Aller au contenu principal

في"المجتمع المدني العالمي"

news-details

انتشرت، منذ بداية تسعينات القرن الماضي، حركات من الاحتجاج كبيرة، ارتفعت في خضمها شعارات ومطالب من طبيعة "جديدة"، مختلفة نسبيا في خلفياتها ووسائلها وطرق اشتغالها، على الأقل قياسا إلى ما كان سائدا إلى حين عهد قريب.

 والواقع أن الحركات الاحتجاجية الضخمة التي تداولت أخبارها وسائل الإعلام المختلفة، وبالمباشر الحي في العديد منها، لا سيما على هامش قمم الدول الصناعية الكبرى (أو مؤتمرات المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية) إنما تأتى تميزها من توافر أمرين أساسيين اثنين:

 + أما الأول فيتمثل في أعدادها الهائلة، والمتأتي من تعدد الدول التي انتقلت منها ذات الأعداد شمال الأرض وجنوبها، شرقها كما من الغرب...تعذر معها على المؤتمرين بلوغ قاعات المؤتمرات، حتى بتجنيد الآلاف من قوات الأمن، واستدعاء آلاف مماثلة من قوات التدخل السريع وغيرها.

 لم ينحصر الأمر في المظاهرات الاحتجاجية (بسياتل، كما ببرتو أليغري، كما بنيس، كما بجنوا، كما بباريس، كما بواشنطن كما بغيرها) لم ينحصر عند مستوى الأعداد الهائلة هاته، بل تعداه إلى مستوى دقة التنظيم التي انبثقت من توافر "قيادات ميدانية"، توجه ذات المظاهرات، وتعمل على ألا يتحول الاحتجاج إلى تسيب أو فوضى أو تجاوز " للأهداف المرسومة".

 + الأمر الثاني ويكمن في الخاصية المتشعبة والمتباينة بين مختلف المشارب "المكونة" لهذه الحركات، والمتظاهرة جنبا إلى جنب، دونما إقصاء إيديولوجي أو رفض عقائدي أو ما سوى ذلك.

 ومعنى هذا أن ذات الحركات لم تنتف بصلبها التباينات الإيديولوجية أو المذهبية (بين ماركسي متشدد، وليبيرالي متطرف، وحركات نسائية، وفصائل للدفاع عن الأقليات، وفئات للمطالبة بالحفاظ على بيئة العالم وغيرها)، لم تنتف التباينات إياها إطلاقا، بل تعايشت على خلفية من ضرورة مناهضة العولمة ومؤسساتها وشركاتها المتعددة الجنسيات، ومن أهمية الحفاظ على التوازنات البيئية، ومن الحاجة إلى ضرورة استعادة المبادئ الديموقراطية التي استصدرها المالي من الاقتصادي، واستصدراها مجتمعين من السياسي، وهكذا.

ومعناه أيضا أن ذات الحركات، وإن اختلفت مشاربها وتباينت تياراتها الفكرية والمذهبية، وتعارضت مرجعياتها وتصوراتها، فقد استطاعت الاحتجاج مجتمعة دونما أن يترتب عن ذلك مواجهات كبرى تذكر، أو عمليات رفض لبعضها البعض.

 نحن إذن بإزاء هذه الحركات إنما بإزاء صعود رأي عام عالمي، يرفع مطالب ذات بعد عالمي، ويدفع بجهة التنبيه إلى المخاطر التي تتهدد الكون في واقع حاله كما في المآل.

 لا يبدو، على الأقل من خلال شعاراتها وأدبياتها، أن لدى هذه الحركات مطالب فئوية خالصة، أو تطلعات لبلوغ مقاصد وطنية صرفة...إنها تبدو وبكل المقاييس حركات احتجاجية فوق/وطنية، موجهة ضد فاعلي العولمة الكبار، الذين "استباحوا" ثروات الكون، المادي منها كما اللامادي، وكونوا " سلطا جديدة" لا اعتبارات اجتماعية أو أخلاقية أو ما سواها تذكر عندها، أمام اعتبارات المردودية والربحية والإنتاجية والمرونة والتنافسية، وما سواها من "طقوس" واعتبارات.

 هي بالتالي، حركات ترفض إخضاع الطبيعة لطقوس السوق، وصهر السياسي في الاقتصادي والمالي، وتحويل الكوكب إلى " سلعة" خالصة، لا ميزة لها على ما سواها من سلع.

