* ما أسباب تكاثر القنوات الفضائية الدينية في العالم العربي (مسيحية أم إسلامية)؟ وهل تعتقدون أن تكاثرها علامة صحية في مجتمع ما أم العكس؟
يحيى اليحياوي: ثمة مجموعة من الأسباب في ذلك، البعض منها موضوعي خالص، فيما الأسباب الأخرى ذاتية صرفة، أو لنقل مساعدة:
+ أول معطى موضوعي في هذا الباب يتمثل في الثورة التكنولوجية التي طالت ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، وطالت بجريرة ذلك كل الصناعات الثقافية التي تدور في فلك هذه الثورة، من مكتوب ومقروء ومسموع، بكل أنواعه وأشكاله وأحجامه. ولذلك، فإن الطفرة التي طالت مجال الإعلام الفضائي هي سليلة الطفرة الأولى، وتحديدا الفرع المقتني ضمنها للأقمار الصناعية ذات البث التلفزيوني العابر للحدود.
ميزة هذه الثورة أنها حررت ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال من إكراه الندرة الذي لطالما كان رديفا للتقنيات التناظرية، والتي لم يكن من الممكن في ظلها إرسال أكثر من قناة تلفزيونية عبر حامل واحد. الثورة الرقمية التي ظهرت على أنقاض هذه التقنيات التناظرية، تجاوزت على هذا الإكراه، فبات بإمكان حامل واحد أن يفرز العشرات من القنوات التلفزية، وبجودة عالية، ويغطي بالنتيجة فضاءات جغرافية واسعة، لم تكن تقنية البث التقليدي قادرة عمليا على إدراكها.
هذا معطى تقني خالص، لا يسمح المجال هنا للتفصيل فيه. لكن المهم أن هذه الثورة التكنولوجية (الرقمية بلغة المهندسين)، هي التي مكنت من استنبات العشرات من القنوات الفضائية، ووسعت من سعة السواتل، ودفعت العديد من الدول إلى إطلاق أقمار خاصة بها لغاية الاتصالات، ولغايات البث التلفزيوني على وجه التحديد. المحصلة أن المنطقة العربية، شأنها في ذلك شأن معظم مناطق وجهات العالم، قد ركبت ناصية هذه الثورة، فأطلقت لها أقمار صناعية إقليمية أو وطنية، أو عمدت إلى امتطاء ناصية أقمار دولية، لاستنبات فضائيات كانت عمومية عامة في البدء، ثم ولجت ميدان التخصص فيما بعد، كما الحال مع الفضائيات الدينية.
+ ثاني معطى موضوعي هو تزامن هذه الطفرة التكنولوجية مع بداية انفجار الهويات الطائفية والمذهبية والعرقية واللغوية التي اشتدت مع تقدم مد العولمة، ثم احتلال العراق فيما بعد، ثم قدوم الربيع العربي منذ بداية العشرية الثانية من هذا القرن. قد لا يكون بين الظاهرتين علاقة سببية من نوع ما، لكن ثمة بكل الأحوال تزامنا لا بد من الانتباه إليه، وإلا فكيف نفسر هذا العدد الهائل من القنوات ذات الطبيعة المذهبية (الشيعية أو السنية) أو العرقية أو الباثة بهذه اللغة المحلية أو تلك؟ ثم إذا لم يكن الأمر كذلك، فما السر في انتشار فضائيات ذهب بها "الطموح" لحد الادعاء الصارخ بالخصوصية، وهي لا تزال ضمن نطاق الدولة الواحدة، أو تتنكر للتراث المشترك مقابل الدفع بالهوية الذاتية أو التاريخ "المستقل"، وقس على ذلك؟ هذا معطى أساسي كذلك، لا بد من مساءلته لفهم سياق بروز هذه الفضائيات، العام منها كما المتخصص وضمنها الفضائيات الدينية.
+ أما المعطيات الذاتية فتتمثل تحديدا في توافر رؤوس أموال، لا سيما بالخليج، بدا لها الإعلام الفضائي مجال استثمار مربح وفضاء واعدا لتدوير هذه الأموال. لذلك عمد القطاع الخاص، أشخاصا ومؤسسات، إلى ولوج هذا المجال، لا سيما وأن التكلفة من بين ظهرانيه ليست مرتفعة، وتقنيات العمل متوفرة بكثرة بالسوق العالمي. هذا أمر يسري على فضائيات الغناء والسينما، ويسري أيضا على الفضائيات ذات النكهة الدينية، أو الدينية الصرفة في برامجها وموادها وخطها التحرير العام.
