Aller au contenu principal

الإعلام وتنميط الصورة

news-details

1- عندما يبحث المرء في صورة العرب بالإعلام الأوروبي وصورة الأوروبيين بالإعلام العربي، فإنه مطالب بدءا بتحديد نطاق المجال المطالب بالحديث فيه، والمحدودية الموضوعية التي غالبا ما تتأتى من كذا مواضيع وإشكالات:

+ عنصر المحدودية الأول يكمن بداية، في سعة المجال موضوع الحديث، إذ أوروبا لم تعد، منذ مدة، معطى جغرافيا صرفا، أو جمركيا حتى، بل باتت فضاء سياسيا واجتماعيا وثقافيا واسعا، يجمع من بين ظهرانيه دولا مختلفة، وأقواما متعددة، ونظما سياسية، وأنماطا ثقافية، ومرجعيات دينية، وعادات وتقاليد متنوعة، ناهيك عن اختلاف القوة والقدرة على التأثير في مجريات الأحداث، داخل فضائها الذاتي، كما في المحيط المباشر، كما في التحولات الدولية الجارية هنا أو هناك من العالم.

والوطن العربي بدوره، مجال جغرافي واسع، يمتد من المحيط إلى الخليج، ويضم دولا وأقواما ونظما سياسية وثقافات ومرجعيات إذا لم تكن متباينة، فبالتأكيد متنوعة، من المتعذر ضبطها أو ملامستها بنفس الأدوات والمفاهيم والاصطلاحات. هي فضاء ممتد على مساحات شاسعة، وعلى قارات مختلفة، ويضم جغرافيا طبيعية وبشرية حكمت لآلاف السنين، تمثله لنفسه ولمحيطه المباشر كما البعيد.

وعلى الرغم من تباين الفضاءين، في حد ذاتهما، أو بمقارنة بعضهما البعض، فإن العلاقات بينهما، بقيت محكومة بالعديد من العناصر، التي أثرت بقوة في التمثلات التي كونها كل واحد منهما عن الآخر: العنصر الجغرافي والتاريخي، عنصر التواجد المباشر والنفوذ، العنصر الاقتصادي، والعنصر الجيوسياسي والاستراتيجي، وما سوى ذلك.

+ أما مكمن المحدودية الثاني، فيتمثل في التأكيد على أن الحديث في الصورة، التي كونها أو يكونها هذا الطرف عن الطرف الآخر، إنما تتأتى في الغالب الأعم من روافد مختلفة، لا تمثل وسائل الإعلام إلا رافدا واحدا منها. بالتالي، فإنه من المبالغة حقا اختزال الصورة النهائية فيما يقوم به الإعلام لوحده من وظائف وأدوار.

معنى هذا أن الصورة "النهائية"، التي تكونت أو قد تتكون لدى هذا الطرف أو ذاك، غالبا ما تنهل من روافد أخرى، قد تكون غير مموسطة كثيرا، لكن تأثيرها قائم وثابت، بالإمكان رصدها بالمناهج الدراسية والتربوية والجامعية، بمراكز الدراسات والأبحاث، بالكتب الدينية أو العلمية أو الأدبية، بأفلام السينما والفيديو، وبغيرها. وقد تنضاف إليها أحداث أو مواقف تعمق من مدى الصورة القائمة، أو تزيد من حدتها بالنفوس، أو تعمل على توظيفها. ولعل أحداث الحادي عشر من شتنبر للعام 2001، والمواقف المتشددة من لدن هذا الطرف أو ذاك، تصب في هذا الاتجاه، وتذكيه بقوة.

إن الأحداث التي عرفتها الولايات المتحدة، ثم بعض دول أوروبا، وما تبعها من غزو لأفغانستان والعراق، ثم احتلالهما، ناهيك عن المواقف السياسية التي راجت بأعقاب ذلك، بإزاء العرب والمسلمين، كانت كافية لإعادة إنتاج واستنبات صور نمطية، طاولت العرب والمسلمين جميعا، بجريرة سلوك بعض منهم، تماما كما أن المواقف المنحازة لبعض الحكومات الأوروبية والفاتيكان أيضا، أسهمت بقوة في استعادة نظرة العرب التقليدية، التي تتعامل مع الغرب كلحمة واحدة موحدة، ليس من بين ظهرانيها تمايز أو تميز.

