1. أثير مؤخرا نقاش محموم في مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص نقل القناة الثانية لسهرة لوبيز، فهناك من اعتبره مخلا بالآداب العامة، ومن اعتبر الخطوة التي أقدمت عليها دوزيم خطوة محمودة في تكريس مجريات موازين لمن تعذر عليه الحضور. ما رأيك في ما بثته دوزيم؟
يحيى اليحياوي: لقد كتبت في حينه نصا نشرته بموقع الجزيرة نت بعنوان "موسم الميوعة الشامل في المغرب"، كما أني نشرت العديد من النصوص حول مهرجان موازين منذ انطلاق نسخته الأولى في العام 2004 وإلى حين نسخته الأخيرة، نسخة العام 2015.
ويبدو لي أن مناهضتي للمهرجان لم تأت من باب التحامل الصرف، بل من قناعتي بأنه لا يهم المغاربة في شيء، بقدر ما يهم النخب الفرنكفونية التي تجد ذاتها في كذا تظاهرات. والدليل على ذلك طبيعة الشركات والمقاولات والشخصيات التي تقدم الدعم لهذا المهرجان، في حين أنها لا تقدم شيئا يذكر للترويج للثقافة المغربية أو للكتاب المغربي أو للبحث العلمي أو لما سوى ذلك.
ثم إني أناهض المهرجان لأنه بات وجهة للشواذ والمرضى النفسيين والدافعين بثقافة العري والميوعة و"الفن الصاخب"، ناهيك عن "التعويضات" الضخمة التي تقدم لهؤلاء، ولحالة الاستنفار الإعلامي التي تترتب عن هذه التظاهرة، بالشوارع العامة وبمختلف وسائل الإعلام.
أما عن نقل القناة الثانية لسهرة لوبيز، فيبدو لي أن الأمر لا يتعلق بتقريب القناة للمغاربة الذين لم يتسن لهم متابعة "الحفل"، بل هو أمر أقرب إلى الاستفزاز منه إلى العمل المهني. الكل بات يدرك اليوم بأن ثمة شد للحبل بين القناة الثانية وحكومة بنكيران، لا سيما وأن هذا الأخير كان يناهض المهرجان عندما كان بالمعارضة. إنه عمل من باب إحراج الرجل، وإظهاره بمظهر من لا يستطيع فعل شيء بوجه مديرة الأخبار بالقناة الثانية، ولا فعل شيء بوجه الرئيس المدير العام للقطب العمومي.
أما القول بأن القناة لم تفرض على المشاهدين متابعة نقل السهرة، فهذا قول مردود عليه. فالقناة تجتبي جزءا من مداخيلها من المال العام، بالتالي فمن المفروض أن تقدم ما يرضيهم لا ما ينغص عليهم. إن المفروض أن تستقي آراءهم قبل البث، لا أن تضعنا في الاختيار الخطأ على خلفية من القول بأن للمواطن أن يتابع النقل أو يغير القناة. هذا أمر لا ننتظر بخصوصه نصيحة من أحد.
2. تقدم بن كيران برسالة للهاكا اعتبر المشاهد التي نقلها لا تحترم الآداب العامة ولا تتماشى مع قيم المجتمع باعتبارها المؤسسة الوطنية المنوط بها تتبع ومراقبة المنتوج الإعلامي المبثوث في قنوات القطب العمومي. هل بن كيران صائب في ما أقدم عليه؟
يحيى اليحياوي: هذه الهيئة هي هيئة استشارية صرفة، أي أنها لا تتعدى كونها جهة لإبداء الرأي والمشورة للمستويات الرسمية التي تطلبه منها، حتى وإن سبق لها أن بثت بجهة معاقبة هذا المنبر السمعي أو المرئي لتجاوزات ما. على أساس هذه الخلفية، يبدو أن رسالة بنكيران مسوغة ومبنية على سوابق بالإمكان البناء عليها.
لكن الهيئة ليست مستوى قضائيا بإمكانها إعمال الزجر والمعاقبة في حق هذا المنبر أو ذاك. إنها قد تنبه وتلاحظ وقد تذهب لحد البث في بعض القضايا البسيطة، التي لا يمكن البناء عليها للقول بأنها باتت حقا وحقيقة مستوى للتقاضي بين الفرقاء الخصوم. بهذه الزاوية، يبدو لي أنها ليست الجهة التي كان بالإمكان التوجه لها بطلب التحكيم.
ثم إن الهيئة غير مجبرة للرد على رسالة رئيس الحكومة، ولا خاضعة لآجال محددة في تقديم ذات الرد، إن كان لها أن ترد. هذه كلها أمور يطول فيها التفصيل والمقام لا يتيح ذلك.
لكن قناعتي الخاصة أن الهاكا هي جزء من المنظومة، وليست فاعلا من خارجها. إنها لم تؤسس لممارسة في مستوى الصفة الدستورية التي أعطيت لها في العام 2011. إنها بالتالي مستوى إداريا أستطيع القول بأنها لن تستطيع، بهذه النازلة، تقديم رأي إذا لم يشر إليها بذلك. إنها تدرك أن ثمة شدا للحبل بين حكومة بنكيران والقناة الثانية، وتدرك جيدا منسوب الاحتقان بين الطرفين، وتدرك أكثر أنها لو أبدت رأيا ينصف بنكيران بهذا الشكل أو ذاك، فستكون كمن ينتصر لطرف على حساب طرف آخر.
