Aller au contenu principal

"في الاحتقان وثورة الجياع"

منذ أكثر من سنة، يعيش المغاربة على وقع حالة من الاحتقان شديدة ومتشعبة، خلناها بالبداية عابرة، فإذا بها تستمر وتتسع وتتعمق. نادرا ما تخلو مدينة أو جهة أو إقليم، من تاريخه وإلى اليوم، من مظاهرات مطلبية أو وقفات احتجاجية أو حركات فئوية وجماهيرية، تندد بضيم وظلم هنا، بضيق أفق وانفراط أمل هناك.

هي حالة عامة، نجد تعبيراتها في اعتصامات المعطلين والمعلمين المتعاقدين والطلبة والموظفين، دع عنك الإضرابات الموسمية التي لا تخف في قطاع حتى تشتعل بقطاع . لم يعد ثمة من قطاع أو مجال لم تعرف شغيلته، حركات إضراب أو اعتصام أو وقفات تندد بهذا السلوك أو ذاك. باتت الوقفات هي "الرسومات" التي تؤثث شوارع المدن، ومداخل الوزارات والإدارات، و"تزين" شعارات لافتاتها جدران الشركات الخارجية.

هو واقع قطاعي في طبيعته دون شك، لكنه يتقاطع مع واقع عام أشمل، باتت سمته الأساس، خروج الناس للتنديد بتدهور قوتهم الشرائية، وعدم قدرتهم على مواكبة محاصرة السوق لجيوبهم، في الحيوي من حاجياتهم (تغذية وملبسا)، كما في الأساسي الذي تجاوز على قوة الاحتمال لديهم (من تعليم واستشفاء وفاتورات دواء).

عايننا بالشهور القليلة الماضية فقط، كيف أن الأسعار باتت تلهب ميزانيات الأسر، وتحاصرها لدى كل اقتناء أو رغبة في الاقتناء. انتفت الحيلة لديهم جميعا، بعدما لم تعد أجورهم ومداخيلهم قادرة على مواكبة سلع وخدمات تضاعفت أسعارها أربع وخمس مرات عن المعهود. لسان حالهم جميعا يجمع على منسوب الضرر الكبير الذي طالهم، وعدم تجاوب الحكومة مع مطالبهم في التخفيف من وطأة الأسعار، أو إعمال آليات لتجاوز احتقان الشارع.

ولعل ما يزيد الاحتقان قوة وزخما، ويوسع من مداه إنما صمت الحكومة وعدم تجاوبها مع ما يصدر عن الشارع. إنها لا تنصت لأحد. تتجاهل وتتغافل وتمعن في تشديد الخناق، ولكأنها تسير في سياساتها بترصد مسبق، لتطبقها على مجتمع لم يعد يملك أكثر من لسان يصدح في الفناء. وإلا فما السر في سماحها بالتصدير للجزء الأكبر من الخضراوات والفواكه، لأوروبا ولإفريقيا السوداء، فيما لا يجد المغربي المتوسط ما يواجه به متطلبات هذا الشهر الكريم؟ ما الحكمة في ترك الأسعار تتضاعف وتتخلص من كل عقال، في إمعان من لدن الحكومة على استبعاد الحلول البديلة، على الأقل من زاوية ضمان التزويد المنتظم للسوق الداخلية في حدها الأدنى؟

ومع ذلك، يخرج علينا البعض بسردية مفادها أن كثرة الاحتجاجات بالشارع هو دليل عافية، من باب، يقول هؤلاء، إنه يعبر عن سعة المجال العام وحق المواطنين في التعبير عن تذمرهم وتظلماتهم؟

هو كلام حق مشاع أريد به باطل بين. إذ ما قيمة أن يحتج الناس إذا كانت أذن الطرف الآخر عصية على الإنصات والتجاوب، وإن بالتصريح المطمئن؟ وما الفائدة من صراخ بالفضاء العام إذا كان صاحب القرار غير مستعد للتجاوب، ولو من باب تهدئة غضب الناس؟

أما الأحزاب والنقابات، فلم تعد تواكب بالمرة. ترهلت في مجملها وتواطأت، وتأكد لمن يديرها أن تأطير الناس بجهة مساندة مطالبهم، قد يجر عليها غضب السلطة، ويحرمها إذا لم يكن من تمثيليتها الرمزية، فعلى الأقل من غنائم الدعم الذي تتحصل عليه نظير صمتها أو تلكؤها أو لدرء الأذى عن قياداتها، في مناصبهم أو ما ينعمون فيه من ريع.

لا ينتابنا أدنى شك في أن الاحتقان الاجتماعي الذي نعاينه منذ مدة (دع عنك الانحباس السياسي)، إنما هو نذير انفجار يبدو أن الجميع لا يدرك تبعاته وأهواله. لن يركن الناس حينها للتظاهر سلميا. لا. قد يركبوا ناصية أشكال في الاحتجاج عنيفة ومتشددة ومنفلتة من عقالها. قد نعيش حينها على وقع "ثورة الجياع"...تماما كما عايناها في مروية "الحرافيش".

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

10 أبريل 2023

 

Vous pouvez partager ce contenu