-- بداية ما هو رأيك في مبادرة المشاورات الجديدة التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية في بعد سنة على اعتماد النموذج التنموي وفي خضم النقاش المتواصل حول النظام الأساسي وبرامج الإصلاح المتتالية؟
== يجب مقاربة المسألة من زاويتين، الأولى من حيث الخطاب السائد طوال الخمسين سنة الماضية، والثانية من زاوية وقع ما سمي بالإصلاحات على الأرض. الواضح أنه منذ 40 سنة ونحن نتحدث عن الإصلاح، نعيش في ظله ونجتره. يأتي وزير بمشروع على نقيض مشروع أو مشاريع من سبقه، ويأتي آخر من بعده، فيقدم عكس ما قام به سلفه ويأتي آخر بمشروع مضاد، والمسألة تنحو مناحي عدة متضاربة ومتناقضة، مهدرة للمال العام وللزمن...نشعر بالتعليم أننا ندور حول أنفسنا إلى ما لا نهاية.
هناك تشخيصات حد التخمة، وهناك سيناريوهات وحلول وضعت وخطاب مواكب يعد بإصلاح المنظومة بأسلاكها المختلفة، وهناك مؤسسات ولجان وهيئات تقييم وميزانيات ضخمة ترصد، لكننا لا نكاد نجد شيئا ذا بال على مستوى واقع الحال وعلى أرض الواقع. هل يعقل أن نبقى نجتر نفس مظاهر الخيبة لأكثر من نصف قرن من الزمن؟ أين الحلقة المفرغة بالتحديد قياسا إلى تعدد المؤسسات وتكاثر البرامج، وضمنها البرنامج الاستعجالي الذي ضخت في صندوقه ملايير الدراهم؟ أين ربط المؤسسات التعليمية بالحواسيب وتزويدها بالبرامج المعلوماتية كما نصت على ذلك خطط المغرب الرقمي في صيغتها الأولى وفي صيغتها الثانية، وكما نصح بعض الخبراء الأجانب بذلك؟ أين مستويات المساءلة للنظر في مكامن الإخفاق والعمل على تجاوزها؟
لا شيء من ذلك على أرض الواقع، إذ يظل الإصلاح الحقيقي معلقا والخيارات الناجعة مستبعدة. البيئة التعليمية باتت بيئة طاردة، وإلا فما تفسير مئات ألاف التلاميذ الذين يتعثرون في منتصف الطريق، فتلفظهم المدرسة جملة وتفصيلا، وترمي بهم في الاقتصاد الأسود أو تدفعهم مباشرة صوب عالم الجريمة والعنف. هذا مؤشر في حد ذاته يجيب عن سؤالك.
السلسلة مختلة وتزداد اختلالا كلما تقدمنا. منسوب من يصل مستوى الباكلوريا متواضع، من يحصل على الإجازة متواضع، ومن يبلغ الماستر أكثر تواضعا ناهيك عن الدكتوراه. لا تراكمات في المعرفة ولا طرق بيداغوجية يعتد بها ولا كفاءات يمكن للمرء أن يراهن عليها في المستقبل. عندما أراجع العشرات من الرسائل الجامعية على مستوى الماستر أو الدكتوراه أصاب بالخيبة والتحسر على المآل. هل الأمر مخطط له؟...أزعم ذلك.
-- المثير أن الوزارة باشرت مشاوراتها بعد سنة على دخول النموذج التنموي الجديد حيز التنفيذ علما بأن النموذج اعتمد مشاورات واسعة بما فيها قطاع التعليم. والأكثر من ذلك أن الوزير هو نفسه رئيس اللجنة الأمر مثير للإستغراب..