المعطى الذاتي الثاني ويتمثل فيما نتصور، في غيرة العديد من المؤسسات والأشخاص الذاتيين على دينهم، فعمدوا إلى خلق فضائيات إما بغرض تصريف خطاب ديني يبدو لهم أنه هو المفروض تقديمه والدفع به، أو بغاية الرد على ما اعتبروه استهدافا للإسلام والمسلمين، فجاءت القنوات إياها كأداة لتفنيد ذلك، أو تقديم صورة عن الإسلام والمسلمين بهذه المواصفات الإيجابية أو تلك.
أما عن السؤال في صحية هذه الظاهرة من عدمه، فأنا أزعم وباختصار شديد هنا، بأن العبرة في التكنولوجيا هي بالاستعمال والاستخدام، وليست بركوب الموجة لاعتبارات قد لا تكون دائما سليمة. أعني أن قدوم هذه الفضائيات قد ملأ إلى حد ما فضاء كان فارغا، ومنها من قدم رسالة غاية في الأهمية، لكن العديد منها للأسف بقي حبيس حسابات سياسية، أو مذهبية أو عقائدية، فتحولت قنواتهم إلى منابر للفتنة والتشدد والغلو، عوض أن تكون وسيلة لتقديم الدين الإسلامي كقيم وأخلاق وسلوك ومنظومة فعل وتفاعل مع الذات ومع الآخر.
* كيف تقيمون طبيعة الخطاب الذي تعتمده هذه القنوات؟ هل هو خطاب داع إلى التسامح والمحبة أم هو تحريض على الاقتتال الديني (بين أتباع الأديان المختلفة) والطائفي (سنة وشيعة مثلا)؟
يحيى اليحياوي: هذا سؤال أفردت له دراسة موسعة ستصدر قريبا عن مؤسسة "مومنون بلا حدود"، لكنه ما دام قد طرح، فبالإمكان اختزال الجواب في الجوانب الثلاثة التالية:
+ أولا: قليلة هي القنوات الدينية، سواء الباثة بداخل هذا البلد أو ذاك، أو من المهجر، التي لا تعبر بشكل من الأشكال عن المنظومة الدينية التي تتبناها هذه الدولة أو تلك، أو الشخص المنتمي لهذا المذهب أو ذاك. طبيعة الخطاب هنا لا تتغير كثيرا، إذ (باستثناء القنوات المسيحية التي لها خطاب شبه موحد) يبقى البعد المذهبي هو الخيط الناظم لهذه الشبكة البرامجية أو تلك: للقنوات السنية خطابها الخاص، وللقنوات الشيعية نبرة خطابها الخاص. قد يكون ذلك واضحا جليا، وقد يكون متضمنا بالشبكة العامة، متدثرا خلف هذا البرنامج الديني أو ذاك. وهو أمر يصح على القنوات الدينية العامة كما على القنوات الدينية المتخصصة، الفارق هنا في الدرجة وليس في الطبيعة.
+ ثانيا: بطرفي المعادلة، فضائية سنية أو شيعية، نجد أن الخطاب غالبا ما تحكمه خلفيات تاريخية أو سياسية وبينهما الخلفية المذهبية. من هذه الزاوية، قد نجد من الطرفين من ينشد التقريب بين المذاهب، ويدفع برؤية وسطية ومعتدلة تخفف من الاحتقان وتبحث عن مكامن ونقط الالتقاء، كما نجد من يدفع بالمسألة إلى حدود التحامل والتحريم والتكفير والإخراج من الملة.
هو خطاب مرتكز على ترسبات تاريخية معروفة، لكنه بات القاعدة مع انتشار الفضائيات المذهبية، عوض أن يكون الاستثناء، لا بل إنه تأجج في إطار مسلسل من القول ورد القول شارف على بلوغ مستوى الفتنة. عندما يجد ذات الخطاب حاضنة سياسية معتبرة على الأرض، ومشاهدين حقنوا بما فيه الكفاية بمضامينه، فإن النتيجة عمليا لا يمكن إلا أن تكون عبارة عن قتل على الهوية والمذهب، فتصبح الفضائيات الدينية أداة تعصب وتقوقع، عوض أن تكون أداة تسامح وانفتاح على الآخر.
