Aller au contenu principal

العدوان على غزة بعيون مغربية

news-details

في خضم العدوان المستعر الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة، ولا تزال أطواره جارية لحد الساعة، حتى وإن تخللته هدنات مؤقتة ومتقطعة هنا وهناك، خرجت للشارع بالمغرب، للتظاهر والاحتجاج، مسيرتان "كبيرتان" بمدينة الرباط والدار البيضاء، إلى جانب أخريات أقل وقعا بمختلف مدن المغرب، للتعبير عن التضامن مع "شعب"غزة، ثم لمشاركته احتفالات النصر المادي والرمزي الذي حققته صواريخ المقاومة على "جيش الدفاع" الإسرائيلي، بالأرض مباشرة، ومن خلال تحييدها الواضح للمنظومة الأمنية التي صاغها ذات الجيش حول محطات القبة الحديدية، وشبكات اعتراض صواريخ صممتها أيادي بعض المهندسين والتقنيين بورشات متواضعة، وبأدوات تقليدية تثير الإعجاب حقا.

إن التضامن مع "شعب غزة"، والاحتفال بانتصار المقاومة يستاهل الخروج حقا للشارع، والهتاف افتخارا بما تم إنجازه على الأرض، ماديا وعلى المستوى الرمزي، حتى وإن كان رديفا للتحسر عما لحق القطاع من دمار شامل، لربما لا يوازيه في المفعول إلا زلزال مقدر، أو إعصار مدمر.

ليس ثمة ما يدعو حقا للاستنكاف عن الخروج للشارع للتضامن مع شعب لا تتوانى إسرائيل في تقتيل أبنائه، وتدمير بناه التحتية، وإعاقة سبل الحياة الطبيعة من بين ظهرانيه، بسبب "مبرر" (من قبيل الادعاء بقتل الفلسطينيين للمستوطنين الثلاثة في العدوان الأخير) أو دونما اللجوء إلى تبرير للعدوان، اللهم إلا التخفي خلف هذا الادعاء الزائف أو ذاك.

ولذلك، فقد تميزت تظاهرتا الرباط والدار البيضاء، شأنهما في ذلك شأن العديد من التظاهرات التي خرجت بكل دول العالم،  للتنديد بالمجزرة والضغط على الحكومات بغرض وقفها، تميزت أقول:

+ أولا: بالطبيعة العفوية الصرفة التي أخذتهما في شكلهما كما في مضمونهما، والتي جعلتهما تمران دونما مزايدة من هذا الطرف المشارك أو ذاك. صحيح أن التظاهرتين خضعتا معا لترتيبات رسمية دقيقة مع السلطات المحلية، والأمنية على وجه التحديد، حددت لهما الإطار القانوني وسقفا في التجاوز عليه يسقط المرء تلقائيا في المحذور والفوضى. وصحيح أن الشعارات التي تم التوافق بشأنها أريد لها أن تحترم منطوق المناسبة، وحدود ما هو مطلوب عمليا القيام به من لدن الحكومات والمنظمات. 

هذا سلوك لا غبار عليه فيما يبدو، و لا يشي قطعا بأن المغاربة قاصرين أو غير قادرين على تنظيم تظاهرة، إذا لم يكن من حولهم مصالح في الأمن تنظمهم وتؤطرهم، وتحول دون احتمال التجاوز من لدن بعضهم. كان المفروض أن تخرج التظاهرة دونما كل ذلك، أو ببعض منه قليل، ومن تجاوز أو خرج عن السياق، فثمة القانون الذي إليه يحتكم الجميع، لكن الخشية كانت أن تتحول التظاهرتان إلى مناسبة لرفع شعارات مطلبية أو فئوية، اجتماعية وسياسية، تنغص على الهدف وتفسد على الشعارات مدلولها وغاياتها.

صحيح أن جماعة "العدل والإحسان" (وهي جماعة إسلامية غير مرخصة) رفعت شعارات لا أظن أن السلطة ارتضتها، فما بالك القول بإجازتها، إلا أن ذلك يبقى حالة نشاز بكل المقاييس، ليس فقط لأن الجماعة كانت ضمن اللجنة التنظيمية التي رتبت لتظاهرة الرباط، أو لكونها نأت بنفسها وبمنتميها عن الجموع، ولكن أيضا لأنها كانت على وعي بأن نزولها للشارع بمفردها أمر غير ممكن، لا بل ولن تنال لإدراكه مباركة السلطة، أو صرف نظر هذه الأخيرة عنها بهذا الشكل أو ذاك.

