Aller au contenu principal

التواصل العمومي ومسألة الانتقال الديموقراطي بالمغرب: عناصر للنقاش

news-details

أولا: منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، ساد شعور عام، تحول مع الزمن إلى ثابت قار، مفاده أن المغرب مطالب بنهج سلسلة إصلاحات جوهرية، المفروض فيها، أو هكذا أشيع في حينه، أن تعمل على نقل البلاد من وضعية التردد والجمود والتكلس، إلى وضعية يكون بصلبها الانفتاح السياسي واللبرلة الاقتصادية و تحرير المشهد الإعلامي، يكون القاطرة التي من شأنها قيادة التحول والتغيير والانتقال الديموقراطي بالبلاد.

لم يكن يراد للإصلاحات المباشر بها في حينه، أن تكون قرارات تقطع مع الماضي، أو تعيد النظر جدريا في بنيان ذات الماضي، بل كانت تتغيأ المرحلية في القرار والتدرجية في الانتقال، حتى لا تتخلخل مفاصل التوازنات القائمة، أو يترتب عن القرارات المتسرعة انزلاق ما، قد لا تحمد عقباه، أو تداعيات جانبية قد لا تكون نتائجها مضمونة العواقب.

لم تكن الخشية متأتية من مشهد حزبي متحكم فيه، ولا من تنظيمات سياسية أو مدنية، تزايد على السلطة، أو تنتقدها أو تبتزها حتى، بقدر ما كانت متأتية من الوعي بضرورة مصاحبة القائم من إصلاحات، مع إصلاحات جوهرية أخرى في ميدان الإعلام، لا سيما الإعلام العمومي، سمعيا وبصريا، وكالة أنباء ونقابات مهنية وما سواها.

ومع أن مبادرة إصلاح الإعلام العمومي قد عرفت، مع مرور الوقت، حركية لا بأس بها، لا سيما بعد وصول الملك محمد السادس للسلطة، فإن مخرجات عملية الإصلاح هاته لم تكن بمستوى الطموحات القائمة، أو لنقل لم تكن بمستوى ما كان مطلوبا ومطالب به في هذا المضمار:

+ فالإعلام السمعي والبصري، قد عرف حقا إصلاحا على مستوى الهياكل، حيث انتقلت مؤسسة الإذاعة والتلفزة المغربية، من مؤسسة عمومية عمودية التراتبية، هرمية الطبيعة، إلى شركة وطنية تتمتع إلى حد بعيد بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتم إدماج القناة الثانية في صلبها ليكونا معا فيما بعد، ما يسمى بقطب الإعلام العمومي.

هذا صحيح على مستوى البنية المؤسساتية العامة، وعلى مستوى التهيكل والبنيان،  لكن ذلك لم يستتبع بتحسن في الأداء يعتد به، إخبارا وتثقيفا وترفيها، بل بقيت قنوات القطب العمومي، الباثة بالهرتزي أو عبر الأقمار الصناعية، بقيت على رداءتها وتكلسها وضعف موادها وتراجع الجودة من بين مضامينها، على الرغم من انتفاخ الأجهزة الإدارية وضخ إمكانات ضخمة في ميزانيتها، تصريفا وتجهيزا.

ولما كان الحال كذلك، فإن هذه القنوات بقيت كما هي، لا بل تراجعت في طبيعة ما تقدم، وفي مستوى ومنسوب جرأة ما تعرض من مواد وبرامج، بدليل ندرة المباشر من برامجها، وغياب الجديد من بين ظهرانيها. إنها من هنا لم تتخلف عن مواكبة الانتقال الديموقراطي بالمغرب، بل أسهمت وبقوة في إعاقته على مستوى الشكل كما على مستوى المضمون.

بمعنى أنها لم تستطع لا عكس الحركية الإصلاحية العامة الجارية بالبلاد، ولا استطاعت مجاراتها والرفع من منسوب وتيرتها، ولا استطاعت الرقي بها على مستوى التوعية والحوار والنقاش العام. لهذا السبب، اعتبرنا ولا زلنا نعتبر أن المجال السمعي/البصري بالمغرب كان ولا يزال عائقا للانتقال الديموقراطي بكل المقاييس، إذ لم يستطع أن يكون محركا للحوار السياسي، ولا محفزا للنقاش، ولا مؤسسا للحوار، ولا منتجا للأفكار والرؤى، ولا منضجا للمشاريع والأطروحات، ولا مبرزا للاختلاف والتنوع في الآراء والمواقف. وهذا ما نوضحه بالورقة النهائية.