+ ثالثا: ما يؤجج نار الفتنة والاحتراب عوض التسامح والتقارب، هو لجوء العديد من الفضائيات إلى تقديم برامج ترتكز على منطوق الفتاوى. الخطير في الأمر أن بعض الفضائيات لا تدرك أن الفتوى أمر جلل، اللعب بها لاعتبارات مذهبية أو لتبرير سلوك سياسي، هو كاللعب بالنار أو أكثر. ولذلك فإن تساهل هذه الفضائيات في استقدام "شيوخ" للإفتاء في هذه المسألة أو تلك قد يكون من شأنه الإضرار ليس فقط بالإسلام بل وأيضا بالمسلمين. والأمثلة في ذلك كثيرة يضيق الحيز لاستحضارها هنا.
بالتالي، فإن العديد من هذه الفضائيات لا تدرك خطورة الكلمة والصوت والصورة التي تؤثث على أساسها خطابها، وعندما نعلم بأن الذين يدفعون بهذا الخطاب هم شيوخ و"رجال دين"، أي لا تكوين إعلامي لهم، فإن المصيبة ستعظم.
* من حيث المضامين التي تقدمها: أين هذه القنوات من الواقع العربي الإسلامي ومشكلاته؟ هل ترون أنها مسايرة لما يطرحه هذا الواقع من أزمات؟
يحيى اليحياوي: لنقل باختصار هنا أيضا، بأن الملاحظ على العديد من هذه القنوات الدينية أنها لا ترى واقع ومشكلات العالم العربي والإسلامي إلا من منظورها الطائفي أو السياسي أو المذهبي، فتقرأه على ضوئه وعلى ضوئه فقط. وهذه حقيقة بالإمكان التأكد منها من خلال متابعة برامج العديد من القنوات العراقية أو ببعض بلدان الخليج العربي، وبالإمكان التثبت منها أيضا من خلال طبيعة الفتاوى التي تقدمها هذه الفضائية أو تلك.
لو أضفنا إلى ذلك تقوقع العديد من هذه الفضائيات حول مجالها الخاص، لا سيما في ظل تهاوي دول "الربيع العربي"، وتزايد مد حركات الإرهاب المتدثرة بالدين، فسيتضح لنا كيف أن خطاب الفضائيات إياها بات متمحورا يوما عن يوم حول واقع هذه الدولة أو تلك، دونما إيلاء اعتبار كبير لما يجري بباقي الدول. يبدو الأمر هنا كما لو أن هذه الفضائيات قد أضحت عنصر حمائية مذهبية عوض أن تكون أدوات لطرح ومحاولة معالجة قضايا الأمة كما يقال.
من جهة أخرى، فلو تأملنا في خطاب الدعاة الجدد، والناظم للبرامج الدينية لهذه الفضائيات، فسنراه بعيدا كل البعد عن معالجة هذه القضايا والمشاكل. فهو يتحدث عن كيفيات تهذيب السلوك، وأساليب التمتع بالحياة العائلية، وطرق جمع المال وبذل الجهد والاهتمام بالذات الفردية، والابتعاد عن السياسة وتعويضها بالاقتراب إلى الله...الخ. هذا الخطاب هو أبعد ما يكون عن مشاكل الشباب وعطالتهم، عن قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان، عن إشكالية الاستفراد بالسلطة والثروة من لدن هذه الجهة أو تلك، وقس على ذلك.
بالمحصلة، وهذه مسألة تعرضت لها أيضا بالدراسة المذكورة، يبدو أن خطاب هذه الفضائيات هو خطاب إنما يقدم الدين الإسلامي في إطار المرجعية المذهبية للدولة حيث تبث الفضائية، أو يقدم خطابا تسكينا، مهدئا، مطمئنا ومحايدا. وهذا أمر قد يتماهى معه بعض من المشاهدين، لكنه لا يمكن أن يقبل به من له حدا أدنى من الغيرة على واقع العالم العربي والإسلامي والتشرذم الذي بات عليه، لا بل والتقسيم الذي لا قدر الله سيكون مجاله بالقادم من أزمان.
