Aller au contenu principal

عن التلفزة كمرفق عام

قد يبدو الحديث في وعن المرفق العام من باب المزايدة العقيمة، أو حنينا خالصا إلى ما راج منذ أكثر من أربعة عقود من أدبيات مجدت الدولة والمركزية والتخطيط وما سواها، وكرست في صلبها مجتمعة مبادئ وقيم تم التعارف على تسميتها "مبادئ وقيم المرفق العام".

لا نعتقد إطلاقا أن معاودة الحديث في هذه القيم والمبادئ هو من الحنين في شيء ولا ضربا من ضروب المزايدة:

+ فالمبادئ الكبرى التي هيكلت القطاعات المنظمة بالطريقة الشبكية (والتلفزة إحداها) لم تتراجع ولم تقوض أبعادها التحولات التكنولوجية ولا التغييرات المؤسساتية، بل لا تزال الخيط الناظم للعديد من القوانين المؤطرة لها، ودفاتر التحملات المقننة لوظيفتها ومجال اشتغالها...إذا لم يكن بالفصيح الواضح، فبالتلميح الذي لا يقبل التأويل.

+ والقيم الأساسية التي حكمت القطاعات إياها لم يتقلص دورها الرمزي ولا مفعولها الإجرائي، بل اغتنت مكوناتها واتسع مجال اشتغالها في الزمن والمكان، بفعل المحك الذي خضعت له بأرض الواقع، ووجوب التكيف التي افترضتها متغيرات العصر، وتطور الحاجة، وحركية المجتمع وما سوى ذلك.

ومعنى هذا أن انتقال العديد من دول وشعوب العالم إلى اعتماد اقتصاد السوق، وتقدم قيم ومبادئ حقوق الإنسان، وانتقال العديد منها من اقتصاديات مادية خالصة إلى مجتمعات مبنية على المعلومات والمعارف...لم يفترض ضمان حق الجميع في معلومة مستقلة، محايدة ومجردة، بل وأيضا أن يتكرس ذات الحق بلغة الفرد والجماعة، وفق خلفياتهما الثقافية، وعلى أرضية توفر الإمكانات لديهما في تمثل واقعهما وواقع العالم من حولهما.

وعلى هذا الأساس، فلم تختلف طبيعة المرفق العام بالتلفزة لعقود طويلة مضت، بقدر ما طاول التغير بعضا من مكوناته، ومستوى قربه من هذا الرافد أو ذاك، أكان ذلك الدولة الكليانية المركزية، أم الدولة الليبيرالية، أم الدولة المعتمدة على نموذج في التنظيم تجاري.

ولئن كان إدغام الدولة للتلفزة على خلفية التوظيف المباشر، هو الذي غبن المرفق العام شكلا ومضمونا ولعقود طويلة، فإن ذات الغبن لم يتسن له أن يرفع مع النموذج التجاري الذي، وإن كان مصدر تعددية، فإنه لم يسلم من إكراهات السوق الإشهاري، أو تسلط اللوبيات، أو ضغط السلطة السياسية أو كلها مجتمعة، جعلت من التعددية إياها شعارا للاستهلاك لا معطى ثابتا بالممارسة.

لم يبد النموذج/الوسط (النموذج الليبيرالي "المتزن") حاميا "أمينا" للتلفزة العمومية وللتعددية الإعلامية بداخلها فحسب، بل وأيضا الساهر (عبر خلق أقطاب عمومية قوية) على الموازنة بين متطلبات المردودية والسوق ونسب المشاهدة من جهة، وطقوس المرفق العام الذي تكون ذات المتطلبات بصلبه آخر المفكر فيه من جهة أخرى.

ومبادئ وقيم المرفق العام (القارة منها، كما التي طاولها التطور والتحول) المتحدث فيها بهذا المقام، إنما ترتكز على أربعة مقومات لم يطاول التطور إياه مضامينها، بقدر ما طاول تسمياتها، أو بعضا من فضاء اشتغالها:

+ الأول ويتمثل في مبدأ الشمولية التي يحق للأفراد والجماعات بموجبه بلوغ الخدمة التلفزية، على خلفية المساواة التي لا تتغيأ بلوغ مستويات ما من نسبة المشاهدة، ولكن بالأساس تشكيل شبكة برامجية، تضمن بلوغ مختلف الشرائح حيثما وجدت، ودونما تمييز بينها في الصفة، أو في التراتبية الاقتصادية أو الاجتماعية أوالثقافية أو غيرها.