== كما قلت، الأمر يتعلق بسلسلة. من الثمانينات إلى اليوم هناك خطاب موجود وميزانيات ترصد وتصرف وقضي الأمر. بالنسبة للمدرسة العمومية، كان من المفروض أن نرى بها بعض بقع الضوء على الأقل من باب أن الوزير هو رئيس اللجنة. لكن المفاجأة أن هدر الزمن المدرسي كان خلال هذا الموسم جد مرتفع. نسبة كبيرة من التلاميذ لم يتلقوا الحصص المقررة بسبب الإضرابات والتغيبات وسيادة منطق اللامبالاة...سمعنا أن الدراسة ستمتد لشهري يونيو ويوليوز من أجل تعويض ما فات، لكن يبدو أن السنة الدراسية انتهت بمتم شهر ماي. إذن أين النموذج التنموي؟ كلام في كلام و كذب في كذب وغش في غش وفساد في فساد وافتراء في افتراء. طالما لم تحل معضلة التعليم، سنظل بالتأكيد نراود مكاننا، حتى وإن تم إغراؤنا بمشروع ضخم هنا ومشروع ضخم هناك... المسؤولون لا يدركون أن مصيبتنا الكبرى تكمن في التعليم، وهي التي قد ترتد علينا جميعا، لأنها قنبلة موقوتة يحاولون مداراتها والتخفيف من وطأتها بمشاريع لا نرى منها شيئا في الواقع المعاش.
-- هل تتجسد هذه القنبلة الموقوتة في ما نشاهده في السنوات الأخيرة من شغب في الملاعب وحولها؟
== لا يمكن أن نقيس المسألة بحالة الشغب في الملاعب، حتى وإن كان لترهل التربية والتعليم دور مباشر في ذلك. ما يجري بالملاعب يعبر عن حالة احتقان وضغط اجتماعي يتم تصريفهما بصيغ عنف وتخريب قد لا يدرك أصحابها الغاية منها. نفس الاحتقان نجده بالمدرسة أيضا، ولنا أمثلة كثيرة في العنف المدرسي الممارس على التلاميذ أو على الأساتذة أو على المسؤولين أنفسهم. وهو عنف يمارسه التلميذ على نفسه أيضا، من خلال التعاطي للمخدرات أو السلوكات المنحرفة من طريقة لباس وحلق الرؤوس وطريقة التعامل داخل الفصل.
هذا عيب وخلل يكاد يكون عاما داخل المنظومة. هم بالتأكيد يعرفونه لكن لا يرغبون في علاجه أو ليس بمقدورهم معالجته. ثمة غياب للصرامة يتحمل الكل المسؤولية فيه، وهو المعيار الوحيد الذي من شأن أن يعيد للمدرسة بعضا من حرمتها. لو عدنا للبرامج والمناهج، ماذا نجد. نجد أيضا كثافة في المواد، لكن يتم تصريفها بطرق أستطيع أن أقول إنها عشوائية...ولا أخفيك أنني قضيت هذه السنة كاملة ألقن فيها لابني الدروس وأبحث له عن التمارين كما لو أنه لا يداوم بالمدرسة، لأنه لا يتعلم شيئا بالمرة، اللهم إلا بعض الاستثناءات...نحن درسنا بزمننا بمقررات بسيطة، لكن تعلمنا منها كثيرا، لأنها كانت تلهمنا وتفتح أعيننا...والدليل أن طريقة التدريس هذه خرجت الكثير من الأطر ببرامج وأدوات بيداغوجية بسيطة.
خذ حال الجامعة. المصيبة هنا أعظم. مصيبة الجامعة حاليا تكمن في نظام الإجازة \الماستر\الدكتوراه (LMD)، فالطالب يقضي 3 سنوات في الإجازة ولا يحصل على شيء ويحضر للماستر بأطروحة من 400 صفحة شبه منقولة ومكرورة، تفتقد للصرامة المنهجية، ولا تكاد تجد بها طرحا أو أطروحة يعتد بها. ثم تجد رسائل دكتوراه من 700 أو 800 صفحة تتيه عند قراءتها، في تحديد طبيعة مضمونها وهدف صاحبها، دع عنك ما يقدمه من جديد، في حين أن الإجازة في النظام السابق كانت مبشرة وتفتح الباب أمام الطالب في دبلوم الدراسات العليا أو دكتوراه الدولة. كنا بإزاء رسائل دكتوراه حقا، منهجا ومضمونا وقيمة مضافة. الآن أصبح تحصيل شهادة الدكتوراه يتطلب بضع سنوات، والنتيجة تخمة في الدكاترة، لا يتوفر معظمهم على الحد الأدنى من العدة المنهجية التي تؤهلهم للبحث. والدليل هنا أن 90 بالمائة من هؤلاء، وضمنهم أساتذة بالجامعة لا ينتجون...أتحدث هنا عن المقالات العلمية، أما الكتب، فتلك مصيبة أعظم.
