Aller au contenu principal

حدود الإعلام

news-details

ثمة ملاحظة أولية أساس، يبدو أنه من الضروري سياقها بمدخل هذا النص، رفعا لكل لبس، ودرءا لكل التباس. مفاد هذه الملاحظة أن العالم يعيش، منذ بداية ثمانيات القرن الماضي، على وقع وإيقاع ثورة تكنولوجية عميقة، طاولت وبقوة، علوم الإنسان والفضاء والأرض، وثوت خلف تحول جذري لأنماط وأشكال وأساليب إنتاج الثروة داخل البلد الواحد، وفيما بين البلدان بعضها البعض.

لم تعد مصادر الثروة كامنة من هنا في مزج ما، بين مكونات الإنتاج المباشرة، المادية أو البشرية أو الطبيعية، أو في اللجوء المستمر لضخ المزيد من الرساميل والقوى البشرية، للرفع من ذات الإنتاج، بل باتت المعلومات والبيانات والمعارف، ونسب البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، والتنظيم الشبكي والمراهنة على الكفاءات، باتت مجتمعة هي المحدد لطبيعة التراكم الاقتصادي، وأشكال إنتاج وإعادة إنتاج الخيرات والثروات.

إنها طفرة طاولت كل المجالات والفضاءات، لكنها تمظهرت بقوة وجلاء واضحين، في ميدان تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، فاسحة في المجال بذلك، ليس فقط لاندماج قطاعات كانت من ذي قبل متنافرة ومتنافسة، بل وأيضا لبروز شركات عالمية ضخمة، مهنها الأساس تصميم البنى التحتية، وتطوير البرامج والشبكات، وإنتاج المضامين والمحتويات، المقتنية لذات البنى والشبكات، أو المحركة لها، أو الناظمة لنسقيتها في الزمن والمكان.

إن بروز شبكة الإنترنيت، وتحولها الواسع والسريع من فضاء واقعي إلى فضاء افتراضي، لم يترتب عنهما فقط تقويض وتمييع للحدود القائمة بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي، ولا خلخلة المفاهيم التقليدية، التي خلناها مستقرة إلى حين عهد قريب، بل وأيضا إلى زعزعة التوازنات التي كانت، بميدان الإعلام مثلا، ثابتة ومستقرة، وبكل الأحوال غير مهددة في بنيتها، أو في تفاعل عناصرها، أو في تموقعاتها، بالقياس إلى هذا الميدان أو ذاك.

ولعل الملاحظة العامة لواقع حال وسائل الإعلام بمعظم دول العالم، بداية هذا القرن، إنما تشي بأن ثمة انحسارا حادا واضحا لمدها (لدرجة نعت البعض لذلك ب"أزمة الإعلام")، يؤشر عليه تراجع الإقبال على المكتوب، والورقي منه تحديدا، وتراجع نسب الاستماع أو المشاهدة، للمسموع منه والمرئي، على حد سواء، لدرجة باتت معها هذه الوسائل ولكأن دورها بات مقتصرا على تدبير وإدارة ذات الأزمة.

صحيح أن ذات الأزمة كانت بادية قبلما تأتي شبكة الإنترنيت، وأن هذا الأخير لم يعمل إلا على تأجيجها، وتعميقها، والتوسيع من مجالها وقوتها، أو لنقل تدقيقا للتسريع من تمظهراتها بالمجال العام. وصحيح أيضا أن العديد من المنابر الإعلامية التقليدية، ركبت ناصية ذات الشبكات، واستفادت منها، بل وحولت العديد من مزاياها المتاحة، إلى أدوات لتطوير شكلها ومضمونها، وضمان التواصل المستمر مع متلقيها، آناء الليل وأطراف النهار. إلا أن الشبكة إياها قد رفعت حقا وحقيقة، تحديات كبرى بوجه المنابر الإعلامية التقليدية.

فالفاعل الجديد (الإنترنيت أقصد)، بنى تحتية وبرمجيات، وسعة مجال، غدا باستطاعته توفير الكلمة والصوت والصورة والفيديو، وفق معايير وخصائص خاصة به، تدمج في حامل واحد، كل ما كانت تمرره كل وسيلة إعلامية بمفردها، وباستقلالية تامة عن الوسائل الأخرى. بالتالي، فإذا كانت هذه الشبكات قد أبرزت نقط ضعف الوسائل الإعلامية التقليدية، وأدت بها إلى التقهقر، فإنها وبالآن ذاته، قد رفعت بوجهها أشكال جديدة من المنافسة، لا قبل لها بها، اللهم إلا التأقلم والمسايرة، أو التقوقع والتراجع، وبالمحصلة النهائية، الإفلاس لا محالة.