ليس المطلوب من هذه الشبكة (في جانبها الثقافي مثلا) أن تقتصر على العارفين بالثقافة، المهتمين بها، بل المقصود توسيع فضاءات ذات الجانب، ليطال ويثير اهتمام هذا وذاك سواء بسواء. وليس المطلوب منها تحديد سياسة إخبارية نخبوية الطبيعة والتوجه، بل مادة إخبارية  تهم النخبة والجماهير في الشكل كما في الجوهر.

+ أما المفهوم الثاني فيكمن في الاستقلالية الذي من المفروض في تلفزة المرفق العام أن تحميه، وتدفع بآفاقه إلى أبعد الحدود.

ومقوم الاستقلالية المقصود هنا إنما يتمحور حول مركزية الحرية، بما هي منبر لتداول الأخبار والآراء والنقد، دونما تضييق من لدن الدولة، أو حجر من لدن المصالح الخاصة، أو إقصاء من لدن لوبيات السياسة...وهكذا. والمراد به أيضا ليس الاستقلالية بغرض الاستقلالية، ولكن الاستقلالية الدافعة بمبادئ الجدية والمصداقية ومنطق القرب.

+ المقوم الثالث ويتراءى لنا كامنا في مبدأ التنوع... ليس بجهة البرامج المقدمة والمواضيع المقترحة فحسب، ولكن أيضا بجهة الجمهور المراد بلوغه نوعا وحجما، ابتداء بالأخبار المركزة وانتهاء ببرامج الترفيه الخفيفة.

ليس التنوع بتلفزة المرفق العام غاية في حد ذاته، إنه أداة (في البرامج والمواضيع) لبلوغ أطياف واسعة من الجمهور، يجد الأطفال كما الشباب كما الشيوخ ضالتهم بها، دونما ميز أو تجاوز أو تقصير.

+ أما المقوم الرابع فيتمثل في ميزة الخصوصية التي تطبع المرفق العام بالتلفزة، وتميزه عما سواه من شبكات ونماذج وأنماط تنظيم.

ليس المطلوب، بهذه النقطة أيضا، أن تعمد تلفزة المرفق العام إلى بلوغ ذات الخاصية، عبر إنتاج ما لا ينتجه الآخرون (أو لا اهتمام لهم بإنتاجه)، وليس المقصود توجهها إلى الجماهير التي لا يهتم بها الآخرون (أو لا تدخل في نطاق اهتمامهم)، وليس الغرض تعرضها لمواضيع وتيمات لا اعتبار لها لدى الآخرين...إنما المقصود تناول كل هذه وتلك بطرق مختلفة، مبدعة وجذابة، دونما الانزلاق خلف المزايدات، أو الانحراف عن الهدف، تحت مسوغ تجاري، أو إرضاء لهذا الطرف أو ذاك، أو تجنبا لتضايق هذه الجهة أو تلك ...وهكذا.

هي إذن مقومات مركزية كبرى تجدد أو تكمل ما تكرس من مبادئ وقيم المرفق العام، من قبيل الاستمرارية والمساواة وما سواهما...لم توضع أصلا على محك النقاش والمزايدة إلا بسبب إشكالية التمويل.

والواقع أن إدراج الإشكالية إياها (احتكاما إلى مبدأ المجانية الذي طبع ولا يزال يطبع العديد من المرافق العمومية، لا سيما الإداري منها) إنما من شأنه تقوية تلفزة المرفق العام أو إضعافها.

فهناك من الدول من اقتصر في تمويل ذات التلفزة على ميزانية الدولة أو إتاوات المواطنين، وهناك من رخص لها جملة وتفصيلا اللجوء إلى التمويل بالإشهار (في حدود مضبوطة)، وهناك من مزج بينها مجتمعة، في إطار القانون السائد، أو في إطار ميثاق مع السلطات العمومية، أو عبر دفاتر التحملات أو ما سواها.

قد لا تكون كل هذه الحلول مكمن عيب أو تفضيل، لكن شريطة ألا يبلغ بعضها (التمويل بالإشهار تحديدا) حدودا تغدو مبادئ المرفق العام معها مهددة، أو رهينة الأبعاد التجارية أو المالية أو السياسية...أو غيرها.

