Aller au contenu principal

هل التلفزة بالمغرب مؤسسة سيادية؟

news-details

 هناك، بالمغرب ولربما بغيره أيضا، مؤسسات سيادية رفعها الدستور (أو العرف) لذات المستوى وأكثر، وهناك أخريات أضحت بحكم الأمر الواقع مؤسسات سيادية، دونما أن يصنفها الدستور كذلك، أو تمنحها الأعراف "الصفة" إياها.

أما جانب الاختلاف بين الحالتين فلا يكمن فقط في الدرجة أو في المصدر (مصدر السيادة) ولا في الطبيعة حتى، بقدر ما يكمن أيضا في بعد الاستوظاف الذي تلجأ إليه كل حالة قائمة مبنية في هويتها على مبدأ السيادة.

 قد لا يتعذر الأمر كثيرا لو نحن عمدنا إلى ملامسة جانب السيادة في مؤسسات أصبحت مكمن " توافق" بالمغرب، كالبلاط مثلا أو الجيش (وإن كانا حقيقة الأمر رمزا السيادة ومظهرها لا السيادة في حد ذاتها)، لكنه يتعذر مع مؤسسات أخرى (كالداخلية والخارجية والعدل والأوقاف وغيرها) ادعت السيادة لنفسها بقوة الأمر الواقع لا بسواه.  ويتعذر أكثر في حالات عديدة (ضمنها حالة التلفزة) قد لا يكون البعد السيادي بداخلها جليا، أو مبررا أو مستساغا حتى.

 ومع أن جوانب السيادة هاته متباينة في الدرجة كما في الطبيعة والمرجعية، فإنها مع ذلك تنهل مجتمعة من سياق عام واحد، سياق الإقصاء العملي (العلني أو الضمني) لفضاءات رمزية من كل سبل التباري ومختلف أشكال التداول.

 والمقصود هنا بالتحديد إنما استصدار جهة ما لمؤسسات وقطاعات وفضاءات إما على خلفية من طابعها السيادي "الخالص"، أو تحت مسوغ "الحيادية" التي تميزها عن سواها، أو بمبرر قارية واستمرارية الاختيارات الكبرى بشأنها، وتجاوز ذات الاختيارات للأفراد والجماعات، أعني للذين يعتبرون ذلك شذوذا عن القاعدة العامة، قاعدة إخضاع كل مكونات الشأن العام للتباري والتناوب والتداول.

 وعلى هذا الأساس، فالتلفزة بالمغرب لم تخرج عن هذا السياق يوما، أقصد سياق استثنائها من منطق التباري الذي تنادي به حركية المجتمع، وتستوجبه تطورات المحيط، وتتطلبه قبل كل هذا وذاك حتمية التحول والتغيير.

 هناك، فيما نعتقد، ثلاثة معطيات مركزية تبين إلى حد كبير "الحمولة السيادية" التي تميز موقع التلفزة وتحدد لآليات اشتغالها:

- المعطى الأول ويكمن في البنية الرمزية التي بنت "للظاهرة التلفزية" بالمغرب (ولسواها أيضا) اندغمت في صلبها، بقوة، الأداة بالهدف والوسيلة بالغاية.

لا ينحصر الإشكال هنا فقط في "الدور التوحيدي" الذي أوكل للتلفزة غداة الاستقلال، ولا في استعمالها كأداة لبناء الدولة "المستقلة"، بل تعدى ذلك، أواسط الثمانينات، إلى إفراغ التلفزة من وظيفتها الإعلامية، وتحويلها إلى ما يشبه المؤسسة الأمنية في شكلها كما في طبيعة الخطاب المروج من خلالها أو عبرها.

 لم تصبح التلفزة، نتيجة ذلك أو بسببه ربما، أداة طيعة بين يدي مؤسسة هي منذ البدء "سيادية"، بل تحولت منذ ذلك الحين إلى أداة تعتيم وتمويه واستصدار للرأي.

 وعلى هذا الأساس،  فتعذر مشاريع الإصلاح وتعثرها (منذ مشروع المهدي المنجرة بداية الستينات وإلى حدود تباشير الإصلاح التي حملها هذا التصريح الحكومي أو ذاك) إنما هو  من تعذر اختراق البنية الرمزية (الخفية والضمنية) التي اعتملت في سياقها "الظاهرة التلفزية" بالمغرب.

 - المعطى الثاني، الذي يستجلي البعد السيادي الثاوي خلف الأداء التلفزي بالمغرب، ويتمثل أساسا في انفصام هذا الأخير عن حركية المجتمع، وسماكة الحاجز الذي يحول دون عكس التلفزة للحركية إياها. وهو أمر قد لا يثير الاستغراب كثيرا، إذ التلفزة بالمغرب مسؤولة أمام الذي يمنحها الهوية والسيادة، لا أمام مواطنين مسلوبي الحق في الصورة والإعلام.

 من هنا فطقوس الرداءة المزمنة التي تطبع مكونات الشبكة "البرامجية" للتلفزة بالمغرب ليست شيئا آخر، في تصورنا، سوى انعكاس حقيقي لهذا الانفصام، وترجمة طبق الأصل لتعالي مبدأ السيادة عن المساءلة والاختراق. إذا لم يكن الأمر كذلك، فما السر في تدني الأداء التلفزي (في الشكل كما في الجوهر) بعد أكثر من أربعة عقود من "التجربة" والممارسة والامتهان؟ وإذا كان الأمر غير ذلك فما تفسير استمرارية الهاجس الأمني بالتلفزة كما بكل مفاصل الإعلام السمعي/البصري؟

 - المعطى الثالث المبين للخاصية السيادية التي تطبع التلفزة بالمغرب ويتراءى لنا في الاستبعاد المتعمد لكل أشكال التعدد والتحرير التي لطالما نادى بها الفاعلون في القطاع (وغيرهم أيضا)، واستوجبتها موضوعيا طفرة البث الفضائي، وتكاثر أدوات الإخبار والإعلام، وتفجر المعلومات والمضامين والمعارف، ناهيك عن مطالب المجتمع واحتياجات الاقتصاد.