فإحدى الميزات الكبرى لشبكة الإنترنيت، إنما تتمثل في قدرتها ومرونتها على تقديم عروض جديدة، بوظائف مستجدة، تشبه إلى حد بعيد ما دأبت الوسائل التقليدية على تقديمه، لكن مطعمة هذه المرة، وفي حالة الشبكات، بما تقدمه التقنيات الرقمية من مرونة وتفاعلية وثقافة في القرب، لطالما نشدها الإعلام بكل أشكاله وتلويناته، لكنه لم يدركها دائما، أو لم يدرك إلا جزءا بسيطا منها.

ومعنى هذا أن الوقت المخصص لتصفح مواقع شبكة الإنترنيت مثلا، دع عنك الغاية من ذات التصفح والمواقع المتصفحة، إنما يتم على حساب قراءة الجريدة، أو الاستماع للإذاعة أو متابعة الشاشة، ناهيك عن التنقل جغرافيا لمشاهدة فيلم بالقاعات السينمائية، غالبا ما يكون متوفرا بالإنترنيت، وبالإمكان تحميله بنقاوة عالية، لا تقل كثيرا عن نقاوة الشاشة الكبيرة بالقاعات إياها. نحن هنا إذن بإزاء تجزيء مستمر لنسب المتابعة، وبإزاء شخصنة دؤوبة للاستخدام والاستعمال، الفردي منه كما الجماعي على حد سواء.

بالتالي، فإن الوظيفة الأولى التي تأثرت بعمق بوصول شبكة الإنترنيت، إنما وظيفة الإخبار، التي تعتبر القلب النابض لكل منبر إعلامي، مكتوب كان أم مسموع أم مرئي، إذ قوة شبكة الإنترنيت كامنة هنا في خاصية عدم خضوعها لإكراهات الانتظام في الصدور مثلا (كما الحال مع الصحافة المكتوبة)، أو توقيت البث والإرسال، كما حال الإذاعة والتلفزيون. أي أنه بإمكان شبكة الإنترنيت أن "تبث" المعلومات بمجرد تحصيلها، وبإمكانها بالآن معا، استرجاعها وتخزينها وتحيينها وتطويرها، وفق ما يستجد من معلومات جديدة، أو إضافية، أو أكثر دقة وراهنية، وهو ما لا تستطعه الصحافة المكتوبة أو المرئية أو المسموعة.

من جهة أخرى، فشبكة الإنترنيت قادرة على استنبات استخدامات جديدة، وفي مقدمتها توفيرها وضمانها لمبدأ رجع الصدى، وإمكانات التبادل والتعبير الفردي (حال المدونات مثلا)، وهو ما ليس بمستطاع المنابر التقليدية، المنظمة وفق منطق عمودي، جامد، لا يعكس إلا بنسب ضئيلة ردود فعل المتلقين، أو يأخذ بعين الاعتبار مبدأ ضرورة تشاركيتهم.

لا يقتصر الأمر عند هذا الجانب، بل يتعداه لمطاولة النموذج الاقتصادي الذي انبنت عليه المنابر الإعلامية التقليدية، والصحافة المكتوبة على وجه التحديد، والمتمثل في عملية تغطية مجموعة من التكاليف القارة (إدارة التحرير، الأداة الصناعية وأداة الإنتاج، شبكة التوزيع...الخ)، بالارتكاز على مصدرين اثنين للدخل: بيع الجريدة الورقية (أو نسب الاستماع أو المشاهدة، بالنسبة للإذاعة والتلفزة)، ثم ما يدره الإشهار الممرر عبر هذا المنبر أو ذاك، مقروءا كان أم مسموعا أم مرئيا.

