Aller au contenu principal

النخب المغاربية ودورها في صناعة القرار

محمد بن طلحة الدكالي، مركز أسبار، الرياض، فبراير 2014، 16 ص.

ببداية هذه الدراسة، يقول الكاتب: إنه "على الرغم من الصعوبات التي تواجه تحديد مفهوم محدد للنخبة، بالنظر لتعدد التعريفات الواردة بشأنها، يمكن القول إن المصطلح يحيل إلى مجموعة من الأفراد الذين يتموقعون في مراكز سياسية واجتماعية واقتصادية ...عليا، داخل المجتمع، تسمح لهم بصناعة القرارات في مختلف المجالات أو التأثير في صياغتها".

إنها تلك "الأقليات الاستراتيجية" التي توجد في مواقع استراتيجية من المجتمع، وتتحكم في السلطة ليس فقط داخل مجالها الخاص، ولكن أيضا في مجال القضايا العامة. وهذا ما يجعلها تتمتع "بوضع اجتماعي ومكانة اجتماعية متميزة، وامتلاك السلطة والنفوذ، وامتلاك مهارات خاصة".

 وأثناء حديثنا عن النخبة في البلدان المغاربية، لا بد من الحديث عن حكم مطلق متحالف مع الأعيان، الذين يختلفون عن النخب في المرجعية والبنية والوظائف.

يختلف الأعيان عن النخب، بسبب الأهمية التي تلعبها أصولهم العائلية، وإلى انعدام أو ضعف آلية التدوير، وكذلك لأن أنشطتهم تسير في اتجاه واحد، هو خدمة مصالح السلطة المركزية على المستوى المحلي، واستحصال مقابل مادي أو رمزي لهذه الخدمة.

 وقد ظلت النخب الناشئة بعد الاستقلال، تعاني بدورها من منطق الممارسة الأعيانية، حتى عندما تنشط في بنيات حديثة مثل الحزب أو النقابة أو الجمعية أو المقاولة العصرية، وهو ما جعلها "تقتل روح المبادرة والخلق والإبداع في هذه الكيانات، وتسند لها أدوار أقرب ما تكون إلى تلك التي تؤديها البنيات التقليدية".

ويميز الكاتب بين دائرتين للنخب في المغرب العربي، البؤرة والأطراف. ويعني بالبؤرة "النخب الأكثر تأثيرا وقربا من القرار، ويمكن تحديدها في النخب القبلية في ليبيا وموريتانيا، والمدينية في تونس والمغرب، والعسكرية في الجزائر. داخل هذه البؤرة، يمكن أن تترابط عوامل قد تزيد من هذا التأثير، كالمزاوجة بين القبيلة والجيش، أو الانتماء إلى فئة الأعيان التقليديين والعمل داخل حزب سياسي، ووشائج النسب والمصاهرة، وقد نجد شخصيات تتقاطع فيها هذه السمات جميعا".

وإذا كانت النخب التي تمثل البؤرة متنافرة، بحسب الخصوصيات التاريخية والثقافية لكل مجتمع مغاربي، فإن نخب الأطراف التي تقتصر على تأتيت المشهد أو على التأثير الظرفي، تبدو، برأي الكاتب، متماثلة في عموم هذه المجتمعات، وتتمثل في النخب الثقافية والنقابية والمجتمع المدني عموما.

إن نخب الأطراف هذه هي التي عانت من الإقصاء، وفي أحيان كثيرة من الاضطهاد، وهي من قام بأهم المبادرات، وبذلت أكثر الجهود من أجل تبرير مختلف للقرار، يأخذ بعين الاعتبار مصالح ووجهات نظر مختلف الأطراف. 

ومن بين هذه المبادرات، نجد أن النخبة المثقفة المغاربية قامت بدور كبير في الدعوة لمشروع الوحدة المغاربية، حيث انطلقت فكرة هذا المشروع، على يد جمعية نجم شمال إفريقيا سنة 1927. وجاءت الخطوة الثانية الأكثر دلالة في تطور فكرة المغرب العربي الموحد، مع تأسيس مكتب المغرب العربي، بتاريخ 15 فبراير 1947 بالقاهرة، تم تتويجه بانعقاد مؤتمر طنجة سنة 1958 لأحزاب المغرب العربي، عن تونس الحزب الحر الدستوري، وعن المغرب حزب الاستقلال، وعن الجزائر حزب جبهة التحرير.

ولم تكن تجربة اتحاد المغرب العربي، الذي انطلق بمراكش سنة 1989، أحسن حالا منها، "حيث عرفت مسيرة هذا الاتحاد تعثرا منذ عام 1994. وأبرز ما ميز كلا التجربتين، أنه غلبت عليهما الصفة الرسمية، ولم تشرك فيهما الشعوب المغاربية أو نخبها".

النخب المغاربية، لا سيما النخب الحزبية، وجدت نفسها من هنا، غير قادرة على بلورة أجندات  سياسية، وتحويلها إلى أجندات حكومية أو قرارات عامة، أو التأثير فيها، "مع العلم أن الأحزاب السياسية من الناحية المبدئية، تبقى هي المكلفة بإفراز نخب قادرة على الدفاع عن المطالب المجتمعية، وبالتالي تترجم برامجها ومطالبها إلى سياسيات أو قرارات عامة".

وإذا كان الاتجاه الساند اليوم، في الديمقراطيات الغربية أن النخبة الحزبية تقوم بمراقبة حقيقية للسلطة التنفيذية، وتقوم بدور كبير وفعال في صنع القرار والتأثير فيه، فإن الوضع في دول المغرب العربي، "لم يصل إلى هذه الدرجة من التطور والمسايرة، حيث الحزب لا زال يتخبط في مشاكله الذاتية المتعلقة بالديمقراطية الداخلية، وبنيته النخبوية، ومتاهات الانشقاقات والتحالفات، وبالتالي لازال يبحث عن إبراز أدواره بقوة أكثر داخل المنتظمات السياسية لهذه الدول، حتى يتمكن بعد ذلك من الارتقاء بأدواره السياسية وتطويرها".

هكذا تبقى السياسات الاستراتيجية حكرا على المؤسسات الحاكمة في بلدان المغرب العربي التي تحتفظ ببعض القطاعات تحت غطاء المجال المحفوظ، ليصبح البرلمان، ومن خلاله النخب الحزبية، مكانا لشرعنة القرار فقط،، أما التوافقات فغالبا ما تتم خارج دائرة النقاش العمومي، ليبقى البرلمان مكانا للتعبئة فقط.

لذلك، فإن الرهان المغاربي اليوم، هو رهان سياسي ومجتمعي، "ينتصر للقيم الديمقراطية ولدولة المؤسسات، يبتعد عن المزاجية والشخصنة وأوهام الزعامة الإقليمية، تقوده نخب مستقلة حرة، وصانعة لاختياراتها، تحكمها رؤية، ويحكمها ضمير ويحكمها وعي تاريخي، واستشراف مستقبلي".

والنخب المغاربية عليها أن تستوعب هذه اللحظة التاريخية، والاستجابة لنبض التاريخ والمجتمع، وأن "تكون لها الشجاعة لتلعب دورها كاملا في بلورة وصنع القرار أو التأثير فيه، لأن رهاننا الأكبر، يتوجه إلى المغرب العميق... والذي يستمد مشروعية شكله ليس من عنصر الجغرافيا فحسب، بل من انتماءه إلى بنية اجتماعية وإثنية متماثلة".

* "النخب المغاربية ودورها في صناعة القرار"، محمد بن طلحة الدكالي، نافذة "قرأت لكم"، 6 فبراير 2014.

Vous pouvez partager ce contenu