+ أما الهيئة العليا للاتصال المسعي/البصري، التي أنشئت (بقرار فوقي وأحادي صرف) لتنظيم القطاع، وفرض قواعد في اللعبة جديدة من بين ظهرانيه، فلم تنجح بعد اشتغال لأكثر من عقد من الزمن، إلا في استنبات محطات إذاعية خاصة تتغيأ الربح وتبحث عن الإشهار، وليس لديها أدنى معرفة بما هي الكلمة الإعلامية أو الرسالة الاتصالية، أو المسؤولية المترتبة عن الثوي خلف الميكروفون، اللهم إلا طينة من الشباب، يطلقون العنان لخيالهم في التنشيط المقزز، واستعمال اللغة البديئة، والتقاط المكالمات العابرة من هذه الجهة أو من تلك. وهذه نقطة سنحاول التفصيل فيها بناء على الدراسات الميدانية التي تمت بهذا الخصوص.

إن طبيعة هذه الهيئة، وتركيبتها والفلسفة الناظمة لها، كما جهة الارتباط التي تثوي خلفها  (مرتبطة بالقصر مباشرة)، لا تشي فقط بارتهانها وارتهان القرار من بين ظهرانيها، بل وتشي أيضا بأنها إنما أنشئت لترتيب القطاع وفق ما تريده لها السلطة بالجملة والتفصيل. ولعل انتكافها عن الترخيص لمحطات تلفزيونية خاصة لحد الساعة على الأقل، يبرز بجلاء مدى تخوف السلطة من الصورة، ومن احتمالية ولوج القطاع الخاص لمجال لا يزال مكمن خشية وتخوف بمقياس التداعيات والنتائج.

+ أما وكالة المغرب العربي للأنباء، وهي مصدر الأخبار الرسمي بامتياز، فلم تخرج عن سياق طابعها الحكومي الناظم لمفاصلها منذ إنشائها، بل ولم تعرف إصلاحات جوهرية تجعلها في قرب مع وسائل الإعلام المقتنية لمعطياتها. إنها بقيت وطيلة مدة اشتغالها، آلة لإنتاج وإعادة إنتاج، وترتيب وإعادة ترتيب، لصياغة وإعادة صياغة ما يأتيها من معلومات رسمية جافة، لا تكلف نفسها عناء وضعها في سياقها أو تصنيفها تصنيفا علميا دقيقا. وهي بهذا، شأنها شأن القطاع العمومي السمعي والبصري، إنما أسهمت وبقوة في إعاقة الانتقال الديموقراطي الذي رفعته السلطة منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي.

ثانيا: ليس ثمة من شك، فيما نعتقد ونتصور، بأن الإعلام العمومي بالمغرب، بكل أطيافه وروافده، إنما أضحى في منأى عن التحولات الجارية بالمغرب، بصرف النظر عن موقف المرء من طبيعة هذه الإصلاحات، أو الحسابات الثاوية خلفها تصورا وتنفيذا.

والحقيقة أنه على الرغم من الطفرة المؤسساتية التي عرفها المغرب، لا سيما بظل الدستور الجديد، دستور العام 2011، فإن الإعلام العمومي لم يواكبها إلا من باب التبني والمديح، المغلف بأسلوب دعائي لا يختلف كثيرا عما كان سائدا لأكثر من أربعة عقود من الزمن، عوض أن يكون محطة إضافية لفتح نقاش واسع حولها، تبدي من خلاله كل الأطياف السياسية والاقتصادية والثقافية، رأيها وتصورها وموقفها بما يضمن تنزيلا سليما لها في القلب والقالب.

فعلى الرغم من التطور الكبير الذي عرفه عالم الإعلام و الاتصال من خلال الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، والتي  خلخلت كل المفاهيم القديمة حول الإعلام، واستطاعت قلب العديد من التصورات العتيقة التي كانت سائدة وحاكمة للإعلام إلى غاية التسعينات من القرن الماضي، فإن السياسة الإعلامية  الرسمية بالمغرب، مازالت رهينة ذلك التصور التقليدي القائم على احتكار الدولة للبث التلفزي والإذاعي إلى حد ما، والتحكم في كل مصادر المعلومة  وموارد الخبر.

وهو تصور للإعلام مستمد من وضع تقني متجاوز، وقائم على واقع سياسي واجتماعي متخلف، كان  يفرض على المواطنين ألا يتابعوا إلا إذاعتهم الوطنية أو الجهوية، أو تلفزتهم الوطنية التي تبت برامجها  من السادسة مساء  إلى الواحدة صباحا.

إن القائمين على الإعلام في المغرب  مازالوا يتعاملون مع المغاربة و كأن التلفزة المغربية والإذاعة الوطنية هي مصدرهم الوحيد والأوحد للتزود بالمعلومة و معرفة الأخبار والمستجدات، ومتابعة الوقائع و الأحداث، في  داخل المغرب و خارجه. بالتالي، فهم لا  يزالوا يفكرون و يتصرفون  بمنطق الندرة في عرض المعلومات، كما كان سائدا في السابق، وليس بمنطق الوفرة في عرضها، كما فرضته الثورة المعلوماتية منذ أكثر من ثلاثة عقود. 

ما المطلوب اليوم؟

إن المطلوب اليوم، والمطالب به أيضا، إنما جعل الإعلام العمومي قاطرة للانتقال الديموقراطي، وأداة للتحول المجتمعي، ووسيلة للرفع من منسوب الحوار والنقاش وإبداء الرأي. وهذا لا يمكن له أن يرى النور، إلا إذا تخلص هذا الإعلام من وضعية التبعية التي تجعله رهين منطق السلطة وسجين خطابها.

والقصد هنا أنه لو كنا بحاجة اليوم إلى سياسة إعلامية، فيجب أن تكون هذه الأخيرة مرتكزة على رؤية واضحة ودقيقة لدور الإعلام العمومي ووظيفته، ناهيك عن محوريته في ضمان إسهام الجميع في عملية الانتقال والتحول والتغيير.

 ثالثا: أما المنهجية المعتمدة في هذه الورقة إنما ترتكز، من زاوية الرؤية النظرية، على كل الكتابات المتوفرة بالمغرب، سواء ذات المنحى السوسيولوجي أو الاقتصادي أو المؤسساتي. إنها الزاوية التي اعتمدناها لتأطير الورقة من الناحية النظرية، ودمجها ضمن منظومة معرفية تتجاوز على العابر من رؤى وتصورات، قد تكون انطباعية أو شخصية أو ما سوى ذلك.

ثم هي ترتكز، بالتزامن مع ذلك، على التراكم الميداني الذي اكتسبناه من خلال أكثر من عقدين من متابعة وملاحظة تموجات وانكسارات الإعلام العمومي، في علاقته بالسلطة من ناحية، وفي علاقته بالمجتمع من ناحية أخرى.

ولعل الفرضية الأساس في كل هذا إنما القول بأنه ما دام الإعلام العمومي جزءا من السلطة وليس سلطة قائمة الذات، فإن إصلاحه لن يتم إلا بتثمين الثانية وتقويض أسس الأولى.

ثالثا: بعض المراجع المعتمدة:

+ يحيى اليحياوي، " محنة التلفزة في المغرب"، منشورات عكاظ، الرباط، فبراير، 2000.

+ يحيى اليحياوي، " كونية الاتصال، خصوصية الثقافة: جدلية الارتباط والممانعة"، منشورات عكاظ، الرباط، 2004.

+ يحيى اليحياوي، " احتقار الديموقراطية: دراسة في آليات الاستبداج الجديد"، منشورات عكاظ، الرباط، 2005.

+ يحيى اليحياوي، " في معوقات الانتقال الديموقراطي بالمغرب: نموذج التلفزة"، مجلة وجهة نظر، العدد 15، شتاء 2002.

+ علي باهي، "الإذاعات الخاصة بالمغرب"، المركز المغربي للأبحاث والدراسات، أكتوبر 2009.

+ تقارير الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، لاسيما التقارير المتعلقة بمراقبة دور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في عملية الانتخابات المتتالية.

+ الملاحق الإعلامية للجرائد اليومية والأسبوعية.

  * "الإعلام العمومي والتحول الديموقراطي بالمغرب: عناصر للنقاش"، مداخلة بالندوة الدولية "الإعلام العمومي العربي والانتقالات الديموقراطيةمعهد الصحافة وعلوم الإعلام، تونس، 26 و 27 أبريل 2012. 

Vous pouvez partager ce contenu