Aller au contenu principal

جدلية الديني والكوني

الحسين أخدوش، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، دجنبر 2014، 47 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: يحتم علينا أمر الارتباط بين الديني والكوني، "متى أردنا الكشف عن طبيعته أو شكله، أن نحيط الفهم بتلك التساؤلات والإشكالات التي يطرحها حوار الديني والكوني. فلكلا الجانبين قيم متداخلة ومتشابكة، تتصارع تارة وتتحاور تارة أخرى".

لقد كانت هذه الجدلية قائمة منذ القدم، يؤكد الكاتب، خصوصا "لما تأسست قناعة فلسفية مفادها أن العقلي قول برهاني، ومن ثم فحقائقه بنائية استدلالية وكونية، بينما الديني قول قصصي، ومن ثم فحقائقه رمزية وغير قابلة للإثبات العقلي"

وقد بقيت هذه التفرقة تشتغل إلى أن نجم عنها تفريق ثان مفاده "أن الدين أديان شتى، ومن ثم فهو ما يفرق الناس ويشكل خصوصياتهم، بينما العقلي واحد، يجمع كل الناس على اختلاف خصوصياتهم، ومن ثم فهو ما يشكل كونيتهم".

هذا التعارض بين الديني والعقلي هو الذي أدى، برأي الكاتب، إلى خلق المفارقة الشائعة بين الخصوصية والكونية، ثم الصراع بين الخصوصيات الثقافية والنزوع الكوني للقيم المشتركة للتجارب البشرية، على اختلاف هوياتها الدينية، أي "المعطى الديني باعتباره مجموعة قيم مخصوصة، والمعطى الكوني بما هو جملة قيم مشتركة".

ويلاحظ الكاتب أنه بقدر حضور المعطى الديني عند جميع الناس (بمن فيهم من لا دين وضعيا له)، بقدر ما يكون العنصر الأكثر خصوصية في حياتهم الشخصية والاجتماعية، إذ "بموجبه يصبح لكل إنسان معتقداته الخاصة، التي باسمها يعنف الآخر أو ينفيه، أو يصادر حقوقه باسم الدفاع عن ذلك المعتقد".

يدل الكوني، بنظر الكاتب، على المعطى "الذي يوحد الناس ويجعل اختلافاتهم تمحى بخصوص جملة القضايا، أو القيم التي يتقاسمونها ويشتركون فيها، تجريدا لها ورفعا للخصوصية والمحلية عنها، وذلك من خلال إعادة تأسيسها على أساس الفهم الكوني للإنسان بوصفه مواطنا عالميا".

الكوني يفهم هنا على نقيض المعطى الديني، "الذي يظل خصوصية شخصية فردية بين الإنسان وربه".

بالتالي، يصح أن "يفهم الديني على أنه كوني، من حيث هو معطى يخترق الجميع ويوجد لدى كل واحد واحد، إلا أنه في مقابل ذلك أيضا، يصح أن يقال إن الدين هو ما يفرق الناس نحلا وشيعا كثيرة، حتى قيل إن لكل دينه الخاص...كما في مجتمعاتنا الحديثة المعاصرة، حيث نجم عن انفجار القيم وتعدديتها، الدعوة إلى ممارسة الحريات الدينية، ومن ثم فصل الديني عن الفضاء العمومي، كما في التجربة التاريخية الغربية الحديثة".

بالتالي، يستنتج الكاتب من تقابل العلاقة بين الديني والكوني، تعارضهما وتباين الواحد منهما مع الآخر، على أساس أن الكوني بمنزلة قيم ومثل عليا، توجد في مختلف الثقافات البشرية، على الرغم من تعدديتها وكل الاختلافات القائمة بينها. لذا يظل الديني عقيدة وهوية في عداد الخصوصيات الفردية والجماعية، التي يسعى كل طرف إلى صيانتها والدفاع عنها".

وعليه، فإن الجدلية بين المستويين إنما هي، بنظر الكاتب، من الجدلية بين تعصب الناس لدينهم وقيمهم، وتطلعهم في الآن ذاته، للتعارف والإفادة من القيم الكونية الرائجة.

بمعنى أن ثمة حاجة اليوم إلى إبراز "كيف يمكن للقيم الدينية والكونية أن تتحاور وتتعايش لتتجاور، حتى تحقق إنسانية الإنسان وظيفتها الوجودية، المتمثلة في الكمال والرشد والتقدم الإيجابي لكل البشرية".

* "جدلية الديني والكوني"، الحسين أخدوش، نافذة "قرأت لكم"، 27 نونبر 2014.

Vous pouvez partager ce contenu