+ ويكمن عنصر المحدودية الثالث في ملاحظة بسيطة مفادها أن الحديث في صورة الوطن العربي بالإعلام الأوروبي وصورة أوروبا بالإعلام العربي، إنما يحيل على الخطاب الإعلامي الذي تفرزه هذه الجهة بإزاء الأخرى، سواء كان الحامل مكتوبا أم مرئيا أم مسموعا أم ما سوى ذلك. وهذا يستوجب التعاطي مع كل حامل على حدة، ويستوجب أيضا تحليلا للمضامين المروجة عموما، أو ملامسة ذات المضامين بفترة زمنية محددة، يكون بالإمكان الاتكاء عليها، لاستخراج التوجهات الآنية، أو بالمديين المتوسط والبعيد.

إلا أن امتطاء كذا ناصية يشي ضمنيا، بأن الخطاب الإعلامي الأوروبي، والخطاب الإعلامي العربي هو خطاب واحد في نهجه، وآلياته، وتناوله لهذه القضية أو تلك. وهذا أمر غير دقيق، ليس فقط لأن الخطابين معا يختلفان من وسيلة إعلامية لأخرى، بل وكذلك لأنهما مختلفين من بلد لآخر، من زمن لآخر، ومن سياق لآخر، وهكذا.

إن وسائل الإعلام العربية كما الأوروبية ليست متجانسة، ولا هي بالكتلة الواحدة، ولا تخاطب جماهير موحدة، ولا لها نفس الأولويات. إذ لكل وسيلة من وسائل الإعلام نظرتها وتصورها وأدواتها، ولكل منها طبيعة علاقتها بهذا النظام السياسي أو ذاك، بالمباشر الواضح أو بالمضمر الخفي.

بالتالي، فالحديث في موضوعة صورة العربي في السياق الإعلامي الأوروبي، وصورة الأوروبي بسياق الإعلام العربي، إنما يستوجب مسحا ميدانيا وسيلة إعلامية بوسيلة، ودولة بدولة، وفترة زمنية بفترة زمنية، وسياقا بسياق. والآية من ذلك، هي رسم توجهات عامة، لكن مرتكزة على معطيات واقع الحال، إما تثبيتا للسائد من صور، أو تدحيضا للطروحات الرائجة، والتي غالبا ما تمتشق من الإيديولوجيا مرجعيتها المسبقة، وأدوات اشتغالها أيضا.

من هنا، فبقدر ضرورة اعتماد منهجية تفصيلية، ميدانية وعلمية، بقدر ضرورة استحضار حقيقة أن ما تكون من صور أوروبا عن الوطن العربي بالعقود الأخيرة، لا يخرج كثيرا عن الصور النمطية التي كانت سائدة، في عهود ما قبل عصر الصورة. بالآن ذاته، فإن نظرة الإعلام العربي لأوروبا، لم يخرج بدوره كثيرا عن المنظور الاختزالي، الذي لا يرى فيها إلا جزءا من الغرب، لا تشد عنه في التصور والتمثل، ولا تتباين معه في المرجعية والنظرة المركزية.

2- إن واقع الوطن العربي واقع متباين بكل المقاييس، بين ثقافة متوسطية (مغرب عربي ولبنان وسوريا وفلسطين وغيرها) وثقافة صحراوية بالخليج العربي محافظة، وكانت عرضة لأكثر من هزة سياسية منذ أربعينات القرن الماضي، ثم بين نخب متفتحة ودارسة، وجماهير أمية، تتوزع بكل الوطن العربي، من اليمن إلى المغرب مرورا بمصر.

وعلى الرغم من الطفرة الكبرى في ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، وما أفرزته على مستوى إنتاج وتخزين وتوزيع واستهلاك البيانات والمعطيات، فإن ذلك لم يسهم كثيرا في تغيير الصورة النمطية التي كونها الإنسان الأوروبي عن الوطن العربي، جنسا ودينا وثقافة وحضارة، وما سواها.