 قد لا يفسر نفور أصحاب القرار من التعددية الإعلامية عموما (والتلفزية بالخصوص) جهلا من لدنهم برهانات الإعلام بداية هذا القرن، بقدر ما هو كامن في تخوف هؤلاء من صعود منابر من شأنها "المزايدة" على مبدأ السيادة القائم، أو الطعن في خلفياته الدفينة الكبرى.

ألم يمنع أكثر من منبر إعلامي (يتوخى الاستقلالية) خلال السنين الأخيرة بدعوى نشره لأخبار وحقائق صنفتها هذه الحكومة أو تلك بأنها "مساس بالسيادة"؟ ألم تصادر مجلات وأقلام (وطنية ومن الخارج) لمجرد الاشتباه في أن ما تروجه هو تشكيك في رموز ومكامن السيادة؟

 الواضح على هذا الأساس، أن "الاحتكار الطبيعي" الذي خضعت له التلفزة لأكثر من أربعة عقود، إنما هو محصلة الخوف (خوف القائمين على الشأن العام) من انفلات أداة إعلامية سيؤدي تحرير مجالها لا محالة إلى "ما لا تحمد عقباه"، أو هكذا يدعي "السياديون" على الأقل.

 ما الفائدة إذن من إنشاء هيئة عليا للاتصال السمعي-البصري إذا كانت قواعد اللعبة قد "حددت من أعلى"، مستبعدة بذلك كل أوجه المشاركة التي تستوجبها هيئة من هذا القبيل؟

 قد يسلم المرء جدلا بجدوى هذه الهيئة وضرورة وجودها قصد "خلق فضاء" سمعي/بصري مفتوح وتنافسي... وتنظيم آليات اشتغاله في الآن معا، لكنها ستبقى حتما محكومة بسيناريوهين اثنين على الأقل:

 - الأول ويطاول طبيعتها ودرجة استقلاليتها حصرا. والاستقلالية التي نعني هنا لن تأتي فقط من الخلفية القانونية التي ستؤطر ذات الهيئة، ولكن أيضا وبالأساس من قدرة أعضائها على تخليص الفضاء السمعي/البصري من مبدأ السيادة الذي يحكم ويتحكم فيه، في الشكل كما في الجوهر. بالتالي فمن الغبن الكبير حقا أن تشكيل ذات الهيئة من ممثلين عن الأحزاب أو عن التشكيلات السياسية، إذ المطلوب أن يقوم عليها خبراء في المجال تكون الحسابات السياسية في عملهم آخر المحتكم إليه.

 والمقصود هنا ليس غير القول بأنه بقدر استقلالية الهيئة ومصداقية عملها، بقدر ما سيدفع ذلك بجهة استقلالية المجال الذي من الوارد تأطيره وتنظيمه.

 - السيناريو الثاني ويتمثل في خطورة استمرارية النصوص القانونية السالبة للحريات عموما، وللحريات الإعلامية بوجه خاص، والتي قد يكون من شأنها التضييق على أداء الهيئة إذا كان المراد لها توسيع ذات الأداء.

ومعنى هذا أنه لو بقيت النصوص المكرسة لمبدأ السيادة هي السائدة (في الضمن بالأساس)، فإن صلاحيات الهيئة إياها ستتقزم لا محالة ودورها سينحصر.

 لسائل يقول: وما الفائدة من تغيير الإطار (أو خلق إطار موازي) أو تبديل الفاعلين في المجال، إذا كانت البنية الرمزية المتحكمة في ذات المجال هي الفيصل؟ أو ليس من باب أولى اختراق البنية إياها ما دامت هي مصدر العيب والعطب؟

 وهذا تساؤل وجيه، إذ تغير الفاعلين بالمغرب لا يفرز إلا في القليل النادر تغيرا على مستوى البناء العام.

وصحيح أيضا (يقول البعض) أن الخطاب بالمغرب (ولربما النوايا أيضا) لا يزال متفوقا على الممارسة، ليس فقط في المجال السمعي/البصري، بل يكاد يكون القاعدة العامة لباقي المجالات.

 قد لا تشكل البنية الرمزية (وفي صلبها مبدأ السيادة) مصدر ضرر كبير إذا كانت مكمن إجماع حقيقي، لكنها قد تكون خلف أضرار كبرى إن هي استمدت مرجعيتها من قوة محددة سرعان ما ستكرسها كواقع حال.

 بالتالي، يبقى تقويض ذات الحال أمرا متعذرا، لا سيما إذا تحول إلى منظومة بنيوية مغلقة ومتحصنة، تنفر من مبدأ المشاركة وتستهجن الانتقاد.

وعلى هذا الأساس، فالمطالبة بإزاحة السيادة عن المجال السمعي/البصري لن تتأتى إلا عبر المطالبة بإزاحتها عن ذات المنظومة في مجملها...أي عن باقي القطاعات التي استصدرت مبدأ السيادة لفائدتها بقوة الأمر...الأمر الواقع أقصد.

* "هل التلفزة بالمغرب مؤسسة سيادية؟"، 24 مارس 2014.

Vous pouvez partager ce contenu