ولك أن تقرأ مليا رفضها لطلب رئيس الحكومة وتهربها من البث فيه وتخفيها خلف تفاصيل قانونية جانبية. أنا كنت متأكدا من منطوق ما سيصدر عنها، لأنها لا تستطيع أكثر من. وهذا الأمر يطول الحديث فيه هنا.
لذلك فأنا شخصيا انتظرت طبيعة الرد بخصوص هذه الواقعة، على الأقل حتى يتأكد لي ما زعمته صيف العام 2002، تاريخ إنشاء الهيئة، عندما قلت بأنها ولدت ميتة، أو في أحسن الأحوال مشوهة الخلقة، لا تنتظر إلا إبرة الموت الرحيم، بنية وبنيانا. بالرد الذي طلعت علينا به الهاكا تأكد لي قطعا بأن هذه المؤسسة لم تعد ذات فائدة تذكر، وإلا ففيما ستبث مستقبلا؟ وأنا مستعد للقول بأن إدراجها ضمن المؤسسات الدستورية قد بات أمرا فيه نظر ونظر كبير.
3. الظاهر أن تعنت الإعلام العمومي لا زال مستمرا، فهل هذا دليل على أن الأشخاص المتربعين على عرش الإعلام العمومي أكثر قوة من رئيس الحكومة؟
يحيى اليحياوي: الإعلام السمعي/البصري بالمغرب ليس من صلاحيات رئيس الحكومة، إنه من صلاحيات الملك مباشرة وفق قاعدة "ما للملك وما لرئيس الحكومة". ولذلك، فالحكومة لربما لم تدرك، عندما كانت تصيغ دفاتر التحملات مثلا، بأن هذه الأخيرة لن تترجم على أرض الواقع إذا لم يرتضيها الملك أو يؤشر عليها. وقد رأينا مآل رئيس الهاكا السابق ومديرها العام بعدما أجازوا هذه الدفاتر دون تأشير من عل، لا بل وكلنا يذكر استقبال الملك لوزير الاتصال ووزير الدولة الراحل عبد الله باها، ووزير السكنى في حينه نبيل بنعبد الله، وكلف هذا الأخير بإعداد دفاتر أخرى تكون على المقاس.
الإعلام المرئي والمسموع بالمغرب هو تاريخيا جزء من منظومة السيادة التي لا تزال بيد الملك وحده، له أن يفعل فيها ويفعلها كيفما يبدو له بمنطوق الدستور، وبحكم الرمزية التي لهذا القطاع وتعذر لدرجة استحالة "تفويته" لحكومة فما بالك لحزب ذي أغلبية هشة. ثم إن القطاع محصن وتصوره قائم ومرضى عليه...وإلا فكيف نفسر بقاء العرايشي لما يناهز العقدين على رأسه وما السر خلف خرجات مديرة أخبار القناة الثانية وتحدي بنكيران بعدم قدرته على إزاحتها من منصبها.
بالتالي، فسيبقى شد الحبل هذا قائما لحين تغير قواعد اللعبة، إما بخوصصة القطاع جملة وتفصيلا، وفي هذه الحالة، فله أن يشتغل بالطريقة التي تريحه، أو بتثبيت وصاية الحكومة على مرافقه، وعليه في هذه الحالة أن يمتثل لتوجيهاتها بالجملة والتفصيل، ويصيغ الطرفان عقودهما السنوية على هذا الأساس، وفق قاعدة المسؤولية والمحاسبة.
من جهة أخرى فأنا أزعم أن الإعلام العمومي لم يعد فقط دولة داخل الدولة، كما كان من ذي قبل، بل بات دولة ضد الدولة القائمة. وهذا مكمن الخلل وسر الممانعة التي نرى مظهرها بين الفينة والأخرى.
4. بالرجوع إلى الماضي، الكل يتذكر فاجعة كلميم التي راح ضحيتها أكثر من 40 شخصا، إثر الفيضانات والكل كذلك يتذكر السهرة التي أحيتها دوزيم والتي تزامنت مع الفاجعة، وقبلها، أوقد فريق عمل دوزيم شموعا في واضحة النهار تضامنا مع ضحايا شارلي إيبدو. الازدواجية في تعاطي دوزيم مع حدثين متشابهين هما: حادث شارلي إيبدو، وحادث كلميم ألا يكرس نوعا من التبعية لفرنسا؟
يحيى اليحياوي: الأمثلة التي قدمتها تبين جليا بأن بوصلة القناة ليس المغرب ولا المغاربة. إنها تخدم أجندات خفية تتجاوز ما هو مفروض في قناة عمومية تجتبي مداخيلها من ضرائب المواطنين. إذا لم يكن الأمر كذلك، فهل إشعال الشموع في المآثم هو من صميم ثقافتنا؟ وهل التبرم عن تغطية الفواجع كالتي ذكرت بالسؤال هي من صميم العمل المهني، لو أردنا أن نقيس الأمور بمنطق المهنية والاحترافية؟
القناة الثانية تبيع المغاربة الوهم والكذب، تهينهم في ثقافتهم وأخلاقهم، لا تعير فواجعهم اعتبارا يذكر وقس على ذلك. ولذلك فأنا مثلا لم أقبل يوما أن أمر في برامجها أو أن ألج استوديوهاتها. وعندما يسألني البعض عن السر في ذلك، أقول لهم بأني أنا الذي أقاطعها وليست هي التي تمنع ظهوري. والفارق بين الأمرين واضح.
جريدة العلم، 29 نونبر 2016