Aller au contenu principal

صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية

سلام علي أحمد المشهداني، رسالة ماجستير، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، 2013، 281 ص.

 + يثير صنع القرار السياسي للولايات المتحدة الأمريكية اهتماما واسع النطاق في المجتمع الدولي، فالولايات المتحدة، يقول الكاتب، "دولة تعد الأقوى في العالم، تنشر سيطرتها على مجلس الأمن وعلى الكثير من المؤسسات المالية  العالمية، كما تؤثر في سياسة الكثير من الدول  القوية والضعيفة، وتسعى للهيمنة على العالم. فضلاً عن ذلك فإن الأزمات والصراعات والحروب  الدولية  والأهلية التي تعم أرجاء العالم، ساعدتها ليكون لها حضور في كل مكان، حيث امتلكت الولايات المتحدة مثلث القوة القائم على المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، ومارست التأثير من هذا المنطلق". وعليه، يتابع الكاتب، فلا غرابة أن يتمتع القرار السياسي الأمريكي بهذا الاهتمام الواسع.

تعد  دراسة قرارات السياسة الخارجية وتحليلها من المهمات التي ترقى صعوبتها إلى الاستحالة، ومرد تلك الصعوبة في كون أن "عملية صنع القرار السياسي الخارجي مرتبط بالسلوك الدولي الذي أضحى من أعقد الظواهر السياسية، بسبب  الطبيعة  الدينامية  لبيئة  العلاقات  السياسية ( كالتقلب  في العلاقات والصراعات  المستمرة )، التي تؤدي  إلى  الإخلال بكثير من التوقعات التي يبني عليها صناع السياسات الخارجية أحكامهم التقديرية".

ثم إن العملية القرارية نفسها معقدة من حيث تشابك رهاناتها وأبعادها، إذ اتخاذ قرار معين  يعني الإجابة على العديد من الأسئلة ومنها: "ما هي الظروف الموضوعية التي تدفع إلى اتخاذ قرار معين ؟ ما هي نوعية القيم المتنافسة في كل مرحلة تمر بها عملية اتخاذ القرار، وعلاقة الارتباط القائم بين هذه القيم  وبين تقاليد المؤسسات التي يتخذ في إطارها القرار؟"، أضف إلى ذلك تأثير الضغوط التي  تفرضها البيئة المحيطة باتخاذ القرار، وطبيعة الأسس الإستراتيجية والتكتيكية التي ينبني عليها القرار، ونوع الخبرات والمهارات التي تتوافر لدى صناع  القرارات وتؤثر في أحكامهم  التقديرية.

إن اتخاذ القرار، برأي الكاتب، هو "نوع من السلوك، يتم اختياره بطريقة معينة تقطع أو توقف عملية التفكير، وينهى النظر في الاحتمالات الأخرى". بالتالي، فمفهوم القرار ليس  قاصرا على الاختيار  النهائي،  بل أنه يشير كذلك إلى تلك الأنشطة التي تؤدي إلى ذلك الاختيار. القرار ما هو إلا عملية الاختيار بين  البدائل.

 إنه اختيار واع اتخذه الفاعل، فردا أو مجموعة، من بين مجموعة من الاختيارات التي تعرض أمامه، وبشكل علني ويهدف حل مشكلة ظهرت أثناء المناقشة.

+ يتألف النظام السياسي الأمريكي من ثلاث مؤسسات دستورية رئيسة، هي: الرئاسة والكونغرس والجهاز القضائي. وهي تمارس انطلاقا من فلسفة فصل السلطات، كما تبلورت في الدستور الاتحادي الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية باستقلال.

والكونغرس هو الهيئة التشريعية في النظام السياسي الأمريكي ، ويتألف من مجلسين : مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ويعتبر المؤسسة الدستورية الأولى من حيث منزلتها في ترتيب مواد الدستور (المادة الأولى: 10 فقرات).

ويخول  الدستور الأمريكي  الكونغرس سلطات  تقريرية  في المجالات  الدستورية  والتشريعية والدبلوماسية ومراقبة الإدارة، إضافة لبعض السلطات التحكيمية. لذلك، فهو من أهم المكونات الحيوية للنظام السياسي الأمريكي، إذ يعكس أعضاء الكونغرس البالغ عددهم 535 عضوا من الرجال والنساء، مدى تنوع حاجات وآمال وتطلعات الشعب الأمريكي نحو المستقبل.

