السؤال الأول: كيف يقيم مجال الإعلام خلال العشر سنوات الماضية؟
يحيى اليحياوي: هناك زوايا مختلفة للإجابة على هذا السؤال، لكن المجال يضيق هنا للوقوف عند كل منها. لكن دعني أقول بصيغة عامة، بأن العشر سنوات الأخيرة تشي في مظهرها بأن ثمة سعة نسبية في مجال الحريات الإعلامية، سيما على مستوى الصحافة المكتوبة، لكن هذا غير مؤكد بالمرة لو دققنا في الأمر، ولك أن تراجع تقرير منظمة فرديم هاوس لشهر ماي الماضي، الذي وضع المغرب بالرتبة 140 ضمن 195 دولة.
إن تحليل طبيعة القضايا التي تتابع فيها العديد من المنابر الإعلامية المكتوبة، ودراسة الغاية من المتابعات القضائية، وحجم الغرامات الباهظة التي طاولت هذه المنابر، كل ذلك إنما يدل في اعتقادي، على أن ثمة انتكاسة حقيقية لحرية التعبير الإعلامية، كانت محتشمة في سنوات حكم محمد السادس الأولى، لكنها باتت اليوم معطى قارا، قد يأخذ بعض التلاوين والتأويلات، لكن النتيجة واحدة: الحجر على حرية التعبير بكل الأشكال.
أما المشهد السمعي/البصري، فالوضعية لم تتغير كثيرا على مستوى المضامين، على الرغم من خلق بعض المنابر الإذاعية الجهوية، وبعض المحطات الماسخة على الساتل. بهذه النقطة، أنا مستعد للقول بأن هذا المشهد لا يزال مرتهنا، ولا قيمة مضافة تذكر من بين ظهرانيه بمقياس ثلاثية "الإخبار والتثقيف والترفيه".
بالحالتين معا، فأنا لطالما قلت بأن العبرة في الإعلام يجب أن يكون محكها المضامين، لا الأدوات، وأن سن القوانين وخلق المؤسسات لا يجب أن يطاول الحامل، بل أن يتساءل في طبيعة الرسالة المحمولة أيضا.
السؤال الثاني: ما هي أهم العوامل التي أطرت التحولات المرصودة في هذا المجال؟
يحيى اليحياوي: هناك عوامل بنيوية خانقة، لم ينجح المشهد الإعلامي المغربي في تجاوزها، على الرغم من طفرة التكنولوجيا، وتطور حاجات ورغبات المغاربة. وأولى هذه العوامل خاصية الوصاية التي تمارسها الدولة على الصحافة ومنذ اليوم الأول، بطريقة مباشرة فجة، أو عبر آليات قانونية ناعمة، وضمنها محاولات تقضيم نفوذها عبر الغرامات المحيلة صوبا على الإفلاس.
بجانب المجال السمعي/البصري، الأمر متشابه إلى حد بعيد، إذ لم يستطع هذا المجال فك الارتباط الذي يرهنه لمستويات الدولة، ولبعض اللوبيات أيضا. وهذا يحد من قدرته على استنبات الحد الأدنى من الحرية أو من ثقافة القرب.
أنا أتصور أن ثمة حيطة وحذر شديدين من لدن الدولة بإزاء هذا المرفق، لدرجة قد يبدو معها للشاهد بأن ثمة حركية وفعلا، في حين أن السكون والرتابة هما القاعدة الثابتة. هناك انعدام للثقة كبير جدا ولكأن كل ما يكتب هنا وهناك هو من باب المؤامرة الصرفة، التي تتغيأ المس بأمن الدولة، بهبتها وبنفوذها. وهذا تصور مرضي بامتياز.
السؤال الثالث: ما هي التحديات المستقبلية في مجال الإعلام؟
يحيى اليحياوي: الدولة لا تتوفر على رؤية لما يجب أن يكون عليه دور الإعلام في المجتمع. وهي لا تتوفر على العزيمة السياسية، التي قد يكون من شأنها خلق فضاء إعلامي، مكتوب وسمعي ومرئي سليم. هي تتعامل مع هذا المرفق باعتباره غريما، إذا اشتد عوده لربما قد يفسد الترتيبات القائمة والقادمة. وأتصور أن المتابعات والقضائية والمحاكمات تدخل في هذا السياق.
من ناحية أخرى، يبدو لي أن الجسم الصحفي بدوره لم يتمثل بعد قيم وأخلاقيات المهنة، ليس فقط بسبب غزو المجال من لدن طفيليات كثيرة لا علاقة لها بالإعلام بالمرة، ولكن أيضا لأن غياب قانون للنفاذ إلى المعلومات يجعل الصحفي إما يرتكن إلى التكهن، أو يشتغل على الشائعة، فيكون بالحالتين معا مقتله.
جريدة التجديد، 12 يوليوز 2009