والتخوف أعلاه إنما تذكيه العديد من الدراسات والتقارير (ضمنها تقارير لهيئة الإذاعة البريطانية) أثبتت "أنه كلما زادت حصة الإشهار في المداخيل العامة (للقناة) كلما انخفض مستوى تميز المرفق العام"...في حين أن التمويل ب"الإتاوات" يضمن لذات المرفق "القاعدة المالية القارة التي يحتاجها، بغرض التخطيط، وامتطاء ناضية المجازفة في تصور برامج مميزة"...

بالتالي فليست هناك وصفة جاهزة لإشكالية تمويل المرفق العام، الكل مرهون بطبيعة السياسات العمومية بهذا الشأن، وموقفها من المرفق العام.

لا يمكن للمرء، اللهم إلا إذا ساءت نيته، أن يزايد على القول بأن تلفزة المرفق العام إنما من المفروض أن تتغيأ في رسالتها ووظيفتها: الإخبار والتثقيف والترفيه، دونما غلو في هذا الجانب أو إطناب في ذلك.

ولما كان الأمر كذلك وأكثر، فإن تشكيل شبكتها البرامجية إنما من الواجب ارتكازه على رافعات أربع، قد لا يطاولها الاختلاف كثيرا:

+ أولا، تقديم الخبر في حياديته، وعلى ضوء السياق العام الذي استنبته، أو جرى في ظله، دونما أحكام قيمة، ودونما موضوعية مطلقة حتى.

وشكل الخبر، المقصود بهذه النقطة، لا يقتصر فقط على التقديم الجاف، بل وأيضا على استحضار كل الآراء، "العالمة" منها كما "العادية"، بغرض توفير مادة تساعد المشاهد على تحديد موقفه والتعبير عنه.

+ ثانيا، توفير برامج إخبارية وتثقيفية من شأنها تحسيس المشاهد بمحيطه، وفتح أعينه على المجال الذي يعيش بإطاره، أو يتوخى الاقتراب منه. ليس القصد هنا تحول تلفزة المرفق العام إلى منابر جهوية ومحلية، قد ينصاب المرء معها ببعض من الملل، لكن القصد هو البرامج ذاتها، لكن في تداعياتها الوطنية ومدى حق المشاهد في معرفتها والاطلاع على خلفياتها.

+ ثالثا، توفير برامج ثقافية تصمد بوجه التجاوز السريع والآنية المفرطة.

بهذه النقطة أيضا، ليس المطلوب من تلفزة المرفق العام إدغام المجال الثقافي واختزاله فيما يتسنى لها تقديمه، ولكن أساسا تمرير ما توفر لدى ذات الفضاء، والعمل على إنتاج ما بمستطاعها تمويله وإنتاجه، سواء تعلق الأمر في ذلك بالكتاب أم بالمسرح أم بالموسيقى أم بما سواها من فنون ومن إبداعات، دونما الانجرار في التركيز على هذا الجانب أو ذاك.

+ رابعا، ترجمة هوية تلفزة المرفق العام، عبر ضرورة لجوئها إلى الإنتاج المباشر، ليس فقط لقصور باقي المستويات عن الإنتاج، ولكن أساسا بغرض تجاوز الاعتقاد القائم بأن التلفزة إياها إنما هي أولا وبالمحصلة باثا لما توفرمن إنتاجات وليس منتجا لبعضها.

لا يجب أن يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يجب أن يتعداه إلى تشجيع الإنتاجات الوطنية التي تعطي للتلفزة إياها طابعها الخاص، وتميزها عما سواها من منابر، لا سيما ذات الخاصية التجارية الخالصة (السلسلات التركية واللاتينوأمريكية مثلا بالمغرب وببعض البلدان العربية).

بالتالي، فإن تلفزة المرفق العام التي ننشدها بهذا المقام، إنما هي التلفزة المؤطرة برؤية وبقانون، ذات الرسالة المحددة، المحمية من لدن هيئة عليا مستقلة عن الجهاز التنفيذي والأحزاب السياسية والسلطة الاقتصادية، المنفتحة على الرأي المعارض...والتي لا جهة لمحاسبتها غير الجمهور.

* "عن التلفزة كمرفق عام"، 23 يونيو 2014.

Vous pouvez partager ce contenu