Aller au contenu principal

"حزب" الإعلام بالمغرب

news-details

هناك بالمغرب، كما بسواه من باقي بقاع الأرض، إعلام للأحزاب قائم، ينطق باسم ذات الأحزاب أولا وأخيرا، يشيع لمنظومتها شكلا وفي العقيدة، يساير حركة زعمائها في الترحال وفي منطوقهم، ولا يرى من قيمة اعتبارية تذكر لإعلام معارض أو منافس أو مناهض. إعلام يتعامل مع حزبه ولكأنهما الصوت الواحد  "لحزب واحد"، لا يأتيهما الباطل لا من أمامهما ولا من خلفهما.

 وهناك أيضا بالمغرب، كما بمختلف بلاد المعمور، إعلام قائم دونما وجود حزب له معلن. لم يضع في إنشائه " دفتر تحملات سياسي"، وليس مجبرا على تخصيص حيز لنشاط الزعيم، ولا بوضع صورته بالألوان في صفحة الاستهلال. هو إعلام بلا حزب (أو هكذا يبدو الأمر للوهلة الأولى) في مقابل إعلام حزبي، متحزب، يتحدد وجوده بوجود الحزب، تبهت صورته بمجرد أن تبهت صورة هذا الأخير، وينطفئ معا في حالة تعذر الحال والتأكد من استحالة المآل.

 هما نوعان من الإعلام لا تحكمهما نفس "المرجعيات"، ولا لهما نفس التطلعات والغايات:

 + فإعلام الحزب (جريدته في الغالب الأعم) هو صوت الحزب الذي لا يعلو فوقه صوت آخر. هو صورة طبق الأصل (أو يكاد) لفعل الحزب وتفاعله، لا يزيغ عنها قيد أنملة، أو ينوء عن "حتمية" إشاعتها في منخرطيه كما في غيرهم. في حين أن حزب الإعلام ليس من المفروض فيه أن يحتكم إلى منظومة سياسية ذات خلفية إيديولوجية، أو إلى سلوك جماعي تفرضه الأغلبية، وليس مطالبا فضلا عن ذلك، بالخضوع لتوجيهات الزعيم، أو " لحسابات المرحلة" أو ما سوى ذلك.

 + وإعلام الحزب (أعني صحفييه كما منخرطيه) تحكمه " ثقافة الانضباط"، وطقوس التضامن الحزبي، في حين أن حزب الإعلام ليس محكوما بذات الثقافة، ولا هو مطالب بإعمال مبدأ الانضباط.

 + وإعلام الحزب إعلام حددت (وتحدد له باستمرار) خطوط حمراء، لا مجال لإعمال الاجتهاد لمعرفتها، في حين أن حزب الإعلام لا يرى حرجا (بين الفينة والأخرى، أو كلما تراءى له ذلك) في محاذاتها، والتعرض لها، وتجاوزها أحيانا وإن بالتلميح المبطن. بالتالي، فإعلام الحزب هو إعلام مؤسسات قائمة (حتى وإن لم تكن فاعلة)، في حين أن حزب الإعلام لا عناوين "لمؤسساته" تذكر...وهكذا.

 حزب الإعلام، الذي نقصد في هذا المقام، لا نعني به فقط إعلام من لا حزب له  (من لا إعلام له يقول البعض). ولا نعني به إعلام مجموعة صحفيين لم تستهوهم "الوظيفة" الحزبية للإعلام، بقدر ما نعني به تلك الكتابات الصحفية التي لا تشفي المنابر الحزبية غليلها، أو تراها مقصرة في وظيفتها، أو تعتبرها (في الحد الأقصى) متواطئة في تسويف الواقع، وتدجين المواطن، والتجاوز على حاله ومستقبله.

