Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة "الصباح": "الاستراتيجيات الرقمية في المغرب: عطب التصور وغياب الحكامة"

صرح يحيى اليحياوي، الخبير في الاتصالات، لجريدة "الصباح"، أنه بقراءة عابرة للاستراتيجيات والمخططات المتمحورة حول الرقمي بالمغرب، نلاحظ أنها كانت في معظمها استراتيجيات ومخططات طموحة في تصوراتها ومحددة فيما يخص النتائج المتوخاة منها، من زاوية شموليتها ومن زاوية إيلائها الأولوية لقطاعات بعينها. الميزانيات الضخمة التي رصدت لها والمشاريع المختلفة التي راهنت على تغطيتها تبرهن على ذلك.

 بيد أن معظم هذه الاستراتيجيات لم تخضع لرؤية ناظمة، برأيه، ولكأن توفير المال والأعتدة المعلوماتية والبرامج كاف لوحده لإدماج المغرب فيما يسمى "مجتمع المعرفة". غياب الرؤية يبدو واضحا من الهوة الواسعة بين التوقعات وبين الإنجازات على الأرض، بدليل أن التحول الرقمي لم يدرك، لا بل إن أبسط مقوماته لم تنجز من قبيل ربط المؤسسات فيما بينها، أو تبسيط المساطر الإدارية أو تخفيف الضغط على المواطن للحصول على المعلومات، أو على الخدمات الأساسية التي يحتاجها.

الجانب الثاني في فشل هذه الاستراتيجيات يكمن في نظر اليحياوي، في تضخيم بعض التوقعات قياسا إلى الموارد المرصودة لها. المثال هنا يخص قطاع التعليم، والصحة والداخلية والخارجية وغيرها. البرامج التي أفلتت من الفشل هي التي كانت الدولة عازمة على ضبطها بغرض ضمان تحصيل الضرائب، والتصريح بالقيمة المضافة ومراقبة تقارير نهاية السنة التي تقدمها المقاولات لمصالح وزارة المالية، إلى جانب بعض المصالح الأخرى كالمحافظة العقارية أو الجمارك أو ما سواها.

ثم هناك انعدام تحديد الأدوار والمسؤوليات ومستويات التدبير والرقابة، يتابع اليحياوي. هذا الجانب لوحده استنزف ميزانيات ضخمة، دون إمكانية معرفة أين صرفت هذه الميزانيات وكيف ومن لدن من بالتحديد، بسبب غياب آليات التتبع، أو لنقل لتشتتها بين العديد من الوزارات. هذا يشي بالاستعمال المزدوج للميزانيات، بانعدام مسالك الالتقائية بين القطاعات وبغيات آليات تحديد نقط الضعف لتداركها قبل انتهاء مدة البرنامج أو الاستراتيجية.

إلا أن البعد الأخطر في العملية برمتها، بنظر الخبير، إنما يتمثل في أن آليات الحكامة شبه مغيبة، مع أن بعضها تم التنصيص عليه. مثال واحد للتدليل على ذلك وهو المتعلق بمسألة التقييم. الاستراتيجية الأولى (2005-2010) وقد رصدت لها ميزانية تناهز ال 20 مليار درهم، لم تخضع للتقييم نهائيا، بل بوشر في الثانية (المغرب الرقمي 2009-2013) مباشرة، ثم بوشر في الثالثة (المغرب الألكتروني 2020)، ثم في الرابعة (المغرب الرقمي 2025) دون تقييم أيضا. استراتيجيات متوالية ومتتالية، لكننا لا ندري كم رصد لها، من أين بالتحديد، وفق أية آليات وعلى أي أساس زمني يمكن بدء التقييم.

 يجب أن أشير هنا إلى أن تقرير مجلس الحسابات عن المغرب الرقمي 2013، ثم تقريره عن الخدمات الموجهة للمرتفقين، هما الوحيدان اللذان تعرضا لبعض جوانب الاستراتيجيات السابقة، لكن بعدما "وقعت الفاس في الراس". وقد وقفا على فظاعات، تعرضت لها بالتفصيل في كتابي قيد النشر عن "الرقمنة والتنمية بالمغرب: القطيعة الكبرى" الذي سيصدر في باريس في نونبر القادم. مثلا رصدت لجوانب "الثقة الرقمية" ميزانية معتبرة، لكنها اقتصرت على بعض النصوص وبعض الوعود الذي لا يمكن التثبت منها. "الرأسمال البشري"، وهو من مقومات الاستراتيجية الثانية، نلاحظ أنه لم ترصد له أية ميزانية في البداية، لكننا في "تقارير المنجزات" التي قامت عليها وزارة التجارة والصناعة، نلاحظ أنه قد ذكر وتم الحديث عن الميزانية التي رصدت له ولكأنها رصدت في البدء.

وللتذكير أيضا، فتقارير المجلس الأعلى للحسابات، وإن كانت لا تعنى إلا بالجوانب المتعلقة بصرف المال العام، فإنها قد تعرضت بالتفصيل لضعف الاستراتيجية التي أخضعتها للتقييم، لا سيما فيما يخص فشلها في تخفيف الهوة الرقمية أو تحسين تصنيف المغرب ضمن التقارير الدولية، وهما المستويات اللذان فشلت فيهما كل الاستراتيجيات فشلا ذريعا.

من أعطاب هذه الاستراتيجيات الكبرى، بنظر الخبير في الاتصالات، هو الطابع العشوائي الذي يميزها جميعا، والمقاربة الخاطئة التي تحكمها، لا سيما فيما يتعلق بالتتبع والحكامة. لذلك اقترحت على لجنة التجهيزات بالبرلمان في العام 2015، خلق هيئة معتمدة لدى رئيس الحكومة تكلف بهذه الجوانب، وتكون هي المحاور الأساسي للأطراف المعنية، والتزمت بأن أقدم تصورا عن كيفية اشتغالها. سرقوا الفكرة وأنشأوا الوكالة دون حتى طلب رأيي. عينوا لها مديرا عاما لا أعرفه...من حينه، لا ندري أين نحن ولا إلى أين نحن ذاهبون بهذا العبث...

جريدة "الصباح"، تصريح، 3 أكتوبر 2022 (استقى التصريح: برحو بوزياني)

Lire l'article

Vous pouvez partager ce contenu