هذا زعم من لدننا وارد، ويزكيه زعم ثان مفاده أن الجماعة إنما أرادت أن تثبت أنها حاضرة بقوة في المشهد، وأنها لم تخلق للمزايدة على النظام كما يدعي البعض، بل "للتعبير عن هموم الأمة" بالداخل الجغرافي المحصور، كما ب"الأفق الإسلامي الواسع". ومع ذلك نقول بأن كل الأطياف السياسية والإيديولوجية تماهت مع المناسبة، ولم تعمد بالمرة إلى استفزاز بالقول أو تحرش بالفعل.

+ ثانيا: صحيح أن التظاهرتين معا، لا سيما تظاهرة الرباط، تقدمتها وفود رسمية، وزراء، سابقون وحاليون، وسياسيون ونقابيون وجمعويون وما سواهم، أعطوا الانطباع بأن التظاهرة هي تظاهرة نخبة بامتياز، يقول البعض، وليست تعبيرا عن إحساس جماهيري أو تضامن شعبي عفوي، أو سلوك ذاتي يعبر عنه المرء دون الحاجة إلى زعامات بالصف الأول، أو صفوف من الدرجة الثانية أو الثالثة، أو حراس أمن لهذا "الزعيم" أو ذاك، لهذه "الشخصية الاعتبارية" أو تلك.

قد يكون هذا  الانطباع صحيحا، لكننا نزعم بأنه انطباع مجحف في حق هؤلاء، إذ لم تثبت الوقائع والأحداث أن ثمة من السياسيين المغاربة أو المثقفين أو النقاببين أو الجمعويين (اللهم إلا بعض الأصوات النشاز) من لم يحمل في قلبه ووجدانه القضية الفلسطينية بمجملها، وقدم الدعم والمعونة للصناديق التي أنشئت من أجلها، وأوى العديد من المؤتمرات التي حمت القضية واحتضنتها. إذا كان هذا قائما في السلوك العادي للمغاربة، نخب وجماهير، فكيف لا يكون ذلك قائما وهم يتابعون حلقات التقتيل التي يتعرض لها أهل غزة آناء الليل وأطراف النهار من الجو والبحر والبر؟

إنه تفصيل شكلي خالص أن يكون زعماء الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع الأهلي وبعض رجال المال والأعمال المتنورين وما سواهم، أن يكونوا بالمقدمة، لكنهم أتوا للتضامن مع شعب غزة كذوات فردية، كأشخاص ذاتيين، وكفعاليات تتجاوز على الاختلاف السياسي والتباين الإيديولوجي.

 بالتالي، فلم يكن ثمة من تمايز أو تمييز، بل ولا يجب أن يكون قطعا، بين هذا وذاك، سواء في الدرجة أو في الصفة، بدليل أنه بمجرد انطلاق التظاهرتين، تماهت الشعارات وتوحدت النداءات، ولم يعد المجال قائما للحديث عن وزير أو مثقف أو نقابي أو جمعوي، أو معطل أو محتج على لهيب الأسعار، أو متظلم طاله ظلم بالمحاكم أو ما سواهم...الكل يتظاهر تضامنا مع شعب غزة، حتى وإن كان لكل منهم مرجعيته السياسية أو خلفياته الإيديولوجية أو مطالبه الفئوية.

إنها قاعدة باتت ثابتة، ويبدو أنه من باب المزايدة إثارتها هنا أو هناك، لهذه الغاية أو تلك. لقد عايناها بكل المظاهرات السابقة، على هامش ما جرى بالعراق منذ تسعينات القرن الماضي، وما جرى بغزة والضفة من سنين طويلة، تماما كما عايناها بإزاء قضايا داخلية صرفة (بإزاء تفجيرات الدار البيضاء ومراكش الإرهابية وبإزاء غيرها). الطقوس هي نفسها، والترتيبات هي ذاتها، لكن الرسالة واحدة، لا تقبل الـتأويل أبدا.

+ ثالثا: قد يقول قائل بأن المظاهرة، مظاهرة الرباط تحديدا، قد تحولت إلى شكل من أشكال التواصل الإشهاري، حيث العبرة فيها بمن يعطي العدد الأكثر من التصريحات، وبمن تتم استضافته أكثر بهذه المحطة الفضائية أو تلك.

وقد يضيف قائل آخر بأن هذه المظاهرة لم تكن وسيلة خالصة للتعبير عن التضامن، ثم الاحتفال مع "شعب غزة" في صموده وإنجازاته على الأرض (على الرغم من ضخامة التضحيات، وجسامة التدمير)، بقدر ما كانت غاية في حد ذاتها، لسان حالها يقول: "ها نحن معكم يا أهل غزة بشوارع الرباط والدار البيضاء، وبالفضائيات العابرة للجغرافيا، أما ما سوى ذلك، فلا تنتظروا منا شيئا إضافيا آخر...لقد قمنا بالواجب معكم وقضي الأمر"، أي لكم، يتابع ذات القائل، أن تديروا المعركة على الأرض، وتبحثوا لها عن مسلك سياسي يضمن لكم تثمين ما قدمتموه من تضحيات، وما عبرتم عنه من قدرة على المجابهة والمكابرة.