يتكون مجلس النواب من 435عضوا، أي نائب واحد لكل ثلاثين ألف من المواطنين. ولم يتغير هذا العدد جراء زيادة عدد السكان في الولايات المتحدة، إذ الزيادة في السكان تفترض أن يكون هناك حاليا أكثر من 5000 نائبا بدلا من 435 عضوا. ويبدو أن المشرع الأمريكي كان حريصا على إبقاء عدد أعضاء مجلس النواب على حاله.

و يباشر المجلسان معا اختصاصات السلطة التشريعية. ومعنى ذلك أن لكل مجلس منهما الحق في اقتراح القوانين، وحق مناقشة مشاريع القوانين وإقرارها بصفة مستقلة عن المجلس الآخر، بحيث يلزم موافقة المجلسين على مشاريع القوانين حتى تتحول إلى تشريعات نافذة.

 يعين أعضاء مجلس الشيوخ من قبل الهيئات التشريعية في الولايات. النواب يعينهم الشعب. انتخاب مجلس الشيوخ يتم على مرحلتين، وانتخاب مجلس النواب يتم على مرحلة واحدة. لا يضطلع مجلس النواب إلا بمهام  تشريعية. وهو لا يشترك في السلطة القضائية إلا عبر توجيه الاتهام إلى الموظفين العامين. أما مجلس الشيوخ فيسهم في صوغ القوانين، وينظر في الجرائم السياسية التي تحال إليه من قبل مجلس النواب. وهو إلى ذلك يعد المجلس التنفيذي الأعلى للأزمة.

ثم إن المعاهدات التي يعقدها الرئيس تحتاج إلى تصديق مجلس الشيوخ. كما أن قرارات الرئيس تحتاج لكي تغدو نهائية ونافذة، إلى موافقة هذا المجلس. فالمجلس "يمكنه أن يعطل كثيرا من مشاريع الرئيس  وأولوياته،  ويتدخل في صنع  السياسات  الخارجية ، حيث  تمثل  سلطاته في الإشراف والرقابة  بالإضافة إلى  هيمنته على عدد من اللجان المهمة في مجلسي الشيوخ والنواب، كلجنة العلاقات الخارجية ولجنة المساعدات  الخارجية  والاستخبارات، وهي لجان تستطيع التأثير في قرارات الرئيس في برامج السياسة الخارجية للدولة".

أما الرئيس في النظام الدستوري القائم في الولايات المتحدة الأمريكية،  فيتمتع بسلطات تنفيذية وتشريعية واسعة،  "أملتها الوقائع العملية لممارسة اختصاصات الرئاسة وصنع القرارات... إنه منتخب ومسؤول، طليق اليدين في نطاقه، ويخضع لمراقبة مجلس الشيوخ، لكنه لا يخضع لتوجهاته".

ينتخب الرئيس لولاية تدوم أربع سنوات، وقد يعاود انتخابه لولاية ثانية، وهو المحدد للخيارات في مجال السياسة الخارجية، ويتمتع بشرعية مصدرها الشعب الذي انتخبه. فهو المسؤول عن السلطة التنفيذية، وله صلاحية  ترشيح وتعيين كبار موظفي الدولة ( الوزراء والسفراء والقناصل وقضاة المحكمة العليا)، بعد موافقة ثلثي أعضاء الكونغرس الحاضرين. كما يخول له الدستور إبرام المعاهدات الدولية بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ على الأقل. ويعتبر الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة وله حق العفو.

إلا أن الرئيس لا يمكنه أن يمضي في طريقه إلى المدى أو بالسعة اللذين يدفعه إليهما مستشاروه أو اتجاهاته السياسية  وبصيرته الشخصية ، فقراراته  وآراء مستشاريه تدور كلها في نطاق خمسة حدود على الأقل يجدها دائما في مواجهته، وهذه الحدود هي:  

حدود ما تسمح به الظروف. 

حدود المصادر والموارد المتاحة  له.

حدود الوقت المتاح له من  منطلق  الجدولة  والتوقيت المبرمج لنشاطاته.

حدود  التزاماته  المسبقة.

حدود المعلومات المتاحة له.

حدود الشرعية أو ما تسمح به القوانين.

أما سلطة الجهاز القضائي في النظام السياسي الأمريكي فهي مقررة دستوريا، ومحورها  هو الوظيفة التحكيمية التي يقوم بها القضاء في حالة تنازع الأفراد والدولة، أو أجهزة  الدولة الفيدرالية مع الولايات أو الكونغرس...هذا ناهيك عن "سلطة" مجموعات الضغط ومراكز البحوث ووسائل الإعلام التي لها دور كبير في صناعة القرار السياسي الأمريكي.

* " صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية"، سلام المشهداني، نافذة "قرأت لكم"، 6 مارس 2014.    

Vous pouvez partager ce contenu