Aller au contenu principal

في الحركات المناهضة للعولمة

news-details

من مدة قصيرة مضت قدمت محاضرة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية للمهندسين(1) المحادية لهذه الجامعة تحدثت فيها عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال، عن مجتمع المعلومات والمعرفة، عن الإشكالية الإعلامية بالمغرب... وأيضا ولربما بتفصيل أكثر عن العولمة، عن ظاهرة العولمة بجانب الاصطلاح وبجانب المفهوم.

قلت حينها ولا زلت على ذات القناعة:

+ بأن ظاهرة العولمة هي ظاهرة اقتصادية بامتياز في طبيعتها، في تركيبتها، في بنيانها، في خلفية الدافعين بها وفي تداعياتها والأبعاد المتشعبة المترتبة عنها. واعتبرت أن ما سوى ذلك لا يدخل إلا في باب الإسقاط الذي لا يقدم تحديد طبيعة الظاهرة ولا فلسفة الثاوين خلفها بقدر ما يسقطها على ظواهر عرضية أو جانبية فيطغى عليها البعد الإيديولوجي أو تكون ضحيته(2).

+ وقلت أيضا بأن الأساس لفهم هذه الظاهرة هو الانطلاق من مسلمة أنه في زمن العولمة لم يعد البعد الوطني هو البعد الاستراتيجي بقدر ما أضحى بعدا تابعا وأن الدولة/الأمة التي عهدناها لم تعد سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والثقافية هي المحدد، بل أضحت تابعة ومرهونة بسياسات قائمة يسنها البنك الدولى وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والعديد من فروع الأمم المتحدة والمنتديات الاقتصادية وبيوت الخبرة والتفكير والشركات المتعددة الجنسيات وما سوى ذلك(3).

+ وقلت كذلك بأنه بصرف النظر عن موقفنا من الظاهرة، ظاهرة العولمة (قديمة أو جديدة، معها أو ضدها...الخ) فإن الحاصل، على الأقل بالملاحظة، أن الظاهرة إنما تدفع بثلاثة مستويات كبرى لا يمكن أن تكون مجال اختلاف كبير:

°°- دفعها ب"اقتصاد السوق" المحرر، غير المقنن، التنافسي والداعي إلى البقاء للأقوى. لايقتصر الأمر عند هذا المستوى بل يتعداه لدرجة المطالبة بتحويل ذات الاقتصاد ليصبح عقيدة اقتصادية تتبناها وتؤمن بها كل مجتمعات الكون في شكلها كما في الجوهر (4).

°°- ودفعها بفصيلة في الديموقراطية أسميتها " ديموقراطية السوق" مرتكزها العرض والطلب بالسوق السياسي ومظهرها الأحزاب والانتخابات والتداول على السلطة تماما كما يتم تداول السلع والخدمات داخل السوق التقليدي المعتاد...

لا تكتفي العولمة بتكريس ذات الغاية على المستويات القطرية فحسب, بل وتعمل على أن تغدو سلوكا كونيا لامجال بصلبه للتمايزات أو للخصوصيات(5).

°°- ودفعها ثالثا، بنموذج في التفكير أطلق عليه إيغناسيو راموني "الفكر الواحد" يدفع بتمثل للفرد وللجماعة وللكون واحد تنمحي الجماعة في ظله لفائدة الفرد وتكون الحاكمية فيه للسوق وللسياسات التي تعتمده مرجعا وموجها (6).

+ وقلت في الأخير بأنه لا يمكن أنسنة العولمة لأن ذلك سيكون من قبيل محاولة مواجهة الحرب الاقتصادية باعتماد سياسات في السلم الاقتصادي وهو أمر يتحايل على الإشكال المطروح ويحيل إلى الاعتقاد بأنه من الممكن علاج آفة الفقر  عبر تبني سياسات في الإحسان (7).

+ وخلصت إلى أن فهم الحركات الاحتجاجية على العولمة لا يمكن أن يتم إلا باستحضار هذه العناصر (إضافة إلى عناصر أخرى من دون شك) على اعتبار أن الحركات إياها هي إلى حد بعيد ردة فعل على هذه التوجهات.

أبدأ اليوم من حيث انتهيت الأمس لأتحدث في جانب الحركات الاحتجاجية على العولمة على الأقل كمدخل لفهم السياق والغاية والتركيبة والفلسفة الثاوية خلفها أو توجه فعلها(8).

