Aller au contenu principal

الاتحاد من أجل المتوسط في محك الربيع العربي

news-details

لم تخلف الثلاث سنوات التي تؤرخ لانتفاضات الربيع العربي إلا حالات من الفوضى العامة، التي ترتبت على عقود طويلة من الاستبداد والهيمنة المطلقة للنظم السياسية. فبين دول لا تزال تتلمس الطريق لانتقال ديموقراطي سلمي وآمن، وأخرى لا تزال تتنازعها الميليشيات المسلحة، أو باتت على شفا حرب أهلية أو هي مقبلة عليها لا محالة، في ظل كل هذا، فإن الاتحاد الأوروبي لا يزال بموقف المتفرج، أو لنقل لا يزال بانتظار انبعاث الشركاء السياسيين "المناسبين".

ومع أن الصورة لا تزال مضببة حقا، فإنه بالإمكان استشراف بعض التوجهات بعيدة المدى التي من شأنها تحريك الدينامية التي كانت "متوهجة" قبل الربيع العربي، أي مشاريع الاتحاد الأورومتوسطي، ثم سياسة الجوار الأوروبي، ثم الاتحاد من أجل المتوسط:

+ التوجه الأول ويتمحور حول ما يسميه روبيرطو أليبوني ب"الديموقراطيات الرمادية"، والتي ستكون لا محالة خلف تحديد طبيعة العلاقة بين الضفتين. فسواء تعلق الأمر ببلدان الربيع العربي المباشرة (تونس ومصر وليبيا)، أو تعلق بتلك التي تجاوبت مع رياحه من خلال استباق مسلسلات في الإصلاح السياسي والاقتصادي (كالمغرب والأردن مثلا)، فإن مسلسلات البناء المؤسساتي ستبقى حتما محكومة ببقايا الاستبداد، أو بممارسات التضييق على حريات التعبير والتفكير، أو المساس بحقوق الإنسان.

إن الوارد في هذه الحالة، حالة تعدد الفاعلين وتباين طموحاتهم وتلاطم خياراتهم، سيجعل من عملية الانتقال الديموقراطي عسيرة وطويلة المدى، وستجعل من الصعب تحديد من يدفع باتجاه تكريس التوجه الديموقراطي، ممن يحول دون ذلك بالمعلن المباشر أو بالمضمر الخفي.

التحدي الأساس هنا بالنسبة لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع دول الضفة الجنوبية، سيكمن في كيفية إعمال مبادئ الشراكة والتعاون والتنسيق، ومع من بالتحديد (إسلاميين، ليبيراليين، ميليشيات)، وهو ما سيدفع أوروبا للعودة إلى المربع الصفر، أي المفاضلة بين الاستقرار وبين الدمرقطة، لا سيما وأن لكلا الخيارين أثمان وتكاليف على المدى القصير، ثم على المديين المتوسط والبعيد.

بمعنى أنه في غياب فاعلين محتكمين إلى شرعية معتبرة ومصداقية قوية، فإنه سيكون من العسير حقا إقدام الاتحاد الأوروبي على مبادرات جديدة أو تفعيل القائم منها.

+ أما التوجه الثاني فمفاده التالي: إن انتفاضات الربيع العربي قد أدت إلى تآكل قدرة الدولة على الحكم والتحكم، مما أدى إلى بروز أشكال جديدة من الانتماء متمحورة حول الدين أو الطائفة أو القبيلة. هذا الواقع الجديد سيحول حتما دون انبعاث أشكال تنظيم عصرية، أو التبرم عن تلك التي كانت قائمة جزئيا بظل النظم الاستبدادية، وهو ما سيطال العلاقات الأورومتوسطية سلبيا، ويحول دون تكريس جو الثقة بين طرفي الضفة.

+ التوجه الثالث ومؤداه أن فشل نماذج التنمية بهذه البلدان، والتي ساهمت أوروبا في فرضها قسرا أو طواعية، لم يترتب عنها إلا تعميق للهشاشة والفقر والخصاص وغياب التوزيع العادل للثروة. هذه الوضعية ستحول دون استمرار العلاقات الأورومتوسطية التي كانت سائدة قبل الربيع العربي، لا سيما لو ألحت أوروبا على ضرورة نهج هذه الدول لاستراتيجيات إصلاحية، أبانت الوقائع على الأرض محدوديتها الكبرى.

هذا يستدعي بناء نموذج اقتصادي جديد، يكون مبنيا على قيم العمل والإنتاج وتكافؤ الفرص، لا على الدعم المالي المباشر، أو الأبوية الفجة في تصميم المشاريع وتدبيرها.

كل هذه العناصر ستجعل الاتحاد الأوروبي ينفر من المقاربة الشاملة وبالرزم، ويفضل التعامل بالمنطق الثنائي وحسب كل حالة على حدة. وهو ما من شأنه الطعن المباشر في فلسفة ومضامين الاتحاد من أجل المتوسط.

 بالتالي، فإن التموجات التي ترتبت عن انتفاضات الربيع العربي قد وضعت العلاقات الأورومتوسطية على المحك حقا. إذ الاتحاد الأوروبي لن يستطيع تمرير مبدئه في المشروطية الديموقراطية مثلا، ولن يستطيع بالآن ذاته إلغاءه.

وبالتالي أيضا، فإن الحاصل أن سياسة الاتحاد الأوروبي الجديدة قد باتت غير مهيأة لمواكبة الربيع العربي، فما بالك استشراف ما بعده. لقد أضحت خاضعة للتكيف مع أحداث غير مقدور على مراقبتها ببلدان الجوار...وهو ما دفع فرنسا مثلا لأن تعيد النظر في مشروع الاتحاد من جل المتوسط، لتضمينه بعدا عمليا مباشرا، مرتكزا على تصور في الفعل براغماتي.

* "الاتحاد من أجل المتوسط في محك الربيع العربي"، 28 يوليوز 2014.

Vous pouvez partager ce contenu