Aller au contenu principal

"الربا والاقتصاد والتمويل الإسلامي"

 

حامد الحمود العجلان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010، 309 ص.

بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: إن "تحريم الفائدة (الربا) والخلاف حول ما يمكن اعتباره معاملة ربوية، ليس أمرا ينفرد به الدين الإسلامي أو المسلمون. فقد كانت الشعوب على اختلاف أديانها وثقافاتها، تنظر بالإجماع إلى ممارسة الربا بازدراء".

 ويتابع أنه على الرغم من تحريم المسيحية للربا، فقد ظل النقاش قائما لقرون عدة حول "ما إذا كانت فوائد المصارف معاملة ربوية" أم لا. وهو ما مثل نقطة خلاف جوهرية بين الكاثوليك والبروتستانت، لم يفقد أهميته إلا بسبب انحسار التأثير الديني و"غيابه لاحقا عن سلوك العمل التجاري".

لقد أدت عملية علمنة العقل الأوروبي إلى تجاوز هذا النقاش، لا سيما في القضايا الاقتصادية، بيد أن عددا كبيرا من الناس بالبلدان الإسلامية، "لا تزال تساوي بين فوائد المصارف والربا"، مما خلق حاجة أو فرصة "لتطوير بديل للصناعة المصرفية التقليدية".

يلاحظ الكاتب أن تطور الصناعات المصرفية الإسلامية، لا سيما ببلدان الخليج العربي، مرده في جزء كبير منه إلى "فورة في الشعور الديني، أدت إلى تفضيل التفسير الحرفي المتشدد لآيات قرآنية بعينها، الذي يساوي بين فوائد المصارف والربا. وبهذا المعنى، فإن نجاحها معتمد على المحافظة على مصداقية هذا التفسير الصارم في عقول وقلوب المؤمنين".

لقد ظلت المصارف التقليدية في الخليج تشتغل في وضعية تنافسية فيما بينها بالسوق. بيد أنها "لم تتوقع أبدا أن تغيرا في نظام القيم الدينية سوف ينقلب ضدها". لقد كانت هذه المصارف تقدم لعملائها أفضل ما لديها، لكنها لم تتمكن من الاحتفاظ بالذين تعرضوا "للتشبع بأفكار نتجت من انبعاث مفاجئ للمعتقدات، أو بقراءة تحذير قدسي من النتائج المذمومة في القرآن الكريم".

الصحوة الدينية هي التي أدت، بنظر الكاتب، إلى منح هذه المصارف ميزة تنافسية مقارنة مع المؤسسات المالية التقليدية.

لذلك، فقد "حققت هذه المصارف نجاحا باهرا برغم بذلها جهودا تسويقية متواضعة، عن طريق الاستفادة من المشاعر الدينية للمسلمين بمنحهم بركة الله، بالإضافة إلى المكسب المالي". كما أنها استفادت من دعم آلاف الدعاة "الذين يحذرون المؤمنين من أنهم سيتعرضون لغضب الله إذا أودعوا أموالهم، أو استثمروا لدى المنافسين أي النظام المصرفي التقليدي".

نجاح البنوك الإسلامية يظهر إذن العلاقة الوطيدة والمباشرة بين الدين والخيار الاقتصادي للفرد. سنركز في هذا التقديم على ثلاثية "الربا والفائدة والدين".

يبدأ الكاتب هنا بالتوقف عند موقف اليهودية من الربا، ويلاحظ أنها كانت منذ القدم، محرمة فيما بين اليهود، لكن مباحة مع المسيحيين.

الربا عند اليهود، جاء لاعتبارات اقتصادية، لعل أقواها حرمانهم منذ القرن 13 و 15، من أنشطة عدة، فلاحية وتجارية وحرفية. "فلم يترك لهم كثير من البدائل، بخلاف التركيز على إقراض المال". لذلك كان مارتن لوثر، رائد البروتستانتية، من دعاة دمج اليهود اقتصاديا واجتماعيا، لتجاوز هذه العقبة.

لقد طور اليهود في العصور الوسطى، شبكات فيما بينهم وزودوا بعضهم البعض بقروض بلا فائدة، وبناء على "الثقة المتبادلة بين أبناء الدين الواحد". وهو السلوك الذي بات اليوم جزءا من الشخصية اليهودية في مجال الاستثمار.

أما المسيحية، فكانت تنظر طيلة القرون الوسطى تحديدا، إلى ممارسة الربا باعتبارها خطيئة. بيد أن الأناجيل الثلاثة وإن ذمت جني المال من الممارسات الاقتصادية، فإنها لا تذكر الفائدة بشكل محدد.

وقد بقي رجال الدين مع ذلك، وطيلة هذه القرون "متشددين في حربهم على الفائدة". بيد أن العديد من المفكرين، وضمنهم ماكس فيبر، اعتبروا أن مسألة التشدد جاءت من خشية أن تحل سلطة المال محل قوة الله. لذلك، كان ينظر إلى المقرضين المرابين باحتقار.

