Aller au contenu principal

"العدل أساس الملك"

العدل أساس الملك. الملك هنا، بنظر ابن خلدون، ليس سلطة ولا تسلطا فحسب، بل هو عنوان عمران وحضارة أيضا.  لذلك، فمقولته في أن "الظلم مؤذن بخراب العمران" إنما تحيل على العدل كقيمة إنسانية مطلقة، بالاحتكام إليها يقاس سلوك المرء، وبالرجوع إليها يمكن قياس ممارساته.

"العدل أساس الملك" ليست مقولة إنشائية. إنها "مشروع عمل" متكامل. لذلك، نجدها بالبلدان المتقدمة، ولا نكاد نعثر عليها من بين ظهرانينا. والسبب في ذلك بين، إذ لو ساد العدل بيننا، ما كان عمراننا على هذه الشاكلة، ولو تسنى للعدل أن يقوم بيننا ما كان تعثرنا في بناء الديموقراطية أو إقامة مؤسسات حق وقانون، أو مستويات رقابة تزجر المتجاوزين.

لم نأخذ بالعدل، لذلك لم نستطع أن نضع الأسس لإقامة العدالة بين الناس. لا يروم التلميح هنا إلى العدالة المنبنية على المساواة في الحقوق والواجبات، بل إلى ضرورة إعمالها على أرض الواقع، إذ كم من حقوق وواجبات لا يتم تصريفها إلا بمقدار، ولا يتم التعامل معها إلا باختزالية تفرغها من مضمونها وجوهرها.

العدالة المرتكزة على العدل، لا يجب أن تقوم إذا كانت السلطة مصادرة والثروة محتكرة والمعرفة حكرا على من له السلطة والمال والجاه. هذا واقع حال لا يمكن أن يبني إنسانا، فما بالك أن يضع قواعد لإقامة العمران. إنه توجه مؤذن حتما بضياع الأول وخراب الثاني وتقويض البنيان برمته.

لماذا لم نفلح في إقامة العدل، وفضلنا عليه قيم الأمن، حتى بات الأمن بيننا أداة إكراه وليس وسيلة احتماء؟ الأمن جزء من العدل بكل تأكيد، لكننا حولناه إلى تضييق على حريات الناس وحركة الأفراد والجماعات، فيما حصرنا مفهوم العدل في الحاشية.

ليس من العدل في شيء أن يحرم الناس من ثروات بلدانهم، لتمكين حاشية كي تنتفع بها حصريا دون سواها. وليس من العدل منع الرأي النقيض، فما بالك المناهض، وفتح الآفاق لمن يزين الظلم ويرفع من لواء النفاق. وليس من العدل تقديم الأقربين والمحسوبين والمنتفعين والوسطاء، على من لديهم الكفاءة والخبرة، لكنهم أبعد من محور القرار. وليس من العدل أن تسري القوانين على الضعفاء والبسطاء، وتتغاضى عن المتجبرين والطغاة...وليس من العدل أن يبقى مصدر القرار محصورا في ثلة محددة دون الباقين...وهكذا

يحكى أن مدينة ساكسونيا الألمانية سنت قانونا في المساواة وتطبيق الجزاءات على الفقراء والأغنياء على حد سواء، فاعتمدت السبيل التالي: معاقبة الفقير بجلد ظهره ومعاقبة النبيل بجلد ظله.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

7 غشت 2023

Vous pouvez partager ce contenu