Aller au contenu principal

"الفايسبوك المظلوم"

الفايسبوك شبكة/منصة، بنية تحتية للمعطيات. ثم هو وسيط لتبادل المعلومة والصوت والصورة بين من ينتجها ويوزعها، وبين من يبحث عنها ويخزنها. ثم هو فضاء للحوار أيضا، مباشرة من خلال غرف مغلقة، أو بصورة غير مباشرة عبر تقنيات التعليق والتقاسم.

وباعتباره شبكة ووسيطا وفضاء حوار، فهو بالمحصلة منظومة قائمة تشتغل على المعطيات، تجمعها وتعالجها وتخزنها وتوزعها على المستهلكين، أفرادا وجماعات ومقاولات. وبما أنها من جيل الويب الاجتماعي، فإنها تنبني على خوارزميات خاصة، تنطلق من مواصفات روادها ومن وتيرة ما يرتادونه، لتمكنهم من المعطيات الشبيهة أو ذات الخاصية التي تتماهى مع المواصفات إياها. هي خوارزميات توجيهية بامتياز، على الرغم من كونها قد تكون موجهة وتحمل في طياتها نبرة أبوية. هذا نقاش آخر ليس مجاله هنا.

الفايسبوك لا ينتج المعطيات من تلقاء نفسه. الفايسبوك، مثله مثل باقي الشبكات من قبيل اليوتيوب وتويتر وتراند وغيرها، إنما يقوم بتجميعها وتصنيفها وفق معايير محددة، كي يقوم ببيعها للمعلنين وأصحاب الشركات والمقاولات. هو غير مسؤول عما يوضع بالشبكة من معلومات أو أفكار، أو ما يدور من بين ظهرانيها من نقاشات، أو ما يتم استحسانه أو التعليق عليه أو تقاسمه. هو يعمل فقط على مركزتها وبيعها. هو "يبيعنا" بوجه من الوجوه، لكننا نحن من نقبل بأن نعرض للبيع، وإلا فللمرء أن يتبرم عنه، أو يكتفي بمتابعة ما يجري بين جدرانه.

ولذلك، فهو غير مسؤول عن حجم أو عن طبيعة ما ينشر على صفحات مرتاديه. ولا يتساءل فيما إذا كانت جيدة من عدمها. ولا يقف عند الجاد منها من التافه. هي بالنسبة إليه، كلها معطيات ستجد من يقتنيها، لأنها تخبر عن مواصفات صاحبها. وما دامت المواصفات إياها هي مفتاح اشتغال خوارزمياته، فإنه لا يكترث بالمضامين التي يطرحها صاحب الصفحة أو مرتادها. لكل مواصفة سوقها، ولكل معطى جهة تسويقه.

الفايسبوك شركة خاصة. وباعتبارها كذلك، فمادتها الأولية هي المعطيات، الخاص منها كما العام على حد سواء. هي منصة مفتوحة "بالمجان" لمن يود فتح صفحة له بها. بيد أن الطابع المجاني هنا يخفي حقيقة أنها تعمل على تسويق معطياتنا. إنها تقوم بتسليع هذه الأخيرة ومن ثمة بتسليعنا نحن الآخرين. هذا هو منطق اشتغال الشبكة، ومنطق خوارزمياتها، وهي تجني من خلالها جميعا أرباحا تعجز كبريات الشركات التقليدية على مضاهاتها في حجمها أو في نسب نموها.

ولذلك، فليس من الدقة في شيء الادعاء مثلا، بأن الشبكة تفرز الرداءة والرتابة والميوعة. ومن عدم الدقة أيضا القول بأنها تقف خلف مضامين لا تحترم الأخلاق ولا الحس السليم. هذا ادعاء مبالغ فيه وقول لا يستقيم. إذ إننا نحن من ينتج هذه المضامين، الجاد منها كما التافه سواء بسواء. هي معطيات/ صورة لما نحن فيه أو عليه أو ما نريده أن يكون تعبيرا عنا. يستوي في هذا النطاق، صاحب المادة، كما القائم على تقاسمها، كما العامل على التعليق على مضمونها.

صحيح أن الشبكة تقوم بتوزيع هذه المضامين على نطاق واسع، من خلال تطبيقات التقاسم على وجه التحديد، لكننا نحن هنا أيضا من يقوم بالتقاسم وليس الشبكة. الشبكة تكتفي هنا بتوفير التطبيق، ولا تقوم بتفعيله من تلقاء ذاتها، لا بل إن الشبكة تمنح المرتاد إمكانية إلغاء عملية التقاسم أو سحب التعليق على مضمون مادة ما.

ولذلك، فالفايسبوك لا يقوم إلا بكشف بعض معادن الناس وبواطنهم وسلوكياتهم. هي السلوكيات نفسها والمعادن والبواطن ذاتها، التي تمتطي الشبكة ناصيتها لتحديد مواصفات صاحب الصفحة أو مرتادها، فتقوم بتصنيفه "لترى" في الجهة التي يمكنها تسويقها إياه.

كل من يرتاد الشبكة إذن هو عرضة لهذا التوظيف. بيد أن هذا لا ينفي مسؤولية المرتاد ولا صاحب الصفحة، كما المعلق والثاوي خلف التقاسم. إذ القانون الأميركي نفسه، وهو الذي يسري على شبكة الفايسبوك، يبرؤها من مسؤولية ما يروج بها من مضامين. والشبكة تقوم، فيما يخصها بتحديد المواضيع التي قد تكون مصدر مس بحقوق الإنسان الأساسية، أو المحيلة على الميز على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو اللون أو ما سواها. ومع أن الشبكة تحذر من تلقاء نفسها، إثارة مواضيع أخرى تبدو لها ذات "حساسية مفرطة"، من قبيل ما يرتبط بالقضية الفلسطينية، فإنها تخضع في ذلك لاعتبارات وموازين قوى من غير الهين الإفلات منها.

وعلى هذا الأساس، فإذا كانت بعض سياسات الشبكة/الشركة، ظالمة ومجحفة للبعض، فإن هذه الأخيرة تتعرض بدورها للظلم، لا سيما تحميلها كل مساوئ ما يجول بنفوس الناس وضمائرهم.

Vous pouvez partager ce contenu