* تشتغل هذه القنوات تحت يافطة الدعوة والتبشير، وذلك يخفي تصورا ضمنيا تصدر عنه هذه الخطابات؛ هو قصور الإنسان وغرقه في الضلالات وحاجته إلى من يدله على الله ويساعده على الخلاص. ما رأيكم في هذا التصور؟
يحيى اليحياوي: بعض المسلمين بحاجة إلى توسيع معرفتهم بدينهم وهذا أمر لا غبار عليه. الأداة الإعلامية القطرية، فما بالك لو كانت عابرة للحدود، هي أداة ناجعة في ذلك، وهذا مثبت بالدراسات النظرية وبالتجارب الميدانية أيضا. لكن شريطة أن تكون الرسالة مدروسة بدقة والغاية واضحة، وطبيعة الجمهور المستهدف محددة.
بالمقابل، فأنا مثلا لا أرى مانعا من الاستماع إلى رجل دين شيعي يحدثني عن نظرته للإسلام، وعن القيم التي يدافع عنها وعن سوء الفهم الذي يتعرض له الإسلام من لدن أبنائه ومن لدن الأغيار، وهكذا. لكني لا أبدي استعدادا للاستماع إليه وهو يشتم الخلفاء الراشدين أو يتحامل على زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يكفر هذا الصحابي أو يخرج ذاك من الملة. هذا أمر لا أطيقه والحالة هاته، ولا أطيقه في أي سياق آخر. ما الذي يفيدنا اليوم في دعوة أو تبشير تقول بأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان أولى بالخلافة من أبي بكر أو من عمر أو من عثمان رضي الله عنهم جميعا؟ ما الذي يقدم دعوة أو تبشيرا يراهن على الدفع بتشييع هذا البلد أو ذاك؟ لماذا لا ندعو إلى نماذج في التنمية والخروج من التخلف بالتعاون المشترك وتقاسم الخبرات والثروات ومواجهة الاستهداف الذي تتعرض له البلدان العربية والإسلامية، ونبقى حبيسي مجادلات لم تعد ذات فائدة حتى وإن كانت الحقيقة التاريخية تثبتها؟
بالتالي، فأنا أتصور أنه كائنة ما تكن الخلافات، فإن المفروض أن تدفع الفضائيات بوسطية يكون الاحتكام فيها للقرآن الكريم (وهذا لحسن الحظ العنصر الجامع منذ 14 قرنا) ولأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، واعتبار ما سوى ذلك أحداث سياسية مرت ولم يعد لها من أبعاد عملية على مستوى واقعنا المعاش.
* هل ترون أن لمقدمي برامجها الكفاءة الضرورية، من حيث تكوينهم وأساليبهم ومستوى خطاباتهم، للقيام بمهمة خطرة كهذه؟
يحيى اليحياوي: العمل الإعلامي مهنة وحرفة وتمرس ومسؤولية وأخلاقيات. لذلك نرى في الغرب مثلا أنه لا يسمح بتقديم البرامج الحوارية المباشرة لا لمن تتوفر فيه هذه العناصر، ويكون محتكما إلى تجربة طويلة في العمل الإذاعي أو التلفزيوني. الكفاءة هنا عنصر ضروري، لكنه غير كاف، إذا لم يتم تعضيده بالتجربة والتمرس والتشبع بقيم وأخلاقيات المهنة، وهي معروفة ولا مجال للغوص فيها هنا.
أداء مقدمي البرامج الدينية في الفضائيات العربية يثير القول التالي:
+ أولا: أن معظم هؤلاء المقدمين، أو منشطي البرامج، أو القائمين على البرامج الحوارية الدينية، لا يملكون التكوين الكافي لذلك، أعني التكوين الديني الذي يمكنهم من مناقشة هذا "الشيخ" أو محاورة هذا "العالم في الدين". قد يكونوا خريجي معاهد متخصصة عليا، تعطيهم الكفاءة التقنية، لكن هذا لا يعطيهم القدرة للغوص في القضايا العقائدية أو الشرعية، فما بالك أن يمنحهم القدرة على إدارة نقاش تكون مادته الشريعة أو مقاصد الشرع مثلا. وهذا عيب المعاهد وليس عيب مقدم هذا البرنامج أو ذاك.