ولما كان الإشكال المطروح هنا متشعب وواسع فإني سأحاول لملمته من خلال بعض العناصرالكبرى التي تتراءى لي ضرورية لفهم ذلك على اعتبار أن العديد منكم شاهد المظاهرات بسياتل وبجنوا وببرتو أليغري وبدافوس وبغيرها من المدن التي انعقد بها المنتدى الاقتصادي العالمي(9).

+ أولا، في التسمية:  هذه الحركات تسمى حركات احتجاج على العولمة أو لمناهضة العولمة أو لإيجاد بديل للعولمة. هي تسميات تطلق من لدن هذه الحركات كما تطلق من لدن وسائل الإعلام وتم اعتمادها بمعظم الأدبيات الرائجة حول الموضوع (10).

هذه التسمية أو التسميات تبدو لي مبهمة وغير دقيقة لثلاثة اسباب أساسية:

°°- أولا، لأن العديد من هذه الحركات (ولربما معظمها) ليست ضد العولمة في عموميتها، بل هي ضد العولمة الحالية أي العولمة النيوليبيرالية كما تتكرس بأرض الواقع أو يتم الدفع بها في الخطاب. هم بالتالي "عالميون" ودوليون وليسوا ضد العولمة جملة وتفصيلا أو في المطلق(11).

°°- ثانيا، هم ذاتهم إذا لم يكونوا إفرازا للعولمة فقد استفادوا منها وإلى حد بعيد: استفادوا من انخفاض تكاليف النقل المترتبة عن سياسات التحرير وانفتاح الأسواق، واستفادوا أيضا من شبكة الإنترنيت ومن ثورة الهاتف النقال التي يوظفونها بامتياز للتواصل والاتصال (12).

°°- وثالثا لأن المحتجين ذاتهم لا يرفضونها بالمطلق بقدر ما يطالبون ب"عولمة تضامينة"، ب"عولمة ديموقراطية وعادلة ومنصفة"، بل إن مجموعة أطاك ذاتها تتحدث عن "حركات من أجل شكل جديد للعولمة"(13).

بالتالي فهم لا يحتجون على العولمة، لا يتضاهرون ضدها بل يتظاهروا من أجل عولمة أكثر إنسانية وإنصافا.

+ ثانيا، في التركيبة. من هم هؤلاء الذين يحتجون على العولمة أو يناصبوها العداء؟

هم خليط ومزيج من الأفراد والمنظمات والتنظيمات الذين يناهضون التبعات والنتائج السلبية للعولمة النيوليبيرالية الحالية ويعملون من أجل التأثير في وجهتها بما يتماشى وأفكارهم وتمثلاتهم كي لا نقول مثلهم الكبرى.

بالتالي فحركات الاحتجاج هاته ليست حركات موحدة، بل هي مكونة من العديد من التنظيمات والمنظمات بهياكل في بعض الأحيان مختلفة، بأدوات عمل مختلفة ولربما أيضا بمقترحات مختلفة:

°°- إذ فيها المدافعون عن السيادة وعن الحدود وفيها العالميون.

°°- وفيها مكونات براغماتية/إصلاحية تتغيأ المشاركة في النقاش بغرض الإصلاح وفيها الأكثر انتقادا والمطالبة بالإصلاح الجذري.

°°- وفيها عناصر دينية (مسيحية تحديدا) وعناصر مقربة من اليسار الراديكالي وعناصر فوضوية وهكذا.

الجامع بينها فيما يبدو هو مناهضة الآثار السلبية للعولمة سواء تواجدوا بدول الجنوب (زاباطا بالمكسيك) أو بالبرازيل بساوباولو وببرتوأليغري حيث التأم المنتدى الاجتماعي العالمي سنة 2004 في مواجهة المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس. ويتواجدوا أيضا بدول الشمال بفرنسا كما ببريطانيا كما بغيرهما في إطار منظمات المجتمع المدني(14).

+ ثالثا، بنيان الحركات الاحتجاجية اليوم.

هذه الحركات لم تعد اليوم مشتتة ولا ظرفية بل أضحت وجهة مفكرين وخبراء وسياسيين وعلماء اقتصاد واجتماع وغيرم يقيمون التجربة، يتابعون بالدراسة فاعلي العولمة الكبار، يتواصلون مع الجماهير ويقدموا دراسات مركزة وهادفة كما هو الحال مع جمعية أطاك وملتقيات المنتدى الاجتماعي العالمي وغيرهم(15).

+ رابعا، ميدان اشتغال هذه الحركات.

هو ميدان واسع وشاسع لكنه في الغالب الأعم متمحور حول أربع قضايا كبرى:

°°- حملة من أجل إلغاء ديون دول الجنوب

°°- حملة موجهة جملة وتفصيلا ضد منظمة التجارة العالمية

°°- حملة لإصلاح مؤسسات بروتن وودز

°°- وحملة من أجل فرض ضريبة على المبادلات المالية المضارباتية: 1 بالمائة من 2500 إلى 3000 مليار دولار تدور بالشبكات(16).

بالتالي يتم تحريك كل حملة من هذه الحملات كلما كان للكبار (أي لفاعلي العولمة) أن يجتمعوا حول مسألة من هذه المسائل(17).

+ خامسا، طبيعة الحركات الاحتجاجية.

هي ذات روافد عديدة ومركبة:

°°- هناك المناهضة الأخلاقية التي ترى أنه ليس من الأخلاق في شيء أن تهمش الناس ويطرد العمال ويضيق على النقابات ويرمى بصغار الفلاحين وتدمر الطبيعة ويتحول العالم برمته إلى سلعة.

بالتالي، فهم يعتقدون أن ذلك ما هو إلا نتاج سياسات الشركات المتعددة الجنسيات التي تبحث عن الربح ولا تعرف ما هي معايير البيئة والمجتمع. هم يطالبون بالتالي باستعادة دور الدولة والتقنين ويعتبرون أنه ليس من الأخلاق في شيء أن يرهن البعد المالي الأبعاد الاقتصادية والسياسية والمواطناتية...وهكذا (18).

°°- وهناك المناهضة الإصلاحية التي تدعو إلى إصلاح النظام الاقتصادي عبر دعوة فاعليه الكبار إلى اعتماد معايير بيئية واجتماعية وديموقراطية محددة.

هذه المناهضة لا تطعن في دور هؤلاء الفاعلين بل تطلب منهم أن يأخذوا بعين الاعتبار هذه الأمور.

°°- ثم هناك مناهضة من أجل حكامة بديلة وهي أكثر طموحا من سابقاتها على اعتبار أنها تنادي بضرورة تغيير النظام الاقتصادي في فلسفته ومؤسساته وفاعليه في أفق ما يسمى "نظاما بديلا لحكامة الاقتصاد العالمي"(19) وتدخل ضمنها طروحات أطاك أيضا.

وهي تعتبر المشاركة مع المؤسسات الدولية الحالية شرعنة لها على اعتبار أنها غير قابلة للإصلاح بل للتقويض...بالتالي وجب خلق مؤسسات عالمية جديدة على أنقاضها.

°°- وهناك أخيرا المناهضة الراديكالية التي تتبنى خطابا يرفض كل شيء: يرفض اقتصاد السوق ومجتمع الاستهلاك وكذلك الملكية الخاصة.

هي نقد داخلي للحضارة الغربية المادية المرتكزة على الاقتصاد الرأسمالي. وهي محمولة من لدن شباب وفوضويين يتبنون العنف في أفق إقامة الثورة.

+ سادسا، هل نجحت هذه الحركات؟

من الصعب الجواب لأن هذه الحركات لا تمتلك السلطة لتقرر, هي سلط رمزية لا تتوفر على السلطة المادية التي تمكنها من تمرير مشروعها.

 لكنه بالإمكان القول عموما إنها أثرت في الكثير من الملفات: في ديون العالم الثالث، في طبيعة الجنات المالية, في التحول المناخي، في التنبيه لأخطار الأغذية المحولة جينيا على الصحة وفي العديد من القضايا الكبرى.

هذا التأثير هو الذي شجعها لتبني سياسات الاقتراح. هي إذن قوى مناهضة للعولمة لكنها في الآن ذاته قوة اقتراحية مهمة.

ما هي آفاق هذه الحركات؟

هذه الحركات لا تزال في معظمها فتية ومن الصعب تقييمها وتقييم أداء فاعليها سيما وأنها خضعت للتضييق والرقابة منذ الحادي عشر من شتنبر(21).

بعض الملاحظات العامة بهذه النقطة:

°°- هي تريد أن تكون البديل، بديل الرأسمالية تماما كما كانت الحركة العمالية في القرن التاسع عشر. وهو أمر مستبعد ليس فقط لأنها غير موحدة الرؤية ولكن أيضا لأنها لا ترتكز على إيديولوجيا موحدة. فهي لا تحتكم إلى مبادئ كبرى كما كان الحال عليه مع الإعلان الشيوعي، ولا تتوفر على منظر من طراز ماركس ولا هي بذات هيكلة شاملة كما الحال مع الأممية الاشتراكية ولا تتوفر على تنسيق دولي أو زعيم كاريزمي كما كان لينين مثلا.

بالتالي فالذين يقودون هذه الحركات ينادون بالتعددية في المقاربة وبالليونة في اتخاذ المواقف وليس لهم قائد كاريزمي قوي.

°°- ثانيا هم لا يهدفون للوصول إلى السلطة عبر ثورة سياسية واجتماعية بقدر ما يدافعون عن قضايا كبرى تهم الإنسانية برمتها (قضية الملك الكوني المشترك تحديدا).

لذلك فالحركات إياها إنما هي حركات إصلاح النظام من الداخل وليس تطلعا إلى تغييره تغييرا جذريا.

هوامش

(1)-  المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية للمهندسين، أكادير، 22 ماي 2004.

(2)- أنظر بهذه النقطة: اليحياوي. يحيى، "العولمة الموعودة: قضايا إشكالية في العولمة والسوق والتكنولوجيا"، منشورات عكاظ، الرباط، 1999.

(3)- راجع للمزيد من التفاصيل:

Petrella. R,  « La mondialisation de l’économie : une hypothèse prospective », In Lewis. P et Alii, « Globalization and the Nation-State », Policy Press, Cambridge, 1992.

(4)- هناك بالتالي توجها بجهة تحويل اقتصاد السوق إلى "مجتمع السوق". راجع:

Falk. R, « Vers une domination de type nouveau », Le Monde Diplomatique, Août, 1995.

(5)- Laidi. Z, « Mondialisation et démocratie », Sans Référence.

(6)- راجع للتفصيل في هذه النقطة:

Rifkin. J, « Une transformation radicale du capitalisme : quand les marchés s’effacent devant les réseaux », Le Monde Diplomatique, Juillet 2001.

(7)- Cf. Préface Riccardo Petrella à l’ouvrage : El Yahyaoui. Y, « La mondialisation : communication-monde, ultralibéralisme planétaire et pensée unique », Ed. Boukili, Kénitra, 1998. 

(8)- يقال إن السياق أهم من المعنى. ولما كان الأمر كذلك فإني سأركز على السياق.

(9)- وهو الملتقى الذي يلتئم في إطاره الثمان الكبار بغاية تحديد حال الاقتصاد العالمي ورسم مستقبله.

(10)- Mouvements de contestation de la mondialisation, antimondialistes, altermondialistes…etc.

(11)- راجع الأدبيات الكثيرة حول هذه الإشكالية بموقع أطاك ذات المنشأ الفرنسي:

www.attac.org

(12)- لاحظ مثلا كيف يوظف السوكمندار ماركوس شبكة الإنترنيت من أدغال الغابات في حرب العصابات التي يشنها على الحكومة المركزية بالمكسيك.

(13)- « Un mouvement pour une forme alternative de la mondialisation ».

(14)- لعل الجامع الأكبر بين كل هذه التنظيمات هو قولها (أو ادعاؤها) بأنها جزء من المجتمع المدني العالمي أو الكوني.

(15)- يكفي هذه الحركات فخرا كونها استقطبت عالم الاجتماع الشهير بيير بورديو حتى وإن كان ذلك أواخر عمره.

(16)- وهي الضريبة التي باسمها انطلقت حملة أطاك تحت شعار "حبة رمل".

(17)- المقصود بفاعي العولمة الكبار ليس فقط المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية الفاعلة مباشرة في الاقتصاد والمال بل وأيضا " نخبة السياسيين القياديين والمستشارين في عالم السياسة والاقتصاد ومالكي أمبراطوريات الإعلام ومديروها وأصحاب الشركات العالمية المتعددة الجنسيات وافراد البيوتات المالية وأصحاب ومدراء البنوك الكبرى في العالم وقادة عسكريين استراتيجيين وعلماء وباحثين اجتماعيين وتربويين وغيرهم".

(18)- وهي الطروحات التي غالبا ما تروج لها منابر من قبيل " لوموند دبلوماتيك" وغيرها.

(19)- « Un système alternatif de gouvernance de l’économie mondiale ».

(20)-  لاحظ  تأثيرهم في مشروع الاتفاقية الدولية حول الاستثمار التي تم سحبها تحت ضغوط هذه الحركات.

(21)- أنظر بهذه النقطة: اليحياوي. يحيى، "الإرهاب وأممية الاحتجاج على العولمة"، منشورات عكاظ، الرباط، يونيو 2002.

محاضرة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مراكش، 05 ماي 2004.

Vous pouvez partager ce contenu