غزلان هاشمي، مركز أسبار للدراسات والبحوث، الرياض، نونبر 2011، 25 ص.
بالمقدمة، نقرأ: "يفترض فعل التمركز وجود طرفين متناقضين: الأنا في مقابل الآخر، حيث ترتسم من خلال هذه الثنائية حدود التعالي/الانتقاص في كل الخطابات التي تمثل أي ذات، ويتم تركيب صورة منتقصة وهزيلة للمغاير، في حين يتم تركيب صورة عن الأنا حدودها النقاء والقوة والأفضلية. من هنا يظهر التحيز للذات في محاولة إقصاء كل من خالفها".
إذن أينما حل المركز وجد التحيز، وتتم صياغة الخطابات الفكرية والسياسية والأدبية على أساس ذلك. وهذا ما يطرح مفهوم التمركز الذي يعنى بإعادة تفسير كل ظاهرة وإرجاعها إلى الذات. إنه "نمط من التفكير المترفع الذي ينغلق على الذات، ويحصر نفسه في منهج معين، ينحبس فيه، ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته، ويوظف كل المعطيات من أجل تأكيد صحة مقولاته".
المركز من هنا، ينسج لنفسه صورا نقيضة، مثل العقلانية والإنسانية والتقدم والعلم، في مقابل الحضارات الأخرى التي "لم تعرف إلا السحر والخرافة والإلهام والنبوات والإلهيات والخلود".
وهي علاقة تعتمد على تصنيف استبعادي، حيث تفترض إقصاء كل ما لا يدخل في مجال نظام محدد، بل تجعل من سمة الآخر المميزة و"تجسيده ليس فقط كل ما هو غريب غير مألوف، أو ما هو غيري بالنسبة للذات أو الثقافة ككل، بل أيضا كل ما يهدد الوحدة والصفاء"، وينذر بخطر محدق حول الهوية.
بالتالي، فإن التمركز "نوع من التعلق بتصور مزدوج عن الذات والآخر، تصور يقوم على التمايز والتراتب والتعالي. يتشكل عبر الزمن بناء على ترادف متواصل ومتماثل لمرويات، تلوح فيها بوضوح صورة انتقيت بدقة لمواجهة ضغوط كثيرة".
البعد الأيديولوجي الغربي يمارس هنا إكراهاته في رسم حدود المنجز الثقافي، وفي تمثيل الذات تمثيلا متعاليا، مع تمثيل الأخر تمثيلا دونيا.
ولما كان الغرب مؤسسا على مفهوم التمركز، فقد "سعت الخطابات الغربية إلى موضعته في إطار من الفوقية، وإبرازه على أنه نموذج مكتمل، في مقابل الشرق الدوني، الذي يجب أن يبحث عن اكتماله في هذا الغرب. وقد قصد من هذا المصطلح إقصاء الآخر المغاير، وتحويله إلى مكون هامشي، حيث تتحدد أهميته ومكانته، أو تعدل حسب مدى مطابقته لمنظور الأنا وتصوراتها".
إن أهم مقررات المركزية الغربية، برأي الكاتب، هو إقرارها بوجود تاريخ خاص مطلق للغرب، أدى إلى ظهور حضارة غنية ومتنوعة، وأن ما وصل إليه الغرب من تقدم وازدهار لن يكون عند باقي الأمم إلا بإتباع خطواته، والأخذ بالأسباب ذاتها التي أخذ بها الغربيون، "وليس أمام تلك المجتمعات إلا التخلص من خصوصياتها الثقافية، لأن تلك الخصائص هي المسؤولة عن تخلفها، وهي المعيقة لتطورها".
هذا العنف في الخطاب يمارس ضغطه على التصور الإنساني، يتابع الكاتب، "حيث يتم النظر للعالم وفق نظرة شمولية عامة، ويتم إرباك الأبعاد المغايرة واستبعادها من نطاق الاهتمام، بل والأكثر من ذلك يتم تعبئة الجميع إيديولوجيا، بطريقة تجعل فعل التمثل بتلك المعايير أمرا مسلما به... وهذا ما يجعل فعل الحوار والاختلاف مغيبا، ومن ثمة تصير أطروحة حوار الحضارات من قبيل الطوباويات أو الآمال الحالمة، إذ الواقع يثبت ألا وجود لهذا الحوار والتعايش على أساس من المساواة واحترام الهويات، ولا تحقق حتى لأطروحة صدام الحضارات، كما طرحها هنتنغتون، لأن الصدام قائم على افتراض وجود قوى متكافئة تتصارع، في حين أن مشروع الغرب هو تمكين لنموذج واحد متعالي".
وعلى هذا الأساس، فإن خطاب العولمة إنما يمارس إكراهاته المختلفة، من خلال "التبشير بقيم غربية، وتعميم نموذجها وإصباغها بصبغة كونية، دون مراعاة شروط تشكل المجتمعات وخصوصيتها الثقافية وهويتها، وهذا ساعد في ظهور الفكر الامتثالي للآخر".
* "التحيز الإيديولوجي في التمثلات الخطابية الغربية"، غزلان هاشمي، نافذة "قرأت لكم"، 12 يونيو 2014.