Aller au contenu principal

سطوة الاتصال

news-details

من سنين قليلة مضت، أصدر إيغناسيو راموني، كتابا من حجم الجيب بعنوان "استبداد الاتصال"، صاغه بأسلوب سلس، تبنى فيه أفكارا مباشرة وواضحة، موثقا بذلك لتوجهات لطالما دفع بها، أو دافع عنها على أعمدة شهرية لوموند دبلوماتيك التي يديرها بكفاءة واقتدار ندر مثيلهما.

 يضم الكتيب عشرة نصوص قوية يخال للمرء أنها مستقلة، قائمة الذات، لكنها مترابطة، متكاملة، تصب مباشرة بهذا الشكل أو ذاك فيما أسماه المؤلف "استبداد الاتصال"... وبالإمكان اختزالها في ثلاثة محاور كبرى:

 + الأول وينطلق المؤلف فيه من مسلمة أننا حقا بإزاء ثورة تكنولوجية ضخمة في ميدان الإعلام والاتصال، حققت التقنيات الرقمية في ظلها تزاوج الهاتف والتلفاز والحاسوب، مكسرة الحدود التقليدية القائمة بينها، وفاسحة في المجال لفضاءات "جديدة"، لم يتسن لمرتكزاتها التكنولوجية أن تستقر بعد، ولم يتسن لأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تتحدد.

 من المسلمة أعلاه يذهب الكاتب إلى القول: "إنه ولئن أفرزت عمليات كبرى في التحرير والخوصصة وإعادة التقنين والدفع بالمنافسة إلى  أبعد نطاق، فإن الثورة إياها إنما أدت (بقطاع الإعلام والاتصال تحديدا) إلى بروز احتكارات جديدة، أضحى لها القول/الفصل في حاضر ذات القطاع كما في مستقبله، من خلال عمليات الانصهارات والاندماجات والتحالفات الاستراتيجية بقطاع الاتصالات كما بالسمعي/البصري كما بالمعلوماتية كما بغيرها".

 لم يعد للمعلومة أو للخبر (في ظل هذا "الواقع الجديد") لم يعد لهما من قيمة مواطناتية أو مدنية تذكر، بل أضحيا سلعة خالصة تخضع، شأنها في ذلك شأن باقي السلع، لمنظومة العرض والطلب، دونما تساؤل في طبيعتها أو وظيفتها، أو الغاية التي جاءت الثورة إياها (لربما) لتكريسها صوتا ومعطى وبالصورة.

 بالتالي، ففضاء الاتصال، يقول راموني، لم  يعد مقتصرا فقط على إدغام المعلومة والثقافة كل على حدة، بل  تعدى ذلك لحد صهرهما مجتمعتين في فضاء شامل وشمولي... أي في فضاء الثقافة العالمية ذات الخلفية الأمريكية، المرتكزة في جوهرها وفي منطوقها، على التطلع الجماهيري والكوني لذلك.

 + المحور الثاني ويتعلق بما يسميه المؤلف، في النص الثالث، بجدلية العلاقة بين "الصحافة والسلط والديموقراطية"، إذ إذا كانت وسائل الإعلام ومنذ القدم، في حالة  تنابذ وصراع مستدامين مع السلطة السياسية، فإن طبيعة ذات الصراع قد تحولت جذريا في ظل التقدم المتزايد للسلط الاقتصادية والمالية، ونجاحها في قضم ما تبقى للسلطة السياسية من  سلطة وسلطان.

 وحتى بإزاء هذه الأخيرة، يقول المؤلف، فإن المحك الذي أضحت مكمنه لم يعد مرتبطا بالفعل أو بنجاعة الفعل، بل بمدى القدرة على الاتصال في الزمن والمكان، لدرجة لم يعد معها من الهين (في ظل أزمة السلطة وتزايد الدعاية الإعلامية) معرفة أين تكمن السلطة حقا، وما السبيل للإمساك بدواليبها.

 يقال إن الإعلام هو "السلطة الرابعة"، لكن ذلك لا يقاس فقط بالاحتكام إلى التراتبية التي حددها مونتسكيو (والتي لا أثر لها بأرض الواقع يقول الكاتب)، بل إلى حركية جديدة أضحى بمقتضاها للسلطة الاقتصادية والمالية المرتبة الأولى، لسلطة الدعاية والتأثير المرتبة الثانية، في حين لا تحصل السلطة السياسية إلا على المرتبة الثالثة...في سياق ضاغط لم يغدو معه للتصنيفات السائدة من " قدسية" كبرى تذكر.