+ ثانيا: عندما يتم تكليف "رجل دين" بالإشراف أو تقديم برنامج ديني بهذه الفضائية أو تلك، فإن الرجل قد يكون خبيرا بمجاله، لكنه قد لا يستطيع تصريف خطابه بلغة إعلامية تلقى القبول أو الاستلطاف من لدن المتلقي. إذ قد يوغل في تفاصيل لا يدركها إلا أهل الاختصاص، فيكون من نتيجة ذلك انصراف الغالبية العظمى من المتلقين عن برنامجه، وقد تكون طريقة إلقائه غير مهنية (بحكم غياب الخلفية الإعلامية لديه) فينفر الجمهور من "حلقته"، وقد لا تسعفه كفاءته في مجاله إلى ترجمة ذلك في لغة إعلامية بسيطة، سلسة، سهلة على الهضم، غير منفرة في شكلها أو في بعض مضامينها وهكذا.
+ ثالثا: غالبا ما يكون الخطاب بالشاكلة التي قدمناه بها أعلاه، خطابا وعظيا وإرشاديا وتوعويا، ولربما تلقينيا في بعض الفضائيات. لكن محدوديته تكمن في كونه سرعان ما يتحول إلى خطاب أبوي، أحادي الجانب، فوقي وعمودي، ولكأني به يمارس نوعا من الوصاية الدينية على المتلقين، لا سيما وأن الفرد المسلم يدرك جيدا ألا وساطة بينه وبين ربه. الخطاب من هذا النوع خصوصا في غياب التفاعلية، يشي بنوع من التسلط الديني الذي قد لا يستسيغه المتلقي أو يقبل به دائما.
بالتالي، فأنا أعتقد بأن جانب التكوين أساسي ومحوري في هذه الفضائيات، ليس فقط فيما يخص الإعلاميين، بل وأيضا فيما يتعلق "بالدعاة التلفزيونيين".
* يرى بعض الملاحظين أن قنوات دينية كثيرة إنما تخدم أجندات تتجاوز ما هو ديني واجتماعي إلى ما هو سياسي. ما رأيكم في هذه الأطروحة؟
يحيى اليحياوي: ليس لدي أدنى شك في ذلك، وقد قدمت بعض عناصر الجواب فيما سبق. لكن دعني أضيف العناصر الثلاثة التالية:
+ الأول: أن العديد من الفضائيات الدينية، لا سيما الفضائيات العامة (أي المملوكة من لدن الدولة) قد أنشئت لخدمة أجندة دينية/سياسية، أي شرعنة السلوك السياسي لهذا الحاكم أو ذاك بخطاب ديني مباشر بهذا البرنامج الحواري أو ذاك، أو بمادة دينية غير مباشرة كما الحال في الفتاوى التي لا تخرج كثيرا عن ذات الشرعنة.
+ الثاني: أن العديد من الفضائيات الدينية قد أنشأتها ومولتها أحزاب سياسية، طائفية المرجعية، مذهبية المنحى. وهذا واقع يمكن للتدليل عليه الإحالة على عشرات القنوات العراقية التي ظهرت بعد احتلال العراق ولا يزال جزء منها يشتغل وفق نفس النسقية (الكوثر مثلا أو فضائية أهل البيت). الغريب في الأمر هنا أن بعض الأحزاب السياسية قد تدعي العلمانية أو تنشد القومية، لكنها تثوي خلف فضائيات تلبس السياسة بالدين أو العكس بالعكس. ونموذج العراق صارخ في هذا الباب أيضا، ناهيك عن نماذج الفضائيات السنية بدول الخليج، أو ببعض دول المغرب العربي.
+ الثالث: لو أخذنا نموذج الدعاة الجدد (عمرو خالد وعبد الباقي ومن سار على نهجهما)، فإن الذي سيتضح لنا أن هؤلاء، وهم يقدمون "مادة دينية"، لا يخدمون أجندات سياسية مباشرة، كما الحال بالعراق مثلا، لكنهم يدافعون، عن قصد أو دونما دراية من لدنهم، عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي القائم. وهذه حالة يجب أن ننتبه إليها، لأنهم بقدر ما يطالبون الشباب بالابتعاد عن السياسة، والاهتمام بالشأن الخاص، فهم يدافعون بتحصيل حاصل، على واقع قائم دون أن يسموه بالصريح المباشر.