وهما قولان سرعان ما يخلص صاحباهما إلى محصلة مفادها أن تظاهرتي الرباط والدار البيضاء لم تكونا بريئتين، إذ كان لكل طرف في خضمهما مصلحة محددة: هذا مكلوم على من استهدفه العدوان بأحياء وحارات غزة، وهذا فرح بصواريخها وصمودها الأسطوري، وذاك مفتخر ومراهن على قدرتها في رد العدوان، وذاك خرج لإعلان الحضور، وآخر للتشفي في حركة (حركة حماس تحديدا) له معها ثأر إيديولوجي، وهكذا.

أعتقد أن الحكم على تظاهرتي الرباط والدار البيضاء بهذه الحدة هو حكم مجانب لعين العقل، مجحف وظالم بأكثر من زاوية. فالتغطية الإعلامية لأي حدث، فما بالك لو كان من طينة ما جرى ويجري بغزة، باتت جزءا من استراتيجية دفاعية، يلجأ إليها الطرف المعتدى عليه لتثمين مكاسبه السياسية على الأرض. ثم إنه لولا التغطية الإعلامية الواسعة، لما علم العالم بفظاعات ما تقوم به إسرائيل في غزة. بالإضافة إلى أن الترويج الإعلامي للتظاهرات التي خرجت بكل أصقاع الأرض، كان ولا يزال عنصر ضغط قوي للتأكيد على أن الذي يجري لا يجب أن يستمر أو يمر دون عقاب.

بالتالي، فإن التغطية الإعلامية لحجم تظاهرتي الرباط والدار البيضاء، شأنهما في ذلك شأن باقي التظاهرات بالعالم، إنما أسهمتا وبقوة في الترويج لغياب البعد الأخلاقي والإنساني، ناهيك عن آداب قوانين الحرب المتعارف عليها، الذي أبانت عنه إسرائيل وهي تدك الحجر على رؤوس الأطفال والنساء، وتقصف جمعيات إنسانية وطواقم إسعاف، في سابقة لم تعهد المواثيق الدولية نظيرا لها.

صحيح أن إحدى الدروس الأساس التي أبان عنها عدوان إسرائيل المستمر على شعب غزة، إنما قناعة الفلسطينيين (بزمن ما بعد ربيع عربي أسود) بأن النظام العربي الرسمي انتهى دون رجعة، وأن الاعتداد به أو الاعتماد على منظوماته بات من مجال السراب، وأن التعويل على النفس وعلى القدرات الذاتية أضحى هو السبيل الوحيد للتحرر، وما سوى ذلك لا يعدو سوى كونه اجترارا لسلوك لم يعد ذو جدوى كبيرة تذكر.

وصحيح بالمقابل، أن النأي بالنفس أصبح "خارطة الطريق" الثابتة التي يسلكها هذا النظام العربي كما ذاك، إما خشية أن يجر عليه موقفه مما يجري بغزة، تبعات قد لا يتحملها، في ظل الفوضى العارمة التي تمر بها المنطقة العربية، أو مخافة أن يحرج هذا الحليف أو ذاك، أو تجنبا لمتاعب لا قبل له بها إذا طرأ طارئ لديه يستدعيها.

وصحيح أيضا أن الحسابات الضيقة باتت هي الموجه لسلوك الحكام، ومن خلفهم بعض من النخب. إذ ما الذي سيجنيه هذا النظام العربي أو ذاك، يقول البعض، إن هو تضامن مع غزة (حتى بالموقف والبيان) مقابل ما قد يجنيه من علاقاته مع أمريكا وإسرائيل؟

هذه حقائق مرة لا بد من إعادة تسجيلها هنا. ومع ذلك، فإن الذي لا يجب على المرء أن يغفله أننا بإزاء ما يجري في غزة، إنما بتنا بإزاء ولادة جديدة لضمير عالمي حقيقي، يدرك جيدا أن ثمة شعبا بغزة، يمثل جزءا أصليا وأصيلا من الشعب الفلسطيني، سلبت أرضه، وشرد أهله، وتلاحقت عليه النكبات من كل حدب وصوب، ولا ينشد إلا بعضا من ذات الحق ليعيش كباقي شعوب الأرض.

إنه المطلب الذي لم تستسغه إسرائيل يوما، ولن تستسغه أبدا في القادم من أزمان إلا بالمقاومة الذاتية على الأرض، وبالإسناد الجماهيري والإعلامي الواسع. وهذا ما راهنت على التعبير عنه تظاهرتا الرباط والدار البيضاء طيلة أيام العدوان على غزة صيف هذه السنة.

* "العدوان على غزة بعيون مغربية"، 25 غشت 2014.

Vous pouvez partager ce contenu