 بالتالي، فلم يعد، في سياق التراتبية إياها، من اعتبار كبير لمعادلة "الخبر يساوي الحرية يساوي الديموقراطية"، بل غدت ذات المعادلة خاضعة لمنطق الرقابة الذي بموجبه (بالدول الأكثر انفتاحا، كما بالدول الموغلة في الاستبداد) لا مكان للحقيقة إلا ما ارتضاه لها المتحكمون (الاقتصاديون والماليون، وإلى حد ما السياسيون) في هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك...حتى وإن اختلفت سبل الرقابة إياها بهذه الدولة أو تلك، أو تم التبرير والتسويغ لها بدقة.

 + أما المحور الثالث فقد أفرده الكاتب لإشكالية ما اعتيد على تسميته ب"أخلاقيات المهنة"، في ظل تجدر "أزمة الهوية" التي أضحت لازمة حقيقية لأكثر من وسيلة ولأكثر من منبر.

 لو كان هناك من أثر لذات الأخلاقيات، يتساءل راموني ونتساءل معه، فما السبيل لمعاينته في واقع حال تسيطر فيه المصالح الاقتصادية والمالية (والسياسية أيضا) على فضاء الصحافة والإعلام؟ ما السبيل للوقوف عنده، في ظل منظومة من فكر السوق مهيمنة، وشبكات في الولاءات تقضم ظهر من ينازعها ذلك، أو يشكك فيه، ناهيك عمن يتجرأ على فضحه؟

 بالتالي، يعتقد الكاتب، فقد أضحى من باب المجازفة حقا من لدن الصحفي (والإعلامي عموما) أن يتعاطى مع ذلك أو يتعامل معه، لا سيما في استبداد ظروف من البطالة قاهرة من بين مجال اشتغاله، وفي جو من تسيد "قيم"السوق والسلعة ورأس المال، ندر مثيله في التاريخ.

 لو كان للمرء أن يعمد إلى قراءة أخرى (ذات خلفية سوسيولوجية تحديدا) لما عرض له راموني بكتاب "استبداد الاتصال"، لاستوقفته حتما ثلاث نقط كبرى:

 + الأولى وتتمثل، في ظل ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال بكل روافدها، في استبداد البعد الافتراضي (أو السايبيري)، وطغيانه على المجال الواقعي الذي يضع المرء بمقتضاه رجليه على الأرض كما يقال.

 ليس المهم، بناء على ذلك، النفاذ إلى بنوك المعطيات وقواعد البيانات، عبر الموديمات والحواسب والسواتل، المهم هنا (في تصور الفرد) إنما الارتباط بذات الشبكات، بلوغ مطارفها، الإحساس بالتواجد بالشبكة وتمثله إياها (افتراضيا) كما لو كانت أمرا واقعا ملموسا.

بالتالي، فنحن هنا لسنا فقط بإزاء هيمنة الافتراضي على الواقعي، بل أيضا وبالأساس ربما، بإزاء انصهار المعلومة بحاملها، إدغام لها على شاكلة ما ذهب إليه مارشال ماكلوهان، أواسط ثمانينات القرن الماضي، من أن الرسالة هي بنهاية المطاف من حاملها ومن ممررها.

 + النقطة الثانية وتكمن في سيادة الاتصال وسمو مقامه، بالقياس إلى مبدأ التواصل.

لا يروم التلميح هنا القول فقط بتسيد الآلة على المضمون العابر لها، المقتني لأداتها، بقدر ما يروم التأكيد على نعرة الاتصال (عن بعد) التي وفرتها التكنولوجيات المتقدمة، والتي تحول الكل بموجبها إلى مخاطب للكل، أكانت لديهم في ذلك معرفة مسبقة أم لا معرفة لبعضهم البعض تذكر.

 وعلى هذا الأساس، فمن غير المبالغ فيه حقا الاعتقاد بأن حميمية اللقاء المباشر والتفاعل الواقعي و"الدردشة وجها لوجه" وغيرها إنما أضحت مموسطة تقنيا ولم يعد لها من سبيل في التحقق بالتواصل الحي الضامن لذات الحميمية شكلا وفي الجوهر.