صحيح أن طفرة البث الفضائي للعقدين الأخيرين، وظهور قنوات إخبارية بموجب ذلك، من قبيل الجزيرة والعربية وأبوظبي والمنار والعديد من القنوات بالمشرق والمغرب، قد أعادت طرح صورة أوروبا والغرب عموما، للنقاش، وأسهمت إلى حد بعيد، في صياغة نظرة معتدلة عن العرب والمسلمين، إلا أنها لم تنجح إلا نسبيا في ذلك، إما بسبب اللغة التي تبقي على مجال تغطيتها محدودا، أو بحكم الهيمنة المطلقة للإعلام الأوروبي في مخاطبة رأيه العام، بالمضامين التي ينتج، أو بالرموز التي يمرر من خلال هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك.

بالتالي، فعلى الرغم من المجهودات التي قد تبذل، لفتح قنوات حوار سليمة وصحية مع أوروبا، فإن عنصري اللغة والمجال المغطى، يحولان دائما دون بلوغ الرسالة للجهة الأخرى، فتبقى النمطية بالتالي هي السائدة، والفاعل في هذه الأخيرة، يبقى دائما التاريخ والتمثل القائم، وما تروجه وسائل الإعلام من أحكام مسبقة، من العسير حقا تقويض خلفياتها، أو الحد من تداعياتها.

 الإعلام هنا يبقى، على الرغم من الاحترافية والمهنية والموضوعية التي قد يدعيها، يبقى ابن بيئته، مرتبط بجذوره الوطنية والثقافية، لدرجة يقول بشأنها مدير أخبار جريدة نيويورك تايمز، سالزبيرغر: "إننا جزء من المنظومة. إننا أمريكيون، لكننا لسنا خارج النظام. إننا أحرار، بمعنى أن لا أحد يملي علينا ما نقول أو ننشر أو نعمل، لكننا لسنا أحرارا لتجاوز بنية النظام".

بالمقابل، وعلى الرغم أيضا من أن العديد من هذه القنوات تتغيأ الموضوعية والمهنية، ولا تستحضر دائما البعد الإيديولوجي الصرف، فإنها لم تغير كثيرا من النظرة العامة لأوروبا وللغرب عموما، للوطن العربي، حتى وإن تسنى لها إدراك جزء من ذلك في مخاطبتها لبعض النخب المثقفة، أو "الحداثية"، أو المديرة ظهرها لرواسب التاريخ. إن هذه القنوات تلهم الجماهير، وتلهب شعورها،  لكنها لا تستطيع الفعل كثيرا في مواقف النخب.

من جهة أخرى، فحتى بإطار محاولة بعض الدول الأوروبية، خلق قنوات لها ناطقة باللغة العربية، فإن المتلقين غالبا ما يفكوا شيفرة الخلفية الثاوية خلفها، وينقطعوا عنها بالجملة أو بالتفصيل. والمثال على ذلك، نموذج إذاعة البحر الأبيض المتوسط، وفضائية ميدي 1 سات، اللتان لم تستطيعا مد خيوط التواصل مع الجمهور المغاربي، بالقياس إلى القنوات الوافدة من الخليج. وهو نفس المصير الذي لقيته ولا تزال تلقاه الحرة على مستوى المنطقة العربية.

يبدو هنا أن الغاية المرتجاة هي محاولة الترويج لصورة مختلفة لما يتصوره العرب عن أوروبا، لكن خطابها الإعلامي يبقى محصور التأثير لاعتبارات متعددة، لعل إحداها التنافر بين الخطاب الإعلامي من جهة، وما تقوم به السياسة على أرض الواقع، إذ ما يجري بدارفور مثلا، لا يقرأ من لدن الإعلام الأوروبي إلا في سياق بعده الإنساني، في حين يقرأ الإعلام العربي ذلك، من باب استهداف وحدة السودان.

إن قوة الأحداث الجارية على الأرض، وطبيعة السياسات المعتمدة بإزاء المنطقة العربية، هي التي غالبا ما تحكم تمثل العرب لأوروبا وللغرب عموما، وليس الفضائيات أو المحطات الإذاعية وما سواها، حتى وإن قام عليها مهنيون من عين المكان، وفتحوا من بين ظهرانيها قضايا، قد لا تكون دائما عديمة الأهمية والفائدة.

