Aller au contenu principal

"عندما يهجم السوق على المواطن"

تميز أدبيات الاقتصاد السياسي التقليدي بين ثلاثة نماذج في السياسة الاقتصادية من شأنها أن تحيل صوبا على إشكاليتي النمو والتنمية: نموذج السياسات الاقتصادية الموجهة للتصدير، ثم نموذج استبدال الاستيراد، ثم نموذج الصناعات التصنيعية، دع عنك النموذج المرتكز على النفط. بنت هذه النماذج الثلاثة لسياسات اقتصادية كبرى بأمريكا اللاتينية وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، فتفوق كل منها في جوانب، وأخفق في أخرى.

يعنينا هنا حصريا النموذجان الأول والثاني، كون النموذج الثالث لم يلهم إلا بعض البلدان مثل الجزائر تحديدا، مع أنها تبرمت عنه بسبب تدميره للمقومات الفلاحية للبلد.

يرتكز النموذج الأول على ربط النمو والتنمية بالسوق الدولي. ومعناه أنه إذا كان لبلد ما أفضلية في المقومات تمكنه من توجيه اقتصاده نحو السوق الدولي، فالأولى المراهنة عليه لجذب مخصصات من العملة الصعبة من شأنها تمويل التنمية الاقتصادية، لا سيما الصناعات الخفيفة والصناعات الاستخراجية والغذائية، أي الجيل الأول من الصناعات.

أما النموذج الثاني، فملخصه أنه إذا كان بالإمكان إنتاج ما يحتاجه السوق الداخلي محليا بتكلفة معقولة، فإنه من الأولى التركيز عليه عوض استيراد ذلك من الخارج، بتكلفة أعلى. أي إنه إذا كانت المقومات الداخلية قائمة ومتوفرة لإنتاج سلعة ما، فلم إرهاق المخصصات من العملة الصعبة لاقتنائها، وفرض منافسة قسرية على فاعلين وطنيين بمقدورهم ضمان ذات الإنتاج بتكلفة أقل من تكلفة الاستيراد.

جرب المغرب، منذ استقلاله، بعضا من هذا وبعضا من ذاك، لكن رهانه كان دائما مركزا على السوق الدولي، بحكم الموقع الجغرافي المتميز للبلد، وبحكم الاختيار السياسي الذي اعتمد من تاريخه، مبدأ الانفتاح الاقتصادي كخيار اقتصادي وحيد. لذلك، فليس من الصدف، بعد أكثر من ستين سنة من الاستقلال، ملاحظة مستوى اندماج الاقتصاد المغربي في الاقتصاد العالمي (أكثر من 85 بالمائة) ومدى ارتهان مبادلاته (تصديرا واستيرادا) لحركية الطلب العالمي في مده وفي جزره سواء بسواء.

لا مجال هنا لتقييم ذات الاختيار، فذاك عمل يتجاوز على مادة أردناها هنا أن تكون مستوحاة من تموجات واقع الحال، لا سيما بعد وصول حكومة يقودها رجل أعمال له وزن مميز بالسوق الداخلي، وتحكمها خيارات ليبرالية لا يمكن للعين البصيرة أن تخطئها.

وتموجات واقع الحال التي تبرز لأول وهلة أن الرهان على السوق الدولي وعلى الانخراط في دواليبه، قد أضحى خيارا وحيدا وأوحد في تحديد توجهات السياسات الاقتصادية. يمكننا أن نلحظ ذلك في مجال المحروقات، ويمكننا أن نلحظه أيضا في قطاع صناعة السيارات. إذ الرهان على التصدير في الحالة الثانية، لا يوازيه إلا الرهان على الاستيراد في الحالة الأولى، حتى بوجود بدائل في المحروقات من خلال تشغيل مصفاة سامير مثلا، على الأقل من باب التخفيف من تكلفة التكرير والتخزين والتوزيع. السوق الدولي في الحالتين معا هو الأسبق، لأنه هو المفضل وهو الأكثر استقطابا.

بيد أن ذات الخيار لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه ليطال المنتجات الفلاحية، لا سيما الصناعات الغذائية وقطاع الخضر والفواكه. واقع الحال هنا يشير إلى التبرم شبه الكامل عن السوق الداخلي لفائدة الأسواق الخارجية: أجود المنتجات تصدر لأوروبا، وأقلها جودة تصدر لإفريقيا جنوب الصحراء، فيما يبقى السوق الداخلي تحت وطأة الندرة والتضخم وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين.

من المستغرب حقا أن تتضاعف الأسعار مثنى وثلاث ورباع في أقل من سنة، فيما تتخفى الحكومة لتبرير ذلك، خلف مسوغات واهية من قبيل حرب أوكرانيا أو اشتداد موجة الجفاف أو كلفة النقل، وفيما شاحنات الخضر والفواكه لا تتوقف في شد الرحال نحو أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء.

المفارقة في المعادلة أن الحكومة تفضل، نظير ما تتحصل عليه من عملة صعبة، استيراد ما كان من مدة ينتج داخليا، عوض تشجيعه كي يعوض الخصاص.

بالتالي، فإن الحكومة هنا لم تستطع أن تضع توازنا بين الداخل والخارج...ربطت كل رهاناتها بالطلب الخارجي، فتركت السوق الداخلي وجها لوجه مع ما "فضل عن الأجنبي"...هذا هو أصل حكاية هجمة السوق على المواطن في ظل حكومة عزيز أخنوش...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

27 مارس 2023

Vous pouvez partager ce contenu