Aller au contenu principal

الربيع العربي بين الفكر والخطاب الإعلامي

بسام عويضة، مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، رام الله، يناير 2012، 154 ص.

ينطلق هذا البحث من فرضية مؤداها التالي: إن "الماكينات الإعلامية الموجودة في المجتمعات العربية عملت، عبر خطابها الإعلامي وليس عبر إعلامها، على تشكيل الرأي العام العربي. والتشكيل هنا يعني أدلجة المجتمع نحو الأسلمة أو الأخونة، بينما الإعلام الحقيقي يسعى إلى تنوير الفرد، عبر إيصال المعلومات وزرع القيم في داخله. النظرية التي تدعم هذه الفرضية هي نظرية بناء المعنى، والتي في المحصلة النهائية، تسعى إلى تشكيل سلوك عند الإنسان لاتخاذ موقف سياسي دون آخر".

ويلاحظ الكاتب، بهذه الجزئية، أن ثمة "فرقا كبيرا بين الإيديولوجيا والقيم، وفرقا أيضا بين الخطاب الإعلامي والإعلام التنويري، كما هو الحال في الفرق بين الدين والخطاب الديني، وبين دولة الخدمات ودولة المؤسسات التاريخية، وبين تشكيل الرأي العام وتنويره".

هناك فرق كبير، يقول الكاتب، بين "ماكينة الجزيرة التي تعمل ليل نهار على أسلمة الشارع العربي...وبين قناة أرتي الألمانية/الفرنسية المشتركة، التي تعتبر من أفضل القنوات الإعلامية التنويرية الموضوعية في العالم، حيث تعمل على زرع قيم احترام الدولة، وحرية التعبير، واحترام تداول السلطة، واحترام القوانين والدستور، ورأي القضاء، وحرية الصحافة، وحب العلم والمصنع، وتطور الإنسان، واحترام الوقت والنظام، وعدم السرقة والغش والكذب، وحب الفن والمسرح والسينما والبيئة".

وعند حديث الكاتب عن "الإنسان العربي والفكر"، يبدأ بالتساؤلات التالية: "منذ نهاية القرن التاسع عشر، انتاب المفكرين العرب مسلمين ومسيحيين، سؤال مقلق واحد وهو: كيف ننهض؟ ما هو سبب السكون الرهيب الذي يلف الوطن العربي؟ أين تكمن المشكلة؟ وكيف يمكن إحداث هزة في الجدران الصامتة؟".

يلاحظ الكاتب، بهذه النقطة، أن بعض المفكرين المسلمين (محمد عبده، رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني بالتحديد) ركزوا على قضية الإصلاح الديني، وإجراء مصالحة بين الدين والحداثة، أو بين العقل والنقل، في حين ركز آخرون (شلبي شميل وفرح أنطوان وغيرهم) على الدخول مباشرة إلى عصر الحداثة.

إلا أن الطرحان معا انكسرا، برأي الكاتب، وخاصة الأولى، بسبب قيام حسن البنا بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين بالعام 1928، ونشر كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، والذي يعتبر "دستورا للأصوليات المتطرفة في العالم العربي".

والقصد، يتابع الكاتب، إنما أن "التطور الأوروبي استمر من القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر، عن طريق فلاسفة ومفكرين عظماء، صاغوا فكرا جديدا للعقل الجمعي، لم تقابله خطط وأجندات سياسية، هذا أنتج فكرا، والفكر أنتج إنسانا، والإنسان أنتج أخلاقا وعلماء ومؤسسة ونظاما ديموقراطيا وإعلاميا. في المقابل، عندنا منيت الإرهاصات الفكرية التي بدأت في القرن 19 بفشل دريع في نهاية القرن العشرين، حيث انتصرت الأصوليات الدينية. وعندما انفجر الشارع العربي، تنبهت لذلك مدارس التفكير في الغرب، وأجهزة المخابرات وحولت الثورات إلى حريق، تشتعل في مكان دون آخر، بفعل ماكينات ضخمة، تنتج خطابا تعبويا، ذو طبيعة أصولية، لتنفيذ أجندات سياسية. وهكذا فشل الحل في الوطن العربي، وفشل الربيع العربي، وانتشرت الأصوليات مرة أخرى، وكل ذلك بسبب غياب مفكرين وفلاسفة عرب من العيار الثقيل، ولهذا لم ينتج عن الربيع العربي إنسانا ذو أخلاق، أو أخلاق أو مؤسسة أو إعلام أو دولة عصرية حقيقية...الخ".

ويلاحظ الكاتب أن "المشروع الفكري العربي مبعثر في أكثر من جبهة فكرية، وخاصة جبهة المشروع الوطني الديموقراطي. لذلك انتصر المشروع الآخر، مشروع الأصوليات الدينية".

إننا هنا، لا نحتاج، يقول الكاتب، إلى مشروع جديد يعيد بناء كعبة جديدة، بل "نحتاج إلى مفكرين وفلاسفة عرب، بحجم هيغل ونتشه وفرانسيس بيكون وكانط وديفيد هيوم وفولتير وديكارت وهايدغر وهابرماس...من أجل برنامج أو مشروع يتضمن نقاطا محددة، من أجل تطور الإنسان العربي ورفعة الإنسان العربي".

* "الربيع العربي بين الفكر والخطاب الإعلامي"، بسام عويضة، نافذة "قرأت لكم"، 20 فبراير 2014.

Vous pouvez partager ce contenu