في تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" للعام 2023، تم تصنيف المغرب في الخانة 144 في حرية الصحافة (135 في العام 2022)، من أصل 180 دولة شملها التقرير، تربعت البلدان الاسكندنافية في صدارتها، كما في التقارير السابقة، باعتبارها أفضل الدول في مؤشر حرية الصحافة.
لا تختلف منهجية اشتغال المنظمة في هذا التقرير عما سبقه من تقارير. فهي تعمد إلى جرد كمي واسع لحجم الانتهاكات التي تتعرض لها الصحافة وتطال الصحفيين أثناء ممارسة عملهم، ثم توازنه باستطلاع رأي نوعي بناء على استبيان يبعث به لمن لهم علاقة بالموضوع، من باحثين وفاعلين مدنيين وخبراء ومشتغلين بمجالي حرية التعبير وحقوق الإنسان وما سواهم.
أما المؤشرات التي يرتكز عليها التقرير لفهم واقع الصحافة في هذا البلد أو ذاك، فهي من خمسة مستويات: سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية/ثقافية، ثم متعلقة بالسلامة والأمن.
بتقرير هذه السنة، نلاحظ أن التقرير قد أشار بقوة إلى ما يسميه ب"خبايا آلة التضليل الإعلامي في النظام الرقمي العالمي وآثارها المهولة على حرية الصحافة"، حيث لاحظ أن ثلثا البلدان التي شملها المسح والاستبيان، "قد عرفت ضلوع فاعلين سياسيين في حملات تضليلية واسعة النطاق، أو في عمليات دعائية كبيرة"، ذهب ضحيتها صحفيون وكتاب رأي.
أيا يكن موقفنا من هذه المؤشرات أو من المنهجية المعتمدة في إعداد التقرير، فإن ما ورد به يحتوي على جزء كبير من واقع الحال الذي تعيشه الصحافة هنا أو هناك. وهو واقع حال سيء للغاية، إذا لم يكن بكل المنطقة العربية، فبمعظم بلدانها على الأقل.
ومع ذلك، فإن ردود الفعل على التقرير إياه، لم تعترض كثيرا على مؤشراته ولا على طبيعة المنهجية التي ركب ناصيتها، بل اقتصرت على كيل التهم للمؤسسة الثاوية خلفه، واعتبارها "أداة لتنفيذ أجندات أجنبية"، والإشارة إليها كونها غير محايدة وذات مواقف مسبقة...وهكذا. وهذا هو موقف معظم الحكومات والمؤسسات الرسمية التابعة لها أو الدائرة في فلكها بهذه الصيغة أو تلك، والتي وضعها التقرير في ذيل الترتيب.
لم يخرج المغرب عن القاعدة العامة، بل ذهب هو الآخر حد رفض التقرير، واعتبار مضامينه "محض افتراءات واهية ويخدم أجندة ومخططا موجهين"، لا بل والتنديد ب"العداء الممنهج للمؤسسة ضد المغرب"، دع عنك من تكفل بالتشكيك في المؤشرات المعتمدة أو المزايدة على المنهجية التي سار التقرير على هديها.
بيد أن مساءلة معطيات التقرير على ضوء مجريات الواقع على الأرض، تبين أن وضعية الصحافة بالمغرب مثلا، هي وضعية سيئة بكل المقاييس:
°- إذ لا أحد ينكر أن مجموعة من الصحفيين ومدوني المواقع الاجتماعية تقبع بالسجون ولفترات حبس طويلة، بمسوغات غير مقنعة، وبناء على متابعات أقل ما يقال عنها إنها لم تحترم أصول المحاكمة العادلة. التركيز هنا من لدننا، لا يلمح إلى طبيعة الجرم المنسوب لهذا الصحفي أو ذاك. إنه يحيل على طبيعة المحاكمة التي لم تخضع لشروط الحد الأدنى من الحيادية والنزاهة والتجرد.
°- ولا أحد ينكر أن التشريعات الإعلامية المعتمدة بالمغرب منذ مدة، لم تراع طبيعة الحقل المفروض تقنينه وتنظيمه، ولا للخاصية المميزة للفاعلين من بين ظهرانيه، بل ربطت جسورا مباشرة مع قانون جنائي، يسهل تأويله ولي عنقه ليطال سلوك هذا الفاعل الإعلامي أو ذاك. يسقط الإعلامي والحالة هاته، تحت وطأة قانون لا تنقصه "الاجتهادات" كي يكيف النص، فيطارد الصحفي بمنطوق قانون في الحق العام لا يعطي المهنة أدنى تميز عما سواها. يبدو الأمر هنا كما لو أن قانون الصحافة إنما هو تابع ومنصهر ضمن حيثيات وبنود القانون الجنائي، ولا صفة ذاتية له تميزه عنه، أو تضمن له متابعة فير سالبة للحريات.
°- ثم إن لا أحد ينكر أن صحافة التشهير قد باتت هي المؤثث الأوحد للمشهد الإعلامي في البلاد،لأنها هي من ينبري اليوم للنبش في خصوصيات الناس وحميمياتهم ونشرها وترويجها دون أدنى حس أخلاقي، أو تقدير لقيم المهنة. هي نفس الصحافة التي خرجت للتنديد بتقرير "مراسلون بلا حدود" والتهجم على واضعيه. إنهم يمعنون في إعمال التضليل الذي حذر منه التقرير ذاته، لا بل والإمعان في خلط الأوراق، وإلا فبم نفسر البيانات التي باتت إدارة السجون هي مصدرها للرد على التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية؟
°- ولا أحد ينكر حقيقة أن ما يجري اليوم من ترتيبات لخلق لجنة مؤقتة تشرف على النشر والصحافة للعامين القادمين، إنما الغرض منه منع انتخابات المجلس الوطني للصحافة، في أفق تطويع ما بقي من استقلالية بالحقل الإعلامي، وجعله أداة طيعة بيد السلطة، ترخص بواسطته لمن تشاء، وتحاصر من تشاء.
هذه بعض من عناصر فقط. لو أضفنا إليها مستويات الترغيب والترهيب والتخويف التي تمارس على حرية الصحافة وعلى مستويات التدوين بمنصات الشبكات الاجتماعية، يصبح وازع الرقابة الذاتية هو الفاعل المتحكم في قواعد اللعبة، بجهة تلجيمها وتطويعها، وتوظيف المستويات القضائية للتضييق عليها.
بالحالات جميعا، يبدو أنه من المكابرة الجوفاء حقا أن نستمر في القفز على الحقائق، بنفيها أو بالتبرم عنها. يجب أن نتسم بحد أدنى من الجرأة كي نعترف جهارة بأن وضعية الحريات عموما، وحرية الصحافة بالمغرب على وجه التحديد، إنما هي أوضاع سيئة للغاية. إنها تعبير عن انتكاسة حقيقية لطالما حذرنا منها واعتبرناها في حينه، هشة ولن يتعذر التراجع عنها.
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
08 ماي 2023