فحسب، بل أيضا من زاوية ظروف الاشتغال وسبل البحث والتطوير التي تتاح لهم.
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
21 غشت 2023