Aller au contenu principal

"أثرياء المغرب الجدد"

في تقرير لشركة الاستشارات العالمية للمواطنة والإقامة "هينلي وشركاؤه" ("إفريقيا عام 2023") نقرأ أن المغرب بات ضمن أكبر خمس دول تضم أثرياء القارة، إلى جانب أثرياء جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا ومصر.

يلاحظ التقرير أن ارتفاع عدد أثرياء المغرب قد ازداد بحوالي 30 بالمائة ما بين العامين 2012 و 2022...وهم بضعة آلاف بمقياس حجم ما يملكون، لكنهم بضعة عشرات إن نحن اقتصرنا على من تفوق ثروتهم المليار من الدولارات، نقودا أو أسهما أو ممتلكات عينية.

لا أحد منا يجهل أن بيننا أثرياء كبار. نعرفهم بالإسم والصفة، حتى وإن تعذر علينا حصر ثرواتهم، أو تحديد مساهماتهم في عشرات القطاعات التي يشتغلون بها، مباشرة أو من خلال تقنية المناولة، التي يعملون في إطارها مع مقاولات أجنبية كمناديب وممثلين.

ومع ذلك، فإن المثير حقا أن تتسع نسبتهم ويزيد عددهم بما نسبته 30 بالمائة ما بين العامين 2012 و 2022 فقط، ولكأنهم اقتاتوا على أحداث ربيع عربي، خلناه سيعصف بهم، فإذا به يسندهم ويقويهم، ويفسح لهم في المجال ليغتنوا على حساب من رفعوا شعارات تندد بالفساد والاستبداد والظلم.

وإذا كان جزء من هؤلاء قد راكم الثروات الضخمة غداة الاستقلال، ثم في أعقاب سياسات المغربة لعقد السبعينات، ثم مسلسلات الخوصصة في التسعنيات وما بعدها، فإن المثير للاستغراب حقا أن تطلع علينا بالتدريج ومنذ بداية الألفية، أسماء نكرة، لا رصيد لديها بالسوق يعتد به، فتتحول في زمن قياسي، إلى أسماء وازنة، قياسا إلى ما تحتكم عليه من عقارات ومكتنزات وأراضي فلاحية وشركات ومأذونيات نقل وصيد، وتوكيلات أجنبية، وأسهم بالبورصات، دع عنك ما قد تكون قد أقدمت على تحويله للبنوك الأجنبية الآمنة، وهو يقدر بمئات ملايير الدولارات.

أيا تكون طبيعة هذه الممتلكات وحجمها، فإن الثابت في الحالات مجتمعة، أن أصحابها قد أدركوها إما وهم في كنف الدولة أو بمرأى ومسمع منها، أو بتواطؤ مع من يديرونها، أو بتشجيع من أركانها وتحفيز لهم من طرفهم. والدليل أن ولوج معظم هؤلاء للمجال السياسي إنما جاء من هذا الباب، إذا لم يكن بإشارة مباشرة من لدن الدولة، فبالتأكيد من منطلق ضمان الحماية لهذه الثروات، وتحصينها ضمن مؤسسات هي أقرب للدولة منها إلى الشعب.

من هنا استنبتت الأحزاب من لدن رجال أعمال، وتم إدماج البعض الآخر ضمن تنظيمات سياسية، ليس اقتناعا من لدنها بالفعل السياسي، بل ضمانا لقرب من السلطة أوثق، يفسح لها في المجال واسعا للحصول على الصفقات العمومية الضخمة، أو يمنحها امتيازات لتدوير ثرواتها دون إكراه أو ضغط. لا عجب والحالة هذه، أن تتدرج العديد من الوجوه في هذا المسار، لتصبح بعد حين، من كبار الأثرياء، فتصادر القرار السياسي وتطوعه كي يتماشى ويتماهى مع هوس الثروة الذي ينظم العملية برمتها.

لا قيمة تذكر هنا لإعمال مبدأ تضارب المصالح، ولا اعتبار للوازع الأخلاقي الذي قد يحول دون التطاول على الملك والمال العامين، ولا عيب أمام الاغتناء غير المشروع، ولا إعمالا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهكذا. لقد صادر "الأثرياء الجدد" كل مقومات الدولة، وباتوا دولة داخل الدولة فيما البقية الباقية تعرف شتى ضروب الفقر والعوز وهشاشة واقع الحال.

مقابل هذا التمركز للثروة، نجد أن عدد الفقراء قد ازداد بقوة، وانحدرت مستويات عيش الطبقة المتوسطة إلى أسفل سافلين، وباتت الحدة في الفارق بين الطبقة العليا والطبقات السفلى، من السعة ما يجعل حالة الاحتقان مبررة ومشروعة.

أما سؤال أين الثروة، فلم يعد يعتد به بالمرة، لا بل لم يعد يثار إلا من باب التأشير على أن السؤال لم يكن ليطرح أصلا، لأننا نعرف جميعا ما مصدرها وما تركيبتها وما كيفيات تحصيلها من لدن هذا كما من لدن ذاك. نعرف بالقطع أن معظمها تأتى لأصحابها من نهب أو من مصادرة أو من سطو على المال العام، أو من شبكات فساد مستشرية بالإدارات وبالجهات وبالعمالات وبالجماعات الترابية المنتخبة وبغيرها.

كنا نتعشم في أن يستتبع سؤال أين الثروة، سؤال آخر أعمق وأدق وأجدى: من أين لك هذا؟ فإذا به استبعد من الطرح، لأن من شأن طرحه تقويض توازنات كبرى، تنتعش من الفساد، تقتات عليه ويثوي خلفها هؤلاء "الأثرياء الجدد"...هم لم يغتنوا من استثمار، بل اغتنوا من ريع...لذلك، فهم أثرياء فساد وإفساد، لا إدراك لديهم عما هو جهد أو مجازفة...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

24 أبريل 2023

Vous pouvez partager ce contenu