يقال إن المطلوب اليوم هو الذهاب لفهم الآخر، لا التفكير في تنميط صورته. لكن المفارقة تكمن في أن العرب يحاولون التواصل مع أوروبا، لكن هذه الأخيرة لا تبذل أدنى مجهود لفهمهم، فتبقى الصورة المكونة عنهم ثابتة، مترسبة، متجذرة في المخيال الجمعي العام.

صحيح أن فرنسا وألمانيا وبعض المؤسسات المدنية، أعدت ولا تزال تعد برامج عن العرب موجهة للجمهور الأوروبي، لكنها لا تحول دون تجاوز الصورة القائمة، ولا تساعد على إخراج من هم بأوروبا، من وضعية التهميش التي يعيشون في ظلها. إن ما تقدمه وسائل الإعلام هنا هو حيطة من العربي، لا محاولة لتقريبه، أو تحسين صورته بأعين الجماهير الأوروبية.

إن فكرة التعايش بين الثقافات مثلا، غالبا ما تطرح بالعديد من وسائل الإعلام الأوروبية، لكن العديد من ذات الوسائل أيضا، تعتبر أن هذه الفكرة فكرة "ساذجة"، غير قابلة للتحقيق مع أناس "يتعصبون للدين وللحجاب ولهم آراء متطرفة، ويبقى ولاؤهم لبلدانهم الأصل، لا للدولة التي يقيمون بها هم وأبناؤهم". بهذه النقطة أيضا، يبدو أن وسائل الإعلام غالبا ما تتماهى مع الخطاب العام، الرائج داخل هذا البلد الأوروبي أو ذاك.

وعلى هذه الخلفية، اشتدت حالة من العداء الرسمي والشعبي ضد المسلمين بإيطاليا مثلا، عندما أعلن رئيس وزرائها عن تفوق الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية. واشتدت وتيرة الاحتقان بامتداد لذلك، عندما حذر أسقف بولونيا الأكبر، من أسلمة أوروبا، ودعوته للحد من الهجرة، قائلا: "إن الإسلام سينتصر على أوروبا، إذا لم تعد أوروبا إلى مسيحيتها ودعا إلى الربط بين بناء المساجد وبناء الكنائس في البلاد الإسلامية.

إن الإعلام، المكتوب منه كما المرئي، لم يتماهى مع الخطاب السياسي فحسب، بل وظفه بقوة، ليعتبر أن وجود المسلمين بأوروبا عموما وبإيطاليا تحديدا، إنما هو من باب الغزو الأجنبي، المفروض مقاومته والتصدي له، وهو ما خلف شعورا بعدم الأمان لدى المسلمين في البيوت، ودفعهم ليخرجوا بشكل جماعي خوفا من الاعتداء عليهم، ونزعت بعض النساء حجابها، حتى لا يتعرض أحد لهن بأذى، و"تظاهر مجموعة من الإيطاليين خارج المعهد الثقافي الإسلامي بميلانو، وطالبوا بطرد الجالية المسلمة من إيطاليا".

وفي بريطانيا وألمانيا وفرنسا، مارس الإعلام دورا ضاغطا على المسلمين، منذ أحداث الحادي عشر من شتنبر، وبدا في بعض روافده المرئية، يروج لأسئلة غريبة ومستفزة من قبيل: هل الإسلام عقيدة الشيطان؟ هل العنف جزء من مبادئ الإسلام؟ هل الإسلام يحرض أتباعه على قتل مخالفيهم في العقيدة؟ هل الجهاد في الإسلام معناه قتل الناس، وهكذا؟ وهو ما جعل الخطاب المروج للتعددية الثقافية يخفت، لفائدة الخطاب المتبني ل "ضرورة الموازنة بين هذه التعددية ومسؤولياتها ".

