Aller au contenu principal

"في وهم الرهان على إسرائيل"

من يراهن على إسرائيل، باتفاق هنا وتطبيع هناك، هو واهم. إنه يقتات على الوهم، يرعاه ويسوقه. إسرائيل لا تعطي. إسرائيل تأخذ فقط. أخذت فلسطين كاملة، ثم سيناء والجولان، واستوطنت جنوب لبنان لردح من الزمن. أخذتهم جميعا وتباعا بالقوة، ودون سند قانوني أو أخلاقي يذكر، ومع ذلك لا نزال نشكك في ألا نية عندها في أن تأخذ المزيد بهذه الصيغة أو تلك.

إسرائيل دولة استيطانية بامتياز. لم تكتف بإقامة الدولة إياها على أراضي الغير، فترسم على أساس ذلك حدودها الجغرافية، حتى تعرف باقي بلدان العالم أين يبدأ مجالها وأين ينتهي. لقد تركت ذات الحدود مفتوحة ومشرعة، حتى لا يعرف أحد إلى أي مدى قد تدفع بها في القادم من أزمان.

ما من شك أن لها في هذا القرار خلفيات. وهي خلفيات دينية في جزء كبير منها، نابعة من أساطير لديها، أسست بالبناء عليها للإيديولوجية الصهيونية التي تعطي "للمشروع" مقوماته وهويته.

ولذلك، فمسلسل التطبيع الذي عمدت إليه بالسنين الأخيرة، مع بعض البلدان العربية، لا يندرج ضمن تصور سياسي أو اقتصادي بأهداف وأدوات محددة. إنه يدخل في نطاق الترجمة العملية للإيديولوجية الصهيونية، المضمرة للهيمنة على المنطقة برمتها، من منظور ألا تراجع عن حدود يكون النيل والفرات في صلبها هو الخيط الناظم.

أن تبقى حدود إسرائيل مفتوحة، لا يعني سوى أن هذه الأخيرة إنما تراهن على إدراك الحدود المؤسسة للأسطورة التاريخية، إذا لم يكن بالإلحاق المباشر، فبالهيمنة الاقتصادية والعسكرية والثقافية، حتى يبدو بمخيال العرب أن ما كان محرما ثم مستبعدا، قد بات واقعا لا سبيل للإفلات منه، بل المفروض التعامل معه وفي ظله.

لذلك، لم نفاجأ من لدن بعض البلدان العربية "المطبعة"، بتغير نبرة الخطاب السائد من بين ظهرانيها، لدرجة انتقال إسرائيل في سرديتها، من عدو ثابت إلى حليف مؤتمن. لم ينتبه هؤلاء إلى جزئية قاتلة في العملية برمتها، وهي أنهم اعترفوا بدولة لا حدود لها وأن بعضا من حدودها هي دامجة لحدودهم، وجغرافيتها هي ضمن مشمول جغرافيتهم المراهن عليها.

من مفارقات عملية التطبيع السارية أن يعمد المغرب إلى إعلان اعترافه الكامل بدولة إسرائيل، في أفق أن تدعمه في ملف وحدته الترابية، أو على الأقل أن تعترف له بمغربية صحرائه، فإذا بها تمعن في نشر خريطة المغرب مبتورة، تماما كما ينشرها مناهضو المغرب وغرماؤه الأشداء.

إسرائيل، بهذه الجزئية، تعتبر أن المغرب حصد الثمن، باعتراف إدارة ترامب بمغربية الصحراء، وهذا بنظرها مكسب كبير للمغرب، لكنه لا يلزمها بالمرة، لأن مشروعها هو أكبر بكثير مما يتصوره صاحب القرار في المغرب.

إسرائيل تعتبر أن المغرب غنيمة تاريخية قارة، بدليل أن علاقاتها معه لم تتوقف منذ خمسينات القرن الماضي. ما سمي بالتطبيع، هو  بالتالي تحصيل حاصل، ولربما هو إعلان ما كان مضمرا وجاريا. وهذا صحيح. بيد أن إسرائيل بسلوكها هذا إنما تراهن على الجزائر. هي غنيمتها التالية الكبرى والمثلى.

لا يتمثل رهان إسرائيل على الجزائر في ثرواتها النفطية، ولا في كونها صاحبة وزن في منطقة المغرب العربي. إنها تراهن على اختراق ممانعتها، وتقويض منظومة العداء المتجذرة لدى الجزائريين، حتى تستقيم لها "الحسبة" كاملة في شمال إفريقيا، ويسهل بالتالي الاشتغال بمنطق الوصاية على منطقة جغرافية كبرى، تبدأ من موريطانيا غربا ولا تنتهي إلا على ضفاف النيل شرقا، لتمتد بالتالي ومن مداخل عدة إلى فضاءات إفريقيا جنوب الصحراء. لو تم تخيير إسرائيل بين الاعتراف بمغربية الصحراء والتطبيع مع الجزائر، فإنها ستسلك بالقطع وإن مؤقتا، المسلك الثاني.

إسرائيل هنا إنما تتعامل من منطلق أمبراطوري واسع، يدخل ضمن سياق منظومتها الإيديولوجية ويخدم هذه الأخيرة بالجملة كما بالتفاصيل. بالتالي، فإن موقفها الممانع للاعتراف بمغربية الصحراء إنما يدخل بسياق هذه القراءة: العين باتت على إغراء الجزائر، بعدما لم يحتج المغرب على موقف بات محرجا بالقياس إلى منسوب الرهان الذي كان قائما لدى التوقيع على "الاتفاق الإبراهيمي". نفس سم الحرج يتجرعه صاحب القرار بالمغرب يوميا، عندما يرى كيف تتم عملية تهويد القدس، مع أن رئيس لجنة هذه الأخيرة هو المغرب.

إسرائيل لا تبحث عن حلفاء. إنها تبحث عن تابعين. هي لا تؤمن بمنطق التعامل الند للند. لا. إنها تؤمن بمبدأ "التابع والمتبوع". حتى الولايات المتحدة الأمريكية، حليفها المطلق، يخضع لنفس المبدأ ولا يبدي تمنعا كبيرا، حتى في حالات التوتر الكبرى (حالات تجسس إسرائيل على السياسيين الأمريكيين مثلا، أو على أسرار أميركا العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية وغيرها).

ما الذي جنته مصر والأردن من عملية التطبيع مع إسرائيل، حتى نسير على خطاهما؟ ما الذي أفاد منه البلدان اقتصاديا؟ ما الذي جنياه من استثمارات إسرائيلية منتجة للثروة وفرص الشغل؟

هو ذات السؤال الذي نطرحه على بلدان الخليج الغنية...ونطرحه على البلدان العربية المتحمسة للتطبيع...ليبدو أن الرهان خاسر هنا وخاسر هناك...حتى وإن قيل بالمغرب مثلا إن لنا جالية هناك...لنا جالية مغربية هناك بكل تأكيد، لكنها إسرائيلية في المقام الأول وإلا لما رحلت أصلا في أعقاب إقامة دولة إسرائيل...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

17 أبريل 2023

Vous pouvez partager ce contenu