Aller au contenu principal

الصحافة الاستقصائية

عيسى عبد الباقي، مركز أسبار، الرياض، أبريل 2014، 35 ص.

يقول الكاتب ببداية هذه الدراسة: "تعد الصحافة الاستقصائية واحدة من أكثر الأنماط الصحفية المثيرة للجدل وأكثرها تكلفة، إذ تتطلب المزيد من الالتزام والوقت والاستثمارات. فهي تضطلع بدور أكثر تحريضا للرأي العام تجاه أية انحرافات تحدث في المجتمع، بالإضافة إلى دورها في تحليل المعلومات، وممارسة الدور شبه القضائي في تحديد جهات الاتهام للانحرافات التي يتم تحديدها... ومن ثم، فهي تحظى بالمزيد من الإطراء والتشجيع باعتبار أنها تساهم في تعزيز الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في الرقابة على الحكومات، والشركات الكبرى التي تتمتع بنفوذ هائل في تلك المجتمعات".

إنها تتمثل، بنظر الكاتب، في المضي خلف ما يريد بعض الأشخاص إخفاءه، وهي بذلك تقدم المسودة الأولى من التشريعات، بجذبها الانتباه إلى مظاهر الإخفاق في نطاق الرقابة بالمجتمع، وكيف تم اختراق هذه النظم من جانب الأغنياء وذوى النفوذ والفاسدين.

 وتتمثل أيضا في كونها صحافة المعلومات المخفية، أي الصحافة التي تهدف إلى الكشف عن المعلومات التي لا يتاح الاطلاع عليها لكافة الأشخاص، لا سيما وأن "تعرية القصور والفساد في الحكومة يمكن أن يؤدى إلى تغيير السياسات الحكومية العقيمة، ومن ثم حماية أموال دافعي الضرائب من التبديد والإهدار،  وبالتالي إنهاء خدمة المسئولين الذين يسيئون التصرف في الأموال العامة. كما أن عملية الكشف عن الممارسات غير الأخلاقية لرجال الأعمال يمكن أن ينقذ صحة وأموال المستهلكين".

إن التقارير التي يعدها الصحفيون الاستقصائيون غالبا ما تفيد في "حشد وتهييج الرأي العام من أجل المطالبة بالإصلاح والتغيير، مع دفع صانعي القرار لتقديم مشروعات القوانين التي تنظم المقترحات الإصلاحية، ومن خلال هذا النموذج، يمكن أن يؤثر المحررون بصورة ايجابية على العملية السياسية".

 والمعنى أنه من شأن هذا اللون من الصحافة فضح جرائم الرشوة، والفساد، والجريمة المنظمة، وهدر الموارد، والوحشية من جانب أجهزة الشرطة في التعامل مع المواطنين، الإحساس بالمسئولية الاجتماعية هو الدافع وراء هذه التوجهات من جانب المحررين.

ففي أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، تسبب الكشف عن الفضائح التي ارتكبتها القوات الأمريكية في حرب فيتنام، في تحويل توجه الرأي العام الأمريكي إلى معارضة تلك الحرب، مما أدى إلى إدخال بعض التغييرات في السياسة الخارجية الأمريكية. وبالمثل، فإن نشر القصص الاستقصائية عن المسئولين في البيت الأبيض، إبان فضيحة ووترجيت، تسبب في فقد الثقة في إدارة الرئيس الجمهوري السابق ريتشارد نيكسون، مما أسفر عن إرغامه على الاستقالة من منصبه قبل أن يتم فترة رئاسته الأولى.

في البيئة العربية، ظل هذا النوع من الصحافة، برأي الكاتب، غائبا بشكل واضح بمفهومه المنهجي والعلمي الدقيق والمتعارف عليه في أدبيات مهنة الصحافة، رغم التحديات التي تواجهها، والبحث عن تقديم ما هو مختلف للحفاظ على القراء من جهة ، وضمان قدرتها على البقاء في السوق الإعلامية من جهة أخرى .

 فلم تعرف الصحافة العربية هذا النمط من الصحافة بشكل منهجي إلا في السنوات الأخيرة من القرن الحالي، وبقدر هامش الحرية المتاح في كل دولة، "مما جعل المشهد متفاوتا من بلد إلى آخر، وربما يرجع ذلك إلى عدة أسباب تتلخص في:  القيود التشريعية المنظمة للعمل الصحفي والإعلامي بشكل عام، فيما يتعلق بقانون حق الحصول على المعلومات، وعدم توفير المؤسسات الصحفية والإعلامية البيئة المناسبة للصحفيين لديها لتنفيذ مشاريع استقصائية، وغياب الصحفي المتدرب بسبب إهمال تلك المؤسسات تدريب العاملين لديها، بالإضافة إلى العقلية التي تتحكم في القائمين على أمر هذه الوسائل، وعدم الرغبة في تقديم ما هو مختلف".

* "الصحافة الاستقصائية"، عيسى عبد الباقي، نافذة "قرأت لكم"، 20 مارس 2014.

Vous pouvez partager ce contenu