ففي حين بقيت أسعار اقتناء الصحافة المكتوبة (وإلى حد ما المحطات الإذاعية والتلفزية) بمستواها المرتفع، لاحظنا ولا نزال نلاحظ أن شبكة الإنترنيت رفعت لواء المجانية، أو الاشتراك الرمزي، لغرض ولوج أو تصفح هذا الموقع الإخباري أو ذاك، لا بل أنه في حين يشترط، للاشتراك في منبر مكتوب، اقتناء أعداد ما يقدمه هذا المنبر، فإن الاشتراك بالانخراط في موقع ما بالإنترنيت، يعطي المشترك إمكانية التصفح المستمر، على اعتبار أن تصفحا إضافيا أو لعدة مرات، لا يكلف المنبر شيئا يذكر.

إن تحديا من هذا القبيل ليس من شأنه فقط أن يدفع المنابر الإعلامية المكتوبة، إلى خفض أثمانها، ورسوم اشتراكاتها، وتعرفة الإشهار الذي تمرر، أقول إلى خفضها إلى ما لا نهاية، بل ومن شأنه أيضا أن يدفعها لعرض منتوجاتها بالمجان، مقابل تحصيل تكاليفها من جهات معينة، أو بمداخيل إشهارية جزافية من هنا أو هناك.

ومن شأنه أيضا (التحدي أقصد) أن يدفع العديد من المنابر التقليدية، المكتوبة أو المرئية أو المسموعة، للجوء بطريقة كاملة (عبر تحولها إلى منبر ألكتروني قائم الذات)، أو بطريقة جزئية، بالإبقاء على الصيغة الورقية، بالموازاة مع التواجد على الشبكة. المنابر من هنا تراهن على التحايل على التكاليف الصناعية الضخمة، التي تعترض سياسات التجديد لديها، وبالآن ذاته على إشكالية التوزيع التي تؤرق الصحافة المكتوبة منذ أكثر من عقدين من الزمن أو أكثر.

يبدو الأمر بهذه الجزئية، كما لو أن شبكة الإنترنيت قد تحولت، وبالتدريج، إلى "وسيلة إعلام" قائمة الذات، تشربت بمعظم خصائص ومميزات وسائل الإعلام الأخرى، مع تطعيمها بوظائف ونوافذ جديدة، تعطي ذات الشبكة وضعا مستقلا، وإلى حد بعيد. بالتالي، فلم تعد الشبكة من هنا، مجرد حامل لمضامين المنابر التقليدية وخدماتها (بصورة الويب أو بصيغة البي.دي.إف)، بل تحولت بظل ظرف وجيز، إلى بنية قائمة، لها مميزاتها وآليات اشتغالها.

إن المحك الذي توضع به المقاولات الإعلامية التقليدية، إنما يكمن في مدى قدرتها على توفير المضامين بالشبكة، ومدى قدرتها على تطويع النموذج القائم على المجانية، وإخضاعه لمبدأ الأداء، وإن بصورة جزئية. فكان الحل المؤقت التالي: مجانية المواد العامة، وإخضاع المضامين المتخصصة للأداء، وإلا فإن زوار ذات المواقع في الحالات الأخرى، قد يتحولوا عنها، فيبقى ما يقدمونه من وعاء إشهاري، غير كاف لتغطية التكاليف.

صحيح أن العديد من المنابر الإعلامية تفرض رسوما على موادها بالأرشيف مثلا، أو على تلك المصنفة ضمن الخدمات المميزة والخاصة (افتتاحيات كبار المحللين، ملفات خاصة...الخ). وصحيح أن منابر أخرى تضع كلا أو جزءا من موادها ضمن مجال المجان، إلا أن الإشكالية تبقى مع ذلك مطروحة وبقوة: إشكالية فك معضلة المجاني والمؤدى عنه بشبكة الإنترنيت.

إن المنافسة التي تواجه المنابر الإعلامية التقليدية، والتي اعتمدت خيار ولوج الشبكة، هي منافسة عنيفة، وفاعلوها لا يحتكمون لنفس مقاييس القوة والضعف، إذ تضع وجها لوجه، البوابات العامة، ذات الصيت الذائع، ومحركات البحث الضخمة، والفاعلين "الهواة"، الذين يشتغلون بأفق بيع خدماتهم وبرامجهم، وملايين المواقع غير التجارية والشخصية، التي يثوي خلفها أفراد عاديون، أو مؤسسات غير ذات وزن كبير بالسوق.

كل هؤلاء "الفاعلون الرقميون" يقدمون عروضا معلوماتية ميزتها الوفرة والتنوع، لا قبل لمؤسسات الإعلام التقليدية، حتى الأقوى ضمنها، لا قبل لها بمنافستها، أو مجاراتها، أو مسايرتها، أو مضاهاتها، أو السير وفق وتائرها، أو المراهنة على التميز بوجودها.