 هو، على هذا الأساس، "حزب" رأي ليس من الضروري أن تتقاسم أفكاره صحف الأحزاب. وهو "حزب" لا يستهجن ذات الصحف بقدر ما يطالب بضرورة أن يكون لها حزبا خاصا، يكون الاحتكام فيه لا إلى منظومة مرجعية قارة، بل إلى "أخلاقيات في المهنة" تحكم الأداء وتحاسب على العطاء.

 هو "حزب" لا يتطلع للسلطة أو يعمل بجهة بلوغها، بقدر ما يعمل على أن يكون سلطة مضادة (وإلى ما لا نهاية بحكم طبيعته) كائنة ما تكن السلطة القائمة أو "الحزب القائد".

وهو "حزب" لا يدعي امتلاكه لمشروع مجتمعي، بقدر ما يطالب بضرورة إقامته أو المساهمة في صياغته. وهو، فوق كل هذا وذاك، "حزب" لا يتطلع لتكوين إطار أو تأسيس هيئة سياسية، بقدر ما يتطلع لبناء مشروع اجتماعي وثقافي، تكون السياسة بصلبه عامل تجنيد وتأطير، لا أداة احتكار للسلطة أو ممارسة للعنف من خلالها.

 ليس ل "حزب" الإعلام منخرطون بالبطائق، ولا مناضلون بالهوية، ولا هم كتاب محليون بمدن أو بأقاليم. قد يكونوا كذلك، لكن هم أيضا صحفيون فقهوا الإعلام الحزبي (لدرجة التقزز)، ومثقفون "عضويون"، وأصحاب أقلام مستقلة، ومروجو رأي وأفكار...هم متعاطفون مع الإعلام تعاطف المتحزب مع حزبه. وقياسا على ذلك، فهم ليسوا بالضرورة كلمة الحزب، بقدر ما هم (أو هكذا يدعون) حزب الكلمة...لا اعتبار يذكر فوقها أو من خلالها (أو هكذا المفروض).

 بالتالي، فإذا كان لنا أن نسلم بهذا، فلن يتعذر علينا التسليم بأن ذات "الحزب" لا يكترث كثيرا بما يصبو إليه الصحفي (المهووس بالمهنية والعملية، وضبط الشكليات الصحفية)، بقدر ما تهمه الآراء والأفكار، ويحكمه منطق نسبة القراءة.

 وعلى هذا الأساس، " فحزب" الإعلام لا ينحصر فقط في الإعلام غير المتحزب (حتى وإن كان ذا طبيعة سياسية مضمرة)، الذي غالبا ما تتعاطاه صحافة لا تنطق باسم هذا الحزب أو ذاك، بل يتعدى الأمر ذلك إلى أفراد (ولربما إلى جماعات) كانت متحزبة إلى حين، لكنها ضاقت بالتحزب الضيق (ولقيت في الصحافة متنفسا لاجتهادها)، أو انشقت جملة وتفصيلا عن أحزاب قائمة، ولم تجد لها بعد نقطة وصول، أو انصرفت نهائيا عما تعتبره متاهات الحزب والتحزب.

 ولهذا السبب (وبالتأكيد لغيره) نرى أن العديد من "أقلام" الأحزاب قد انجذبت إلى حزب القلم تعبر به ومن خلاله عما لم يكن متاحا لها في السابق...داخل الحزب أعني.

 ولما أصبحت ظاهرة الانشقاقات الحزبية بالمغرب هي القاعدة (شأنها في ذلك شأن إنشاء الحزب أو حله)، فإنه يبدو من الطبيعي أن " يتزايد الطلب" على ما نسميه هنا ب "حزب الإعلام"، إذ أضحى هذا الأخير ملجأ "المنشق"، كما ملجأ الذي لم يتسن له بعد ولوج حزب وهكذا.