  ليس ثمة من شك إذن أننا إنما بإزاء ولادة مجتمع مدني عالمي، بعدما تأكد، قبليا على ذلك، توفر رأي عام عالمي يناهض لا فقط سلوك الشركات الكبرى (ومن خلفها دولها بهذه الصورة أو تلك) أو الحكومات المختلفة المتبنية لسياسات العولمة، بل أيضا وبالأساس لشتى ضروب التنسيق التي ينهجونها مجتمعين، لبلوغ أهداف ليست بالضرورة متساوقة وما ينادي به مشروع المجتمع المدني العالمي، المترتب عن الحركات الاحتجاجية متزايدة الوتيرة والتأثير.

 بالتالي، فحتى إذا لم يكن المشروع إياه حاملا لكل صفات وخاصيات المجتمعات المدنية المعهودة على المستويات القطرية، فإنه على الأقل يحمل منها أكثر من صفة وبذرة، يجعل من ذات المشروع ظاهرة طور التكريس بهذا المقياس أو ذاك:

 + فالمجتمع المدني العالمي يرتكز على أرضية من الرأي العام تبني له في الأسس وتجذر له في التوجه، إذ مخاطر العولمة الليبيرالية على حاضر ومستقبل الأفراد والجماعات، كما مكامن الخطر المترتبة عنها بالنسبة للبيئة وللحق في الاختلاف وللتعبير المواطناتي، كما أخطارها على الحق في التميز...كما غيرها، إنما تشي مجتمعة بطغيان وغلبة الاقتصاد والمال والأعمال، على حساب السياسة والديموقراطية والمواطنة.

 ومعنى هذا أن ترك حاكمية الاقتصاد ترهن حاكمية الديموقراطية والسياسة، إنما يشي، وفق ما يسير على نهجه فاعلو العولمة، بمخاطر كبرى على الفرد، على الجماعة، وعلى مستقبلهما ومستقبل الكون الذي هو مكمن وجودهم، وسر بقائهم، وديمومة وجودهم.

 لا يبدو، في مواقف الحركات الاحتجاجية، من هذه الأمور من فئوية تذكر، أو دفعا من لدنها بقضية وطنية خالصة تركن ما سواها إلى الجانب، بل تبدو كلها دائرة في فلك الدفاع عن مبدأ "الملكية العالمية المشتركة"، على عكس الملكيات الخاصة التي لا تعترف إلا بالسوق، ولا معرفة لها تذكر فيما يبدو بما هو مجتمع أو سياسة أو أخلاق.

 + والمجتمع المدني العالمي الناشئ يستنبط قوته لا من تجبر الدول والحكومات، ودوسها لحق الفرد والجماعة في العيش والتعبير، بل وبالأساس من ضعف الأحزاب وتواطؤ النقابات، وتدني دور المثقفين والمفكرين في الدفاع عن ظروف البقاء وضمان استمرار العيش المشترك.

 وعلى هذا الأساس، فالمجتمع إياه لا يشير بالأصبع على هذه الحكومة أو تلك، على هذه الشركة العملاقة أو تلك، على هذا الحزب بعينه أو ذاك، على هذا المثقف أو ذاك، بقدر ما "يلقي بالمسؤولية" على فصيلة مركبة منهم مجتمعين، تبنت الحكامة الجديدة التي حملتها العولمة الليبيرالية، وتبنتها الحكومات كما بعض النقابات كما الأحزاب كما المثقفون كما غيرهم.

 بالتالي، فالمجتمع المدني العالمي المتشكل تدريجيا، إنما تتراءى له التهديدات المرفوعة في وجه مستقبل الكون في كونها تهديدات جماعية، لا سبيل لتجاوزها والحيلولة دون تكريسها إلا عبر العمل الجماعي المفعل لهذه المستويات شكلا وفي الجوهر.

 + والمجتمع المدني العالمي الصاعد لا يقتصر في فعله على الاحتجاج والتظاهر، على التنديد والتحذير، بل يتعدى كل ذلك إلى مستوى المبادرة والاقتراح.

 فهو لم يبادر فقط إلى اقتراح ضريبة (ضعيفة المستوى) على حركة رأس المال المضارباتي، والموظف للشبكات الألكترونية دونما رقابة ديموقراطية عليه تذكر، ولم يقتصر فعله على إبراز حيوية وأولوية الحفاظ على الاختلاف والتنوع (البيولوجي والطبيعي، كما على مستوى اللغات والثقافات)، بل ذهب إلى حد تبيان مخاطر إخضاع العلم والتكنولوجيا للاقتصاد والمال والسوق، دونما اعتبار لمحاذير الأخلاق يذكر.

وعلى هذا الأساس، فلعل إحدى نقط قوة ذات الحركات إنما كونها تحولت بسرعة من مجرد كونها حركات احتجاجية مشتتة ومتباينة المشارب، إلى بنك للاقتراحات والمبادرات، لا تقل إجرائية في ذلك عما يقدمه فاعلو العولمة، أو يدفع به خبراؤهم ومنظروهم.