بالمقابل، فقد كان لبعض "القيادات الإسلامية" دور سلبي كبير، في تكريس هذه النظرة الأوروبية للعرب والمسلمين، بدليل قول عمر بكري، زعيم حركة "المهاجرون" الإسلامية في بريطانيا، في أعقاب أحداث الحادي عشر من شتنبر: "إن الطائفة الناجية الوحيدة على كوكب الأرض هي تنظيم القاعدة"، ثم قوله بأن توني بلير "هدف مشروع"، ثم قوله أيضا بأنه "إذا قامت دولة إسلامية وغزت بريطانيا، فسنكون جندها بالداخل".

الخلاصة الأولية، أن العديد من الدراسات التي تمت بأوروبا، قد "أبانت بجلاء عن مدى تزايد الكراهية للعرب والمسلمين، منذ أحداث الحادي عشر من شتنبر، وبدأ الربط بين الإسلام والإرهاب مسألة عادية بالإعلام، وتزايدت قوة الطرح القائل بأن ثمة تعارضا بين تعاليم الإسلام وقيمه، والغرب المسيحي، بدليل أن 60 بالمائة من تقارير وأقوال وسائل الإعلام الألمانية مثلا كانت، مباشرة بعد أحداث 11 شتنبر، سلبية بإزاء الإسلام والمسلمين. وأن الجمل من قبيل "الإسلام والمسلمون لا ينتمون إلى أوروبا"، و"المسلمون يدعمون الإرهاب"، و"المسلمون سوف يدمرون الهوية الحضارية لألمانيا"، قد تزايدت، بالقياس إلى طروحات الحوار والتواصل".

3- بالمقابل، فإن من بين نقط قصور الإعلام العربي هو الآخر، تعاطيه مع أوروبا من منطلق المواقف المسبقة من الغرب عامة، وليس من أوروبا بحد ذاتها:

°- فهي بنظره، حاملة لواء الحروب الصليبية، التي طاولت فظاعاتها العديد من العرب، لا لشيء إلا لمعتقداتهم وطبيعة تدينهم. صحيح أن القليل هو الذي يعرف ماذا جرى بهذه الحروب، لكنها لا تزال خلف الحروب الدينية والحضارية، التي لا تزال تلهم الكتابات الأكاديمية والخطابات السياسية وبعض البرامج بالتلفزيونات، وهكذا.

°- وهي التي دفعت بجيوشها بإطار الحملة الاستعمارية، فنالت من كرامة العرب ومن استقلالهم، وفرضت عليهم ثقافتها ونمط عيشها، واستولت على خيراتهم ومواردهم، وكانت السبب الرئيس في تخلفهم.

°- وهي التي أيدت، ببداية هذا القرن، الإدارة الأمريكية في حربها على أفغانستان والعراق وساندت، بالفعل كما بالصمت، إسرائيل في إبادتها للفلسطينيين، وحروبها المتتالية على لبنان وغيرها.

بكل هذه الحالات، تتحدد صورة أوروبا عبر ما تقوم به سياسيا، أو تمرر له خطابة، ولا يعمل إعلامها بمعظمه إلا على رفد ذلك، أو مجاراته، أو التماهي معه.

من جهة أخرى، فليس ثمة من شك أن نهاية القرن العشرين، قد تميزت بتلاقحات قوية ثقافية وتكنولوجية، تؤكد أن مقولة كبلينغ "الشرق هو الشرق، والغرب هو الغرب، ولا يمكن لتوأمين أن يلتقيان"، هي مقولة خاطئة. في هذا الإطار، يبدو أن إشكالية صورة الغرب  عموما وأوروبا بوجه خاص، عند العرب، قد بدأت تأخذ بعين الاعتبار تساؤلات أعمق وأوسع، من قبيل التساؤل حول الأنا وحول الآخر، بزاوية الهوية والتاريخ والثقافة والسياسة والدين. والأنا المقصود هنا، قد يكون العربي، وقد يكون المسلم، وقد يكون العالم الثالثي، وقد يكون الجنوبي، وهكذا. من هنا، فإن عملية تحديد الآخر وتصنيفه، هي بالمحصلة تحديده وتصنيفه بالقياس إلى الأنا. التحديد هنا يطاول الطرفين، أو لنقل هذا بالقياس إلى ذاك. بمعنى أن النظرة للجنس مثلا، وهي نظرة ثقافية بامتياز، بدأت تتحدد من لدن وسائل الإعلام العربية، بالقياس إلى منظورهم للجنس، وليس إلى المنظور العربي له. هي حالة شذوذ بمنظور هذا، لكنها جزء من منظومة بمنظور ذاك.