ثم إن المنافسين الجدد، سيما الصغار منهم، ليس لديهم تكاليف باهظة المفروض استرجاعها، أو فواتير صناعية تنتظر السداد، أو طواقم تحريرية تستوجب التغطية الاجتماعية، وما سوى ذلك. إنهم يفعلون في فضاء شاسع ومفتوح، قد تصل السلوكات والأفعال من بين ظهرانيه، لحد تحالف الكل مع الكل ضد الكل.

وعلى هذا الأساس، فإذا بات من الثابت اليوم، أن الشبكات الرقمية، وبمقدمته شبكة الإنترنيت، قد خلخلت بقوة طبيعة الإعلام، وخلخلت أدوات اشتغاله، والنماذج الاقتصادية التي انبنى عليها لعقود عديدة انصرمت، فإنها أضحت بالآن ذاته، وسيلة ناجعة لإعادة تموقعه، وإعادة النظر في خياراته واستراتيجياته، بالمديين المتوسط والبعيد.

إن الإعلام، بداية هذا القرن، قد بات مطالبا بالاشتغال وفق ثلاثة مسارات رئيسية، قد تبدو متنافرة في المظهر، لكنها متكاملة بقوة في الجوهر:

+ الأول كامن في مبدأ التكاملية بين المضامين الرقمية، وتلك التي لا تزال تعتمد خيار الحامل الورقي. قد تكون ثمة تباينات في الطريقة والصيغة، إلا أن المبدأ قائم، بل وبدأ تفعيله من لدن أكثر من منبر إعلامي.

+ المسار الثاني متمثل في تثمين العلائق الاقتصادية والتقنية بين الحاملين (الرقمي والورقي)، وكذا العلائق مع الحوامل الأخرى، من إذاعة وتلفزة وبنى الاتصالات الخليوية وما سواها. بهذه النقطة أيضا، يبدو أن التحالفات الملاحظة من مدة بين أكثر من فاعل، إنما تصب في ذات الاتجاه، حتى وإن بدت وتيرتها بطيئة وينتابها التردد.

+ أما المسار الثالث فمتمحور حول سبل حسم إشكالية الرسوم والأسعار، أي إشكالية المجاني والمؤدى عنه، بفضاء رقمي سمته الأساس المنافسة، وضيق مجال المناورة. هي مسألة مرتبطة أصلا بالنموذج الأمثل المراد إقامته، إلا أن الحسم يتجه بجهة حتمية تحديد نسبة هذا وذاك من لدن كل منبر، وبالفضاء الرقمي عامة.

من هنا، يبدو لنا أن حدود الإعلام بداية هذا القرن، إنما تحدده، ثلاثة معطيات كبرى، من المفروض أن توضع في سياق صيرورة كل وسيلة إعلام على حدة:

°°- الأول، معطى تقني صرف، المفروض فيه أن يأخذ بعين الاعتبار مدى نجاح التقنيات الرقمية في دمج قطاعات الإعلام والمعلومات والاتصال، ولا يصرف النظر عن حقيقة تمييع الحدود بين المهن والوظائف، التي حملها هذا المعطى مع جيل الإنترنيت الأول، وما سيحملها قطعا مع الأجيال اللاحقة.

°°- المعطى الثاني، معطى اقتصادي حاد. ومفاده مدى قدرة المقاولات الإعلامية على المزج الرصين والدقيق بين ثنائية المجاني والمؤدى عنه بالشبكات الرقمية، وبالإنترنيت تحديدا.

°°- أما المعطى الثالث فهو معطى مؤسساتي خالص، بزاوية الجهة المفروض أن تواكب هذه الحركية الإعلامية، وهذه التحولات البنيوية، وتعمد إلى تحديد قواعد اللعبة في السوق المحيل عليها، شكلا وعلى مستوى المضمون.

الغاية من كل ذلك، لا تكمن فقط في الحاجة إلى ضمان الحد الأدنى من الحرية والتعددية، ولكن أيضا في ضرورة العمل للحفاظ على الحد الأدنى للفضاء الديموقراطي، الذي لا مصلحة لأحد أن يقوض أو تقلص حدوده، بأرض الواقع... كما ب"الواقع الافتراضