Aller au contenu principal

ديموقراطية الإجراء... ديموقراطية الثقافة

لو تسنى للمرء ملامسة العلاقة بين العولمة والممارسة الديموقراطية، لانساق حتما خلف أحكام قيمة، تذكيها مواقف أخلاقية أو إيديولوجية أو ما سواها.

قد يجد المرء بعض العلائق الإيجابية بين طرفي المعادلة، لكنه قد يجد بالتزامن وذلك، علائق سلبية تؤشر على تراجع الديموقراطية زمن عولمة رأس المال، الذي يتحدى الحدود الوطنية، ويدفع بلاتوازن البعدين الاقتصادي والسياسي لفائدة الأول، ويؤدي إلى تزايد التوترات الاجتماعية التي قد تفرزها العولمة، من قبيل تزايد مد المافيات، وشبكات تبييض الأموال القذرة، والمتاجرة بالأعضاء وبالأدوية وبالبشر وهكذا.

قد لا يكون ثمة علاقة مباشرة بين كل ذلك، على اعتبار أن كل هذه الظواهر قد توجد بدول لاديموقراطية، حيث التجاوزات متأتية من الخصاص الديموقراطي المزمن بهذه الدول. لكن الشعور العام بالدول الديموقراطية إنما أن العولمة تسلب المواطن شيئا ما، تجعله لا يثق في طبيعة الديموقراطية التي من المفروض أن تحميه ضد الاستيلاب إياه.

وإذا كان من المتعذر ضبط علاقة من طبيعة كمية ما، بين العولمة والديموقراطية (معظم الدراسات تركز على بعد التنمية) بجهة قياس العلاقة بين انفتاح اقتصاد ما، مع وجود انتخابات تنافسية وحرة مثلا، فإن المؤكد حقا أن العولمة غالبا ما تدفع بالديموقراطية كتقنية وكإجراء وليس بالديموقراطية كثقافة. أي تدفع بالقدرة على تغيير الحاكم (كحد أدنى) لا بالقواعد والأعراف التي تجعل الأفراد والجماعات تعبر عن رأيها خارج الانتخابات، بتساو لا يطاوله القسر أو الإقصاء. بالحالة الأولى، نحن بإزاء قواعد لعبة، أما بالثانية فنحن بإزاء سلوك ثقافي وقيمي يتجاوز على التقنية والإجراء.

من هنا، فإذا استطاعت العولمة أن ترفع من منسوب الديموقراطية كإجراء (عبر ربط المعونات السياسية والاقتصادية بنهج سبل الانتخابات، واعتماد بعض من حقوق الإنسان...الخ)، فإنها نادرا ما ترفع من منسوبها الثقافي، اللهم إلا بالمدى البعيد، عندما تختمر الديموقراطية بالتراكم، وتغدو جزءا من سلوك الناس.

معنى هذا أن الديموقراطية ليست تقنية فحسب، تمكن من تداول السلطة عبر الانتخاب، بل هي أيضا مجموعة من الممارسات المؤسساتية وغير المؤسساتية، التي من شأنها ضمان تمثيلية عادلة للمصالح، والتعبير عنها بالانتخاب كما خارج العملية الانتخابية.

الملاحظ، أن العولمة لا تهتم بالديموقراطية كثقافة، بقدر ما تهتم بها كإجراء وكتقنية، لسبب موضوعي واحد: هو أن العولمة (وبصلبها منطق السوق) لا تهتم بالمدى الزمني البعيد، بل أساسا بالزمن القصير. بهذه النقطة الجوهرية تلتقي الديموقراطية التمثيلية مع العولمة ومع اقتصاد السوق، التي يدفع بها أهل المال والسياسة والإعلام، على حساب الديموقراطية والمواطنة.

وعلى هذه الأساس، فإن تقدم العولمة والحكامة والمواطنة الشكلية، ومنطق وآليات السوق، إنما من شأنها الإسهام في تقويض الأسس الديموقراطية التي لطالما حملتها الدول/الأمم من بين ظهرانيها، لتحولها تدريجيا لفائدة السوق، الذي لن يتوانى في إخضاعها لطقوسه الكبرى، وفي مقدمتها طقوس العرض والطلب، ذات المرجعية الاقتصادية الخالصة.

* "ديموقراطية الإجراء، ديموقراطية الثقافة"، نافذة "قرأت لكم"، 29 يوليوز 2013.

Vous pouvez partager ce contenu