وسواء من منظور الانبهار أو من زاوية الشيطنة، فإن أوروبا حاضرة بقوة بالإعلام العربي، مشرقه ومغربه، وقد تكون حاضرة أكثر بالمغرب العربي، على اعتبار القرب الجغرافي والتاريخي، والتبادل الثقافي والتجاري والاقتصادي المباشر. بعض وسائل الإعلام بهذه الجهة من الوطن العربي، لا تزال تتعامل مع أوروبا من منطلق الغزو الثقافي والاستعمار المقنع، في حين أن المعتدلة منها تتحدث عن الهوة في العلاقة بين أوروبا والوطن العربي، فيما تطالب أخرى، بضرورة إعادة التفكير في الغرب عموما، وتقويض الصورة المعيارية، القائمة من خلال قراءة صورة الآخر من خلال صورتنا.

إلى جانب ذلك، فإن وسائل الإعلام العربية بدأت تتجاوز على هذه الأبعاد، لتتمثل صورة أوروبا في ديموقراطيتها، وحرية إعلامها، وعدالتها الاجتماعية، وسلمها الاجتماعي، وجدية مواطنيها في العمل والصدق والمثابرة، وسيادة مبادئ حقوق الإنسان وما سواها. إنها تبدو مهد العلم والتكنولوجيا والحرية. بالتالي، فصورة أوروبا لم تعد صورة سلبية قارة، بل صورة مجتمعات تجاوزت مرحلة الميثولوجيا ومرحلة الدين، لتدرك مرحلة العلم والتقنية. هذا يعطي الانطباع بضرورة تجاوز الميثولوجيا والدين، لإدراك العلم والتقنية، لأن هذين الأخيرين هما نتاج العقل وليس النص القائم، والعقل هو الذي بإمكانه تمييز الصالح من الطالح.

بالمقابل، فإن أي تمثل لصورة الغرب خارج هذه الميادين، يبدو ولكأنه ليس ضد الغرب فحسب، ولكن ضد الديموقراطية وحقوق الإنسان والتقدم والحداثة أيضا. بالتالي، يبدو الغرب هنا إما كارثة، على اعتبار سلوكه السياسي السلبي بإزاء العرب والمسلمين، أو منقذا بحكم تمكنه من ناصية العلم والحداثة، التي يفيد منها هؤلاء. وعلى الرغم من ذلك، يبقى البعد السياسي هو العنصر الأساس، الذي يحكم تمثل وسائل الإعلام العربية للغرب عموما، ولأوروبا "الجارة" على وجه التحديد. هذا البعد يزيد تعمقا مع واقع قمع الحريات وغياب الديموقراطية وحقوق الإنسان بالمنطقة العربية، وتزايد الشعور بأن الغرب إياه يحول بسلوكه السياسي المتعاطف مع النظم القائمة، دون استنباتها داخليا.

إن انتشار أفكار وأحكام مسبقة عن المجتمع الأوروبي، هو أحد الأسباب التي تدفع الإعلام العربي للتعامل مع أوروبا وفق الأحكام المسبقة، التي تدفع الشعوب للارتياب منها، وتدفع المهاجرين العرب والمسلمين في المجتمعات الأوروبية، إلى التقوقع والانغلاق حول الذات.

 من جهة أخرى، فإن للغرب منذ قرون عديدة آلاف المستشرقين والمستعربين، أما العالم العربي، فلا يضم عددا كافيا من المستغربين، أو الخبراء المتخصصين في حضارة الغرب، يساهمون في نقل صورة حقيقية عنه، تنشد الاعتدال وتبتعد عن الغلو والأحكام الجاهزة. صحيح أن بعض وسائل الإعلام العربية قد أسهمت في التخفيف من الاحتقان بن الطرفين، لكنها لم تؤد إلى تغيير جوهري لذات الصورة.