  من حكم القائم إذن أننا، على الأقل منذ ما يناهز عقدا من الزمن، إنما بإزاء انبعاث إذا لم يكن مجتمعا مدنيا عالميا كما عهدناه بالمستويات القطرية، فإننا حتما بإزاء تقدم ظاهرة رأي عام عالمي، يعي بدقة ما يترتب (وما قد يترتب) على طبيعة العولمة السائدة، من مخاطر على مستوى الفرد والجماعة كما على المستوى الكوني.

 وبناء على ذلك، فلئن سلم المرء بذلك، فإنه من غير المتعذر عليه التسليم بأن ذات الرأي العام، كما ذات المجتمع (المنبثقين ظاهريا عن الحركات الاحتجاجية العالمية) إنما هما بإزاء حالة من المخاض لم يتسن لهما التخلص منها بعد:

 + فالحركات الاحتجاجية هاته، وإن بدت متباينة المشارب والخلفيات، فهي كذلك تأكيدا، لكنها أكثر من ذلك وأعمق. هي ليست كذلك فحسب، بل هي أيضا وبالأساس متباينة المرجعية والفلسفة. وهو ما يجعل منها لا فقط حركات " لمن لا حركة له بأرض الوطن"، بل وأساسا حركات "انتهازية" تراءت لها مردودية نقل صراعها إلى العالم، بعدما انحسر مفعولها بداخل الوطن أو بخضم الإقليم.

 وهو أمر لا ينطبق فقط على الحركات الشيوعية منحسرة الأثر، أو التيارات الفوضوية ذات "الأهداف العبثية"، بل وكذلك المنظمات المطالبة بتأمين حق الفرد في حياته، في جنسه وبشرته وعقيدته وهكذا. وهو ما يجعل من ذات "المجتمع"، "مجتمع كل شيء ولا شيء في الآن معا" كما يقال، لكنه أبعد، من الناحية العملية، من أن يتوفر لمكوناته الحد الأدنى من الأهداف والمطالب المشتركة.

 + والحركات الاحتجاجية تلك تبقى، بصرف النظر عن النقطة السابقة، تبقى عابرة وموسمية، عبور وموسمية القمم والمؤتمرات التي تعقدها الدول الكبرى والمؤسسات الدولية. ومعنى هذا أن الحركات إياها سرعان ما يتم تناسيها بمجرد انفراط مدة هذا المؤتمر أو ذاك، أو انتهاء هذه القمة أو تلك، لتنصرف إلى الاسترخاء في حين أن الدول والمؤسسات الكبرى تكون قائمة على قدم وساق لتنفيذ ما تم اعتماده بالمؤتمر إياه أو بالقمة إياها.

 صحيح أن قوة ذات الحركات تأتي من تنظيمها المحكم، وقدرتها الفائقة على توظيف الشبكات في ترويج أفكارها وتصوراتها (نموذج أطاك الفرنسية مثلا)، لكنها على الرغم من ذلك تبقى محصورة ومحدودة المفعول.

 والسبب في ذلك لا يأتي فقط من ضعف إمكاناتها (وغياب السلطة من بين أيديها)، ولا من تعذر القدرة لديها على تنظيم الاحتجاج الافتراضي المتاح لديها، بل وبالأساس لعسر تصريف خطابها على مستوى النخب الحاكمة، التي لا ترفض الحركات إياها مبدأ مفاتحتها، أو التحاور معها في الإشكالات القائمة بجملتها كما بالتفاصيل.

 بالتالي، فلو تسنى للمرء جدلا أن يسلم بإمكانية إقامة مجتمع مدني عالمي (وهو أمر هين بالشبكات اليوم)، فإنه لن يستطيع التسليم بقدرة ذات المجتمع على التكريس بأرض الواقع، زمن طغيان رأس المال، وهيمنة المجموعات السياسية والمالية الكبرى، وتقدم منظومة الفكر الواحد.

 والسر في ذلك لا يكمن فقط في موازين للقوى قائمة وحقيقية، بل في تنابذ مشروعين لكل منهما خلفياته وأهدافه: مشروع حكامة لا قيمة بداخله تذكر للفرد أو للجماعة، أو لمستقبل الكون... ومشروع يتغيأ التأسيس لمدنية عالمية جديدة، تعطي حمولة متجددة للمواطنة، للتضامن وللعيش المشترك، على أساس من التفكير والفعل الكونيين.

* "في المجتمع المدني العالمي"، 15 ماي 2014.

Vous pouvez partager ce contenu