أنا أتحدث هنا من باب المعاين، دع عنك الكلام "الكبير" الذي يتشدق به هذا أو ذاك: الغلة دون المستوى، والحصاد ضعيف للغاية. وهناك مسألة أخرى تتعلق بعلاقة كل هذا بسوق الشغل وتلك مصيبة أخرى. كم تخرج المدارس والجامعات المغربية سنويا؟ وكم يستقطب سوق الشغل منهم؟ التوظيف في القطاع العام متوقف والقطاع الخاص ميت ويعيش على الريع، فأين سيذهب آلاف الخريجين؟ سيلتحقون بالمنقطعين عن الدراسة المشاغبين في الملاعب. المنظومة مهترئة، ولا نملك نظاما يعمل على إنتاج نسقيته الخاصة. التعليم منظومة مثل الجسم الذي ينتج مضاداته الحيوية الخاصة ولا يتطلب كل مرة العلاج الخارجي لكون الحل يكمن في الداخل.
عند دراسة مطالب الأساتذة ورجال التعليم، نجد أنها منصبة على تحسين أوضاعهم المادية فقط، أي أنها مطالب فئوية لا تركز على المنظومة ولا يعنيها كثيرا ما يحدث. هي تركز على الترسيم والزيادة في الأجرة والانتقالات وما سوى ذلك. وبما أن الدولة لم تستطع حل المشكل والفاعلين في القطاع رفعوا أيديهم عنه، فقد أصبح معلقا لدرجة أن الجميع بات اليوم يشتغل في منظومة معلقة. لم نعد ندري ما الفائدة من التحصيل وما هي آفاق ما بعد التحصيل وأسئلة أخرى بسيطة لم يستطع هؤلاء معالجتها ويكتفون بتسويق خطاب لتطييب الخواطر وتأجيل الحلول...
-- لنعد لمصطلح الإصلاح. هل مازال هذه العبارة تصلح حاليا أم أن الحل هو إعادة البناء من جديد؟
== لا أظن أن مصطلح الإصلاح بات مفيدا ولا عملية الإصلاح مجدية. نحن هنا لسنا بإزاء سيارة قابلة للإصلاح، عندما يتعلق الأمر بمشكلة بسيطة كتسرب الماء أو الزيت أو ارتفاع حرارة المحرك. هنا يكون للإصلاح معنى، لأنه يطال عطبا محددا في جهاز قائم. نحن في التعليم نواجه منظومة مهترئة، تشتغل بدون رؤية ولا أفق. منطق الإصلاح هنا هو من منطق الترقيع (REPLATRAGE)، تماما كما تضمد رجلا مكسورة بالجبص، دون أن تجري فحوصات وأشعة لتشخيص الإصابة وعلاجها بدقة. المطلوب اليوم هو لقاءات مصارحة ومكاشفة، فقد تعبنا من اللجان والبرامج والمخططات وتفريخ المؤسسات، واستنزفنا مما يصب في ميزانيات لا نعرف كيف تصرف وما حصيلة ذلك كوقع على الأرض. أنا أتصور أن هذا الملف يجب أن يدار على مستوى عالي، ولربما مباشرة من لدن القصر، كي نقطع مع المزايدات ونضع حدا للخطابات الشعبوية التي لا تقدم بقدر ما تؤخر. لقد جربنا كل الصيغ، بقيت صيغة أن يتكفل الديوان الملكي مباشرة بهذا الملف ويديره بطريقته، ويعيد له الحرمة التي من المفروض أن تكون لديه.
من يراهن على الأحزاب أو النقابات أو الحكومات المتوالية، سياسية أو تكنوقراطية، لحل معضلة التعليم بالمغرب، فهو واهم. لقد انتهى زمن الإصلاح، وبات سيناريو التغيير هو المدخل الوحيد لتدارك الزمن المهدور منذ سنين طويلة. يجب أن نعرف كيف نبدأ، حتى نضمن للتغيير فرص النجاح. أما التغيير فهو قادم لا محالة.
هذا لا يعني أنه لم تكن هناك بقع ضوء. لقد كان للمرحوم بلفقيه تصور والميثا الذي وضعه، كان له بعض الأثر على محدوديته. الوفا رحمه الله كان صاحب مشروع أيضا، وكان قد باشر عملية "تنظيف" لمؤسسة منتفخة، بيروقراطية لا تحتكم لرأس واحدة. لكن العملية لم تستمر، لأن مناهضي التغيير كانوا بالمرصاد ولهم الأدوات والتقنيات، ويتقنون فنون الكر والفر.
مرة أخرى أقول إن الإصلاح لم يعد ممكنا. المطلوب هو الهدم وإعادة البناء، حتى وإن كلفنا الأمر بعض الوقت وبعض الإمكانات. لا يمكن أن تصلح بيتا طالته التصدعات من كل جانب. قد ترمم هنا أو هناك، لكنك لا تضمن احتمال تهاويه فجأة جراء كثرة التصدعات، ومنظومة التعليم باتت عرضة لتصدعات بنيوية، لم يعد البنيان يستقيم معها بالمرة.
هل ثمة نية لإعادة البناء؟ لا أظن. لأن الناس تخشى التغيير، تعتبره من باب المجهول، حتى وإن فيه خلاصها. العضو المريض لا بد أن يبتر وإلا لطال المرض كل الجسد. في التعليم، كل الجسد عليل. هل لهم المصلحة في التغيير؟ لا أظن. وإلا لكانوا باشروه بناء على تقارير تدينهم المنظومة بالكامل؟
يجب إعادة بناء المنظومة المهترئة والآيلة للسقوط على أسس وتصورات جديدة وبرؤية واضحة، بعيدا عن العشوائية التي يدار بها قطاع التعليم، وذلك يفترض وجود أناس مخلصين، يشتغلون وفق رؤية وبأفق زمني وبمشاريع محددة قابلة للتقييم المنتظم. التقييم هنا لا يعني المحاسبة فقط أو العقاب. إنه يعني التقويم كي لا تتم معاودة نفس الأخطاء.
-- استخلص العالم دروسا كثيرة بما فيها المغرب وعلى رأسها أهمية قطاعي الصحة والتعليم. هل استفاد المغرب من دروس كورونا في هذا المجال؟
== طريقة تفكير المسؤولين المغاربة طريقة خطية خالصة (LINEAIRE)، لأنها قصيرة المدى، ولا تستحضر البعد الاستشرافي الذي يسهل الرؤيا. كورونا كانت معطى خارجيا لم يكن بالحسبان، لكنه، باستثناء عملية التلقيح، لم يتم البناء عليه بالطريقة الصحيحة، ولم تستخلص منه كل العبر. المنظومة الصحية بالمغرب منظومة مهترئة هي الأخرى، لكن عوض أن نأخذ من كورونا العبرة، اقتصرنا على تدبير المرحلي على حساب الاستراتيجي. كان بودي أن تتقوى المستشفيات العمومية، ويعاد تجهيزها وتزويدها بالكفاءات الضرورية. لكن الواقع شيء آخر. يقال إن مشروع التغطية الصحية سيحل جزءا من المشكل. صحيح. لكن تكفل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالحصة الكبيرة فيها، ليست بشرى خير، أولا لأن الصندوق يدار بطريقة غير شفافة وثانيا، لأن تغطيته تبقى دون المستوى. ولنا في ذلك المستويات الضعيفة في تغطية تكاليف المرض والدواء.
في التعليم، عاينا "مشاريع" التعليم عن بعد والدروس عن طريق التلفزيون، لكنها لم تعط النتائج المرجوة في المستويات الدنيا، حيث لا يمكن الاستعاضة عن التعليم عن قرب. ومع ذلك، فالتجربة تحتاج لتقييم دقيق حتى نرى في البدائل إن لا قدر الله حلت بنا جائحة شبيهة بكورونا.
لكننا عاينا في الحالتين معا، ظهور "طبقة" من رجال الأعمال اتخذت من كورونا وسيلة للتربح السريع والريع، و"طبقة" من تجار الحواسيب والمبدلات وشركات الاتصالات استفادت من الظاهرة لابتزاز العائلات وتحميلهم تكاليف إضافية غير منتظرة.
كان من المفروض أن نضع تقييما لما جرى خلال العامين الماضيين. لقد كانت فرصة ثمينة، أبانت بقوة عن قصورنا وتخلفنا وضعفنا، لكنها تبقى فرصة للتدارك أيضا إن استطعنا أخذ العبر.
استجواب، جريدة الأيام، أسبوعية، الدار البيضاء، 2 يونيو 2022