ويتقاطع العلماء المسلمون مع المسيحيين بهذا الخصوص في نقطتين:

°- الأولى: التركيز على عقود المبيعات،

°- الثانية: ربط الكسب المشروع بتحمل قدر معقول من الخطر. إذ "المكسب الحالي من المخاطر يصبح ربا". كما تم حظر المضاربة، إذ اتفقوا جميعا على تحريم "شراء حصان هارب أو شراء عجل بقرة لم تضع حملها بعد".

ثم هناك مسألة النية. إذ تم تحليل الربح على المبيعات، بينما تم تحريم الربح على القروض. إن إقراض المال شيء مذموم في الديانتين طيلة القرون الوسطى، لا بل كان يعرض أصحابه للخزي الاجتماعي.

بيد أنه بعد القرن 16، بدأت الكنيسة الكاثوليكية تغير رأيها وتقدم تنازلات كإشارة إلى "تفهمها للظروف المتغيرة"، لا سيما في ظل الفورة التجارية التي عرفها البحر المتوسط وبداية بروز طبقة رأسمالية. وقد دفع لوثر بهذا الاتجاه بقوة عندما قال: " إن الرجل المسيحي حر وغير ملزم باتباع القوانين الموسوية الميتة. أما بالنسبة إلى الأناجيل، فليس المقصود بها أن تأخذ مكان القانون المدني".

ولذلك، نجد كالفان مثلا، لم يذم الربا ولم يجعل منه إثما طالما لم يبلغ الأذى بالآخرين. كان كالفان لا يذم الربا، لكنه كان يحث "المؤمنين على تقديم قروض دون فوائد إلى الفقراء والمحتاجين". الكالفينية من هنا، كانت تحس بقدوم الرأسمالية والتحولات الاجتماعية، فعمدت إلى استباقها باعتبارها المكسب نتيجة جهد ومشقة، وليس بحثا عن سلطة المال التي كانت تخشاها الكنيسة، ولا هو من باب الانغماس في الملذات أو من باب التفاخر.

بيد أن هذا لا يعني التخلص من الواجبات الدينية. إذ الالتزام بهذه الأخيرة يخلق فردا يراعي واجباته وضمنها واجب العمل.

بحلول القرن 17، "أصبح الفصل بين عالم الله والحقائق الاقتصادية عملية نشيطة للغاية"، لا سيما قيم الفردانية والعقلانية، وأيضا القيم العلمانية التي بدأت تأخذ طريقها للظهور. ويلاحظ الكاتب أن ثمة اليوم بمعظم بلدان العالم، قوانين وتشريعات ضد الربا، إذ لم يعد مجرد هامش ربح أو مكافأة المقترض للمقرض، بل تحولت إلى فائدة أعلى بكثير من سعر السوق. لا بل إن دولة كألمانيا، ذهبت لحد تجريم الربا ومعاقبة أصحابه بعقوبة قد تصل إلى ثلاث سنوات.

أما بباقي البلدان المتقدمة، فإن ثمة تعليمات إدارية تشترط تحديد نسبة قصوى للفائدة بحسب مدة وقيمة الائتمان. ففي أمريكا مثلا، تحدد العديد من الولايات نسبة 20 بالمائة كحد أقصى مسموح به للفائدة على القروض الاستهلاكية، وثمة ولايات أخرى لا تتعدى النسبة فيها 10 بالمائة.

ومع أن الربا غير محرم بأمريكا ولا مدان أخلاقيا، فإن تثبيت أسعار الفائدة بات سياسة عامة للبنك الاحتياطي الفيديرالي.

أما في العالم الإسلامي، فإن العديد من الخبراء يعتبرون أن فوائد البنوك التقليدية هي ربا، مع حالات أكثر تشددا في ذلك ببلدان الخليج العربي. وسبب الاختلاف هنا متأت من اختلاف تحديد كلمة الربا نفسها، لا سيما من زاوية "الزيادة". وهذا معناه أنه من الممكن إيداع المال في البنوك التقليدية وتحصيل فائدة، على اعتبار أن الإيداع هو استثمار، والفائدة دخل ناتج عن الاستثمار.

بيد أن الرأي الذي رجحه العديد من الخبراء هو اعتقادهم بأن إقامة اقتصاد يعمل دون استخدام الفائدة لإدارة الاقتصاد والتحكم فيه، أمر عقيم. يدرك هؤلاء أهمية الفائدة في الاقتصاد العالمي، في المبادلات وفي آليات الاستثمار...الخ. لذلك، فإنهم غالبا ما يجدون لذلك مخارج.

بالتالي، فسيكون من الصعب، يقول الكاتب، "تخيل أن يعمل الاقتصاد العالمي دون الفائدة. وفي هذه الحالة، سيكون من الصعب إجبار الاقتصاديات العالمية على العمل دون مصارف مركزية...فعندما تتحرك الفائدة في اتجاه ما، يتحرك الاقتصاد في الاتجاه الآخر، وتبقى "نظرية الفائدة في الدراسات الاقتصادية واحدة من النظريات الشديدة التعقيد".

نافذة "قرأت لكم"

9 مارس 2023

Vous pouvez partager ce contenu