بالتالي، فأنا أعود وأقول بأن معظم الفضائيات العربية الدينية، العامة كما المتخصصة، إنما تخدم هذه الأجندة السياسية أو تلك، بهذه الطريقة أو تلك، بهذه الدرجة أو تلك.
* ما علاقة الإعلام الديني بالمجال العام؟ هل هي علاقة تنظيم وإثراء أم هي علاقة سلطوية تهدف إلى افتكاكه والسيطرة عليه والتحكم به؟
يحيى اليحياوي: نسبة البرامج الدينية بالقنوات العامة (أعني غير المتخصصة) ضئيلة للغاية، ولا تتعدى 6 إلى 10 بالمائة كأقصى تقدير. لكنها مرتفعة نسبيا بالقنوات الدينية ومرتفعة أكثر بالقنوات الدينية المتخصصة. ولذلك فن نسبة تأثيثها للمجال العام متباينة، تباين نسبتها في حجم ما يخصص لها في هذه الفضائية أو تلك.
من جهة أخرى، فأنا من الذين يدعون بأن النظم السياسية في العالم العربي والإسلامي لا تتعامل مع الدين إلا من زاوية سياسية صرفة، أي من باب التوظيف السياسي الخالص، أي من باب شرعنة النظام القائم. فالأزهر مثلا هو جزء من منظومة النظام السياسي في مصر، ونادرا ما يخرج عن طوعه أو عن طاعته، لا بل إن النظام السياسي هو الذي يقوم على تعيين مفاصل هرمه الإداري ويقر ميزانيته، تسييرا وتجهيزا. وهو نفس الشيء أو يكاد بالمغرب وبالسعودية وبغيرهما.
العلاقة إذن وظيفية فيما أعتقد، وقد كانت دائما كذلك. الجديد الذي يؤكد ما نذهب إليه أن رقابة السلطة السياسية على الشأن الديني قد ازدادت وتقوت، لا سيما في ظل انفجار الحركات "الجهادية"، وبروز روافد دينية جديدة بدأت تزايد على ذات السلطة هيمنتها على الحقل الديني. ولذلك فأنا أتصور أن مراقبة الدولة (كي لا أقول تضييقها) على الحقل الديني، لن يكون فقط عامل انحسار لهذا الأخير، بل لربما تراجع فاعليه (خواصا وعواما) في إغناء وإثراء وتوسيع المجال العام، بصرف النظر عن شكل وطبيعة هذا الإغناء والإثراء والتوسيع.
* برأيكم، هل نحن في حاجة إلى إعلام ديني؟ وهل يمكن أن يكون هذا الإعلام هادفا؟ وكيف يجب أن تكون طرائق اشتغاله حتى يكون كذلك؟
يحيى اليحياوي: الإعلام الديني، شأنه شأن الإعلام الإخباري والإعلام الرياضي والإعلام الثقافي وغيرهم، هو جزء من الإعلام بوجه عام. لكن خاصيته أنه يشتغل على مجال حساس، يحيل على المقدس وعلى القيم وعلى المشترك العام وعلى الرمز وعلى الإيمان. ولذلك، فهو مجال يجب تقويته وتعضيده، بالتكوين، بالإطار المرجعي الواضح، بالرسالة الدقيقة والترفع به عن المزايدات السياسية والإيديولوجية التي قد تعصف بكل هذه المستويات.
أنا أتصور أن إحدى سبل إنجاح إعلام ديني هادف هو العمل على محورته حول القيم المشتركة والأخلاق السامية، وجعله عامل تحفيز وتجنيد عوض تحويله إلى أداة من أدوات الفتنة والاقتتال بالبرامج الموغلة في الغلو، أو بالفتاوى التي تستبيح دم الآخر أو تعمد إلى تكفيره أو إخراجه من الملة، لمجرد أنه اجتهد أو خرج عن الخطوط الحمر التي رسمتها النظم السياسية لضمان الشرعنة الدينية لسلوكها وممارساتها.
هذا مشروع لا أراهن على تجسيده في المدى المنظور، إلا إذا اتفق "أهل العقد والحل" من بين ظهرانينا على استنباته بأرض الواقع قبل نقله إعلاميا بالقنوات الفضائية.
مجلة "ذوات"، 14 مارس 2015