 ولئن كان من غير المتعذر على المرء تحديد هؤلاء بالإسم والصفة بهذا المنبر كما بذاك، فإنه من غير الهين سبر أغوارهم لمعرفة نواياهم وخباياهم. لا يروم التلميح هنا فقط "مجموعة" أقلام (تكتب بمنابر "مستقلة" أو تدعي الاستقلالية) وتسعى لكسب مشروعية الخطاب، لشرعنة الممارسة فيما بعد (تكوين حزب أقصد تحديدا)، ولكن أيضا "لأقلام" تدعي النزاهة في القول، لكنها لا تحتكم إليها في الفعل.

 ليس غريبا، من هنا أن نقرأ بهذا "الحزب" لأقلام منشقة، غاضبة قد لا يهمها كثيرا من يقرأ بقدر ما يهمها ما تكتب. وليس غريبا كذلك أن نستشف من هذا النص أو ذاك، أن صاحبه (المتحزب) أضحى يضيق بصحافة حزبه وأقلام رفاقه. كما أنه ليس من الغرابة في شيء أن يقرأ المرء بين الفينة والأخرى، آراء لعضو بهذا الحزب أو ذاك، يوحي بأن ذات الحزب على وشك الانفجار، أو تقوم عليه لوبيات، أو تتحكم فيه مصالح دونه ودونها الانفجار، وفي أخف الأحوال الانشقاق.

 إذا لم يكن الأمر كذلك (أو يشارف عليه) فما تفسير لجوء وجوه ارتبط إسمها ولزمن طويل بهذا الحزب أو ذاك، إلى جرائد "مستقلة" للجهر برأيها، أو التنديد بممارسة، أو الطعن في قرار، أو عدم رضاها عن طريقة المداولات؟

وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما تبرير لجوء هذه الجهة أو تلك لتكفير مقال، أو التنديد برأي، أو اعتبار ذات الرأي شخصيا، في حالة خروج هذا "العضو" أو ذاك عن المنظومة، أو تعارض موقفه مع ما هو سائد بداخلها من مواقف؟

 هذا إشكال جوهري لا يستطيع المرء الإفلات منه: إذ ما السر في لجوء الوجوه الحزبية (أو البعض الكثير منها على الأقل) إلى حزب للإعلام، لا تربطهم به مبدئيا لا بطاقة الانتماء، ولا منظومة الاشتغال، ولا المرجعية أو التطلع؟ ما الدافع لاعتبار "حزب" الإعلام ملجأ من لا ملجأ له (أو لمن لم يعد له من ملجأ) بالأحزاب؟

 ليس ثمة من تفسير آخر، فيما نتصور، إلا أن الإعلام (أعني الإعلام الصادق، المهني والجاد...إعلام القرب نهاية المطاف) هو المحك الحقيقي الذي تقاس على محرابه ديموقراطية الحزب، وحق الاختلاف والتعدد بداخلها...هو مقياس وحدتها وتوحدها حول المرجعية والتصور والهدف.

 ولهذا الاعتبار (كما لغيره دون شك) فمن الواجب أن يكون الإعلام بالمغرب لا ملجأ أقلام اليمين (وإن في علتها وضعفها)، ولا محتضن أقلام اليسار (على تقصيرها وضعف أدائها)...بقدر ما يجب أن يكون الضامن لكل الأقلام المناهضة للمركزية الحزبية، الرافضة لتأليه المرجعية، وتقديس الانضباط وتنزيه "القائد".

 إذا لم يكن ذات الاعتقاد (اعتقادنا الخاص على الأقل) قائما، فما معنى أن تكتب أقلام من اليسار بإعلام اليمين، وأخرى من اليمين بإعلام اليسار؟ ما الآية من كل هذا؟ الآية، فيما نزعم، أن الإعلام ليس حزبا بالمعنى المتعارف عليه، هو قوة ضغط بهذه الجهة أو تلك...لا يهمه في ذلك (أو هكذا يجب) لا السلطة ولا الجاه ولا نمطية الحزب أو تراتبيته.

* "حزب الإعلام بالمغرب"، 31 مارس 2014.

Vous pouvez partager ce contenu