 معنى هذا، من زاوية أخرى، أنه لو علمنا أن العرب يقضون ثلاث ساعات يوميا بالمتوسط، و6 إل 7 ساعات بكل منزل أمام نفس القنوات (روتانا سينما والموسيقى، الجزيرة، قناة الشرق الأوسط الأولى والثانية والقنوات الدينية...)، بالإضافة إلى قنواتهم المحلية، بما نسبته 30 إلى 40 بالمائة، كل ذلك باللغة العربية أو باللهجات، لو علمنا كل ذلك، فسيبدو لنا أن الصور النمطية السائدة عن أوروبا بوسائل الإعلام العربية، ستبقى على ما هي عليه، على الرغم من الطفرة الإعلامية القائمة، وهذا يعطي الانطباع بأن أي مجهود بهذا الاتجاه أو ذاك سيبقى دون فائدة كبرى، أو نجاعة تذكر. وهو نفس الأمر بالنسبة للأوروبي المتوسط.

4- إن تصحيح صورة كلا الطرفين خاصة في وسائل الأعلام، إنما يجب أن ينطلق من مسلمة أن لكل طرف فلسفته الخاصة في تشكيل حياته. فمفاهيم الحرية الفردية أو العلاقة بين الجنسين أو ما سواها، هي مفاهيم متباينة بين الطرفين، لكن احترامها لا يعني أو يجب أن يعني، الإيمان بها بالجملة أو بالتفصيل.

إن هناك بأوروبا، ارتياب كبير كامن وموروث عن الإسلام والمسلمين، صنعته عوامل تاريخية متعددة، ترجع بعض جذورها إلى الحروب الصليبية، التي استمرت مئات السنين، وإلى وجود شعور في العقلية الأوروبية، بأن له "رسالة كونية، والإسلام يعتبر التحدي الرئيسي لها لعالمية رسالته". هذه المخيلة عن الإسلام، صنعها الإعلام والأفلام والثقافة السائدة، التي ترى أن الإسلام لا ينتمي إلى أوروبا ولا إلى المجموعة الصناعية، وأنه يمثل على الدوام إزعاجا لها.

بالمقابل، هناك قصور واضح من لدن المسلمين في تقديم الإسلام الصحيح للأوروبيين، حيث "انتقلت الانقسامات المذهبية والفكرية والتنظيمية، إلى مسلمي أوروبا، فتعددت الحركات والجماعات الإسلامية التي تظن كل منها أنها تملك الحقيقة المطلقة أضف إلى ذلك أن أفكار هذه الحركات والجماعات لم تعرف تطورا كبيرا لتلائم الواقع الجديد، و"كان من الضروري أن يكون هناك فقه للواقع الأوروبي، قبل فقه الأوراق والكتب".

لا شك أن هناك طروحات وجدت في أوروبا لمجابهة الإسلام والمسلمين قبل 11 شتنبر، غير أن هذه الطروحات تعمقت أكثر بعد تلك الأحداث، لتتحول إلى إعصار من الكراهية والضغوط الشديدة ضد مسلمي أوروبا، فحدث خلط للأوراق في علاقة الإسلام بالغرب، ومسألة الوجود الإسلامي في أوروبا، و"تزامن هذا الخلط مع ظهور أفكار تصادمية ضد الإسلام، منها صدام الحضارات، وصراع الأديان" وما سواها، ركبت موجته وسائل الإعلام من كلا الطرفين، العربي والأوروبي، لتجذر أكثر الهوة القائمة، وتعيد التأسيس للصور النمطية، المرتكزة على الأحكام المسبقة.

إن قوة الإعلام على تنميط صورة الآخر حقيقة لا مجال للمزايدة بشأنها، لكنها لا تنهل من مجال الصورة لوحده، بل تتكئ على السلوك بواقع الحال وعلى الممارسة، واللذان قد يسهما في تعميق النمطية إياها، كما قد يدفعا بجهة التخفيف من انتشارها وحدتها وإن إلى حين.

* "الإعلام وتنميط الصورة"، مجلة "يتفكرون"، العدد 4، مؤسسة مومنون بلا حدود، شتنبر 2014.

Vous pouvez partager ce contenu