Aller au contenu principal

"حرق فنان"

هالني منظر إضرام الفنان المسرحي أحمد جواد، للنار في جسده في الشارع العام. وهالني أكثر نبأ وفاته متأثرا بالجروح القاتلة التي أجهزت عليه بالمستشفى، بعدما تعذر أمر إنقاذه. أن يقدم فنان مسرحي على إضرام النار في جسده أمام المقر المركزي لوزارة الثقافة، أمر جلل بكل المقاييس، ليس فقط لرمزية المكان، ولكن أيضا لأنه أتى بعد حوالي شهر من مرابطة الرجل بمدخل الوزارة إياها، عساه يحظى باستقبال من لدن الوزير أو من لدن بعض من معاونيه.

في بيان للوزارة عقب الحادث المفجع، نقرأ التالي: إن "الأمر يتعلق بموظف متعاقد في مسرح محمد الخامس بالرباط، أحيل على التقاعد في أكتوبر من العام 2021، يتمتع بجميع حقوقه المكفولة له بحكم القانون...". في حين أن الرجل لم يثر هذا الأمر بالمرة، بل طالب الوزارة بالإنصات إليه بغرض اقتناء بعض من مسرحياته، يكون من شأن مردودها أن يقيه متاهات الإقصاء وآفة الفقر التي داهمته بسبب هزالة معاشه.

لم يكن الحادث مفاجئا بالمرة، إذ سبق للرجل أن نبه وحذر من على صفحته بمنصة الفايسبوك: "صدقوني، لم أعد أحتمل كل هذا العذاب، واعذروني على ما سأقدم عليه في القادم من أيام"...

أحمد جواد رحمه الله، ليس وجها نكرة. لقد اشتغل بمسرح محمد الخامس لسنين عدة، وقام بتنشيط "نادي الأسرة" من بين ظهرانيه، قبل توقفه بعد تقاعد داهمه وهو في أوج عطائه. وهو قبل التقاعد وبعده، حامل ل"بطاقة الفنان" التي من المفروض أن يكون بفضلها، ضمن من ترعاهم الوزارة أو تأخذ بأيديهم زمن العسر، وهو عاش العسر حقا براتب تقاعدي ضعيف، يخجل المرء من تسجيله هنا.

أيا تكن الأسباب والخلفيات التي دفعت أحمد جواد لركوب ناصية الانتحار، فإن عدم الاكتراث بحاله ولا بواقعة ما أقدم عليه، يثير الحزن والحسرة والغضب. إذ ما الذي سيضير وزيرا للثقافة من استقبال فنان مسرحي، إذا لم يكن لتلبية طلبه، فعلى الأقل لتطييب خاطره وترك باب الأمل مفتوحا أمام عينيه؟

ما الذي كان سيضير الوزير لو تبنى طلب الرجل، هو الذي تزخر وزارته بفنانين عدة عبارة عن موظفين أشباح، يتقاضون أجورا سمينة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الحضور لمقرات عملهم، فما بالك تحليل أجورهم بدوام في حده الأدنى؟

ما الذي كان سيضير الوزير لو أنه كلف الراحل بعمل موسمي متواضع، ضمن مصالح الوزارة الخارجية، إذا لم يكن من باب تخفيف ضائقة رجل اسودت الدنيا أمام عينيه، فعلى الأقل للإفادة من تجربة يشهد له بها العديد من رفاقه، دع عنك تاريخه الحي؟

من ذا الذي يضمن ألا تتكرر المأساة مع فنان آخر، قد لا يسلك السبيل نفسه، لكنه قد يلجأ لسبل أخرى قد تدفعه لتفجير نفسه وسط جمع من الناس مثلا، فتذهب بجريرة ذلك أرواح أناس لا يد لهم فيما يقع؟

ما سبل الوقاية التي من المفروض أن تعتمدها الوزارة للحيلولة دون تكرار الفاجعة، مع وجوه أخرى من شبه المؤكد أنها تعيش نفس الظروف، لكنها تترفع عن المجاهرة بها أو البناء عليها لتصريف ردات الفعل؟

حال ومستقبل الثقافة ببلادنا أسود قاتم. لا تباشير خير من أمامه ولا من خلفه. لقد باتا على صفيح ساخن مستدام، بعدما تم رفع القلم عنهما تماما من لدن دولة لا تزال تعتبر الثقافة من الثانويات "الفاضلات"...لا بل تعتبر إقدام فنان أو مثقف على حرق جسده، أمرا عاديا...أعني عابرا، لا مجال للتوقف عنده أو اتخاذ العبرة منه...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

3 أبريل 2023

Vous pouvez partager ce contenu