Aller au contenu principal

"متاهات المغرب الأخضر"

في العام 2008، انطلق ما بات يسمى من تاريخه ب"مخطط المغرب الأخضر". وهو المخطط الذي تمت صياغته من لدن مكتب دراسات أمريكي، واعتمدته حكومة عباس الفاسي بميزانية عامة تجاوزت 4.5 مليار دولار، وتم تكليف عزيز أخنوش باعتباره وزيرا للفلاحة حينذاك، ليشرف على تنفيذه. من تاريخه وإلى اليوم، والمخطط سار وجار، إذ لم تتجرأ أي حكومة، بما فيها حكومتا العدالة والتنمية، على توقيفه أو المطالبة بتقييمه، فما بالك بمراجعته.

ارتكز المخطط منذ البدء على دعامتين اثنتين: وضع الإطار العام لفلاحة عصرية تكون في مستوى المنافسة الدولية، ثم الدفع بمنظور جديد للفلاحة الوطنية، أطلق عليه "الفلاحة التضامنية"، بغرض الرفع من مداخيل الفلاحين وتقليص منسوب هشاشة العالم القروي.

يشاع إن هذا المخطط قد بوأ المغرب مراتب عليا في الإنتاج، إذ انتقل هذا الأخير من حوالي 7 مليار إلى 13 مليار درهما ما بين 2008 و 2018. ويشاع أيضا أن المغرب بات بفضله من كبار مصدري المواد الغذائية، فواكه وخضراوات، في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ورابع مصدر لهذه المنتوجات بإفريقيا.

هذا ما يشاع. بيد أن المخطط، وإن لم يخضع لعملية تقييم دقيقة، لم يبلغ بنظر العديدين، ما كان مراهنا عليه، أي تحقيق هدف 100 مليار درهما كقيمة إضافية للقطاع في أفق العام 2020. ثم إن المشرفين عليه لم يضعوا بين أيدينا التكلفة العامة التي ترتبت عن برامجه وأهدافه، ولا حددوا نسبة الأمن الغذائي التي تم بلوغها بعد أكثر من عقد ونصف على إعماله.

قد نسلم بأن المخطط قد "نجح" في الرفع من القدرة التصديرية للفلاحة المغربية، لا سيما باتجاه أوروبا وبعض بلدان إفريقيا السوداء. وقد نسلم أيضا بأنه قد رفع من القدرة التنافسية لهذه الأخيرة وضمن للبلاد مداخيل من العملة الصعبة معتبرة. وقد نسلم فضلا عن ذلك، بأنه قد خلق سلاسل إنتاج ذات قيمة مضافة، قياسا إلى الأنماط التقليدية التي بقيت حبيسة الطبيعة وتحت رحمة أمطار غير منتظمة.

بيد أن "الحسبة" بمقياس الأمن الغذائي اعتورها الخلل ولا تصلح لتقييم المخطط من هذه الزاوية. لا يروم التلميح هنا إلى الاختلالات الطبيعية التي أفرزها ذات المخطط على مستوى تقويض الفرشة المائية لري زراعات كثيفة الاستهلاك من الماء، بل أيضا إلى الزراعات التقليدية التي تم تدميرها، لتعوض حقولها بمزروعات هجينة لا تتحملها التربة إلا نظير عمليات تسميد واسعة، لا قبل للفلاحين بها، لا سيما الفلاحين الصغار والمتوسطين.

ولذلك، فإن جزءا من الخصاص المائي الذي تعاني منه اليوم العديد من المناطق والجهات، هو متأت من هذه الزراعات "الجديدة" التي لا قائمة لها إلا إذا سبحت في أنهار من المياه، لدرجة باتت هذه الزراعات الموجهة للتصدير كما لو أنها تقوم على تصدير المياه لا المنتوجات التي تتأتى منها.

أما باقي الزراعات الموسمية، لا سيما الفواكه والخضراوات، فيعرف عرضها الداخلي تراجعا كبيرا، لدرجة دفع الكثيرين لاعتبار المخطط إياه مخططا أخضر للتصدير فقط، فيما هو أسود بالنسبة للسوق الوطنية وللمواطنين. لذلك، نجد أن تقريرا للمندوبية السامية للتخطيط ("أي آفاق للتبعية الغذائية بالمغرب بحلول العام 2025؟") قد انتقد بقوة سياسة الدولة في التركيز على تصدير الخضراوات والفواكه على حساب السوق الداخلي، ولاحظ كيف أن الزراعات التقليدية (من زيوت وحبوب وقطاني) قد تم إلحاق الضرر بها بسبب هذا التوجه المبالغ فيه للتصدير.

تقرير آخر لمجلس الحسابات، ذهب في نفس الاتجاه، وشدد على أن هذا المخطط قد وضع مسألة الأمن الغذائي على المحك، ليس فقط بسبب استنزافه للمياه (بنسبة تقارب ال 90 بالمائة)، بل أيضا نتيجة تبرمه عن الزراعات التقليدية (قمح، شعير، ذرة، قصب سكر...الخ) التي كان المغرب منتجا كبيرا لها، فبات جراء المخطط الأخضر من كبار مستورديها.

من هنا، يبرز أن البعد التضامني الذي وعد به المخطط قد تم التفريط فيه بالجملة والتفصيل، حتى باتت السوق الوطنية تشكو من الأمرين معا: من منتوجات فلاحية تقليدية دمرت مقوماتها، ومن فلاحة عصرية موجهة للسوق الدولي دون مراعاة ما قد يكون طلبا داخليا.

ما الفائدة، والحالة هاته، أن نراهن على فلاحة عصرية موجهة للتصدير بغرض تحصيل العملة الصعبة، ثم توجيه ذات العملة نفسها لاقتناء ما كنا ننتجه من قبل، بوفرة وبجودة عالية ولفائدة حاجيات داخلية قائمة؟

ومع ذلك، وعلى الرغم من الحصيلة الشبه كارثية لذات المخطط، فإن رئيس الحكومة الحالي، صاحب المشروع ورائده، لا يعتبر كي يتراجع...حتى إذا حل رمضان العام 2023، وجد المواطنون أنفسهم وجها لوجه مع سوق للخضراوات والفواكه واللحوم وقد تضاعفت أسعار مواده بأربع وخمس مرات، دع عنك ندرتها من السوق...

ولعل لجوء الحكومة إلى استيراد أبقار من البرازيل، نحاف عجاف، لدليل قاطع على فشل المخطط بالجملة والتفصيل...مع أن السوق الوطنية لم تشك يوما خصاصا في اللحوم، قبل قدوم المخطط "المشئوم"...

هل نحن بحاجة لإعلان فشل المخطط؟...بكل تأكيد...على الأقل من زاوية أن نصحح كي نتدارك.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

13 مارس 2023

Vous pouvez partager ce contenu