 السائد إذن (على الأقل بالملاحظة العابرة) أن هوس الاتصال (المدفوع موضوعيا بتوفر البنى التحتية والأعتدة الحاملة) إنما أضحى ولكأنه مشرعن لظاهرة الاتصال من أجل الاتصال، حتى وإن بدت الدواعي في ذلك غير ذات مضمون كبير.

 الاتصال، من هنا، غدا ولكأنه غاية في حد ذاته، سواء كان لذلك مسوغا أم انعدمت المسوغات به جملة وبالتفصيل.

 + أما النقطة الثالثة (وهي امتداد للثانية) فترتبط باستبداد الفرد وطغيان مركزه، قياسا إلى ما تمتعت به الجماعة إلى حين عهد قريب، من مركز مميز.

لا يكمن الإشكال هنا فقط في البعد الفرداني الذي حملته العولمة، وكرسته الليبيرالية الجديدة بهذه الجهة من العالم أو تلك، بل وأيضا باستبداد الآلة التي لا تعرف إلا الفرد، ولا معرفة لها تذكر لما قد تكون عليه الجماعة.

 وبقدر ما لا يكمن الإشكال إياه في ذلك فقط، فإنه لا يكمن أيضا وبالمقدار ذاته، في هيمنة الآلة وتشييئها لعلاقات الأفراد داخل المجتمع، بقدر ما يكمن في "التشريعات" الثاوية خلفه والتي تسلخ الأفراد عن المنظومات الاجتماعية والقيمية التي كانت تؤثث فضاءهم قلبا وفي القالب.

 نحن هنا بالمحصلة، إنما بإزاء إشكالية "استبداد الاتصال"، ولكأننا بإزاء آلات أمام آلات، لا رابط بينها إلا الوسيلة والغاية، وقبل كل هذا وذاك الوظيفة والتمثل، لدرجة قد يتعذر على المرء معها إدراك من ينظر للآخر، الآلة أم الفرد.

  قد لا يكون من العيب في شيء أن يتحول الاتصال إلى " قيمة" في حد ذاته، غايته القصوى تحقيق ما قد يحول دونه تردي وسائل الإعلام، لكن العيب (كل العيب يقول البعض) إنما صفة "الضحية" التي يضفيها باستبداده على أكثر من مستوى:

 + الأول ويرتبط بصفة الضحية التي أضحت المعلومة والخبر مكمنهما، جراء تقدم حرية التعبير الاقتصادي والمالي والتجاري والسياسي، على حساب البعد المدني والمواطناتي الذي كان لعهود طويلة، لازمة جوهرية لذات المعلومة وخاصية ذات الخبر.

 لم يعد، في ظل استبداد الاتصال، من قيمة للمعلومة (ولا للخبر) في حد ذاتها، بل غدت عنوانا يخدم غاية هذه الجهة ويستهدف خدمة تلك. بالتالي، فلم يغدو من الضروري الترويج لمعلومة (أو لخبر) من طينة ما، المهم هو الترويج لها بغرض الترويج، كائنة ما تكن طبيعتها أو درجة صدقيتها ومصداقيتها.

 + الضحية الثانية ومكمنها المواطن القابع تحت سلطان الاتصال وسلطة أباطرة الإعلام، لفائدة الفرد المشيأ الذي لم يعد يعير أدنى قيمة لما هي الجماعة  (أو المواطنة)، ولما قد يكون عليه المجتمع في نظامه أو في منظومته.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما يا ترى معنى المواطنة في ظل هيمنة مجموعات إعلامية (أو اقتصادية أو مالية أو غيرها) لا تسمح إلا بما يخدمها ويخدم مصالحها، ولا تتوانى في فصل هذا الإعلامي أو ذاك إذا تجاوز جراء جهله، الخطوط الخضر المحددة أو تعذر عليه أمر الانضباط إليها؟

+ أما الضحية الثالثة فهي حتما المجتمع. إلصاق صبغة الضحية به لا يرتبط فقط بكونه أضحى مفرغا من قيم الحميمية والتفاعلية التي تميزه، و تميز طبيعته في الزمن والمكان، بل وأيضا بتحويل فضائه إلى فضاء للسوق، لا قيمة له تذكر إلا إذا استجاب لوظيفة الاستهلاك وجرى خلف سراب الاتصال...الاتصال إلى ما لا نهاية. 

* "سطوة الاتصال"، 5 يناير 2015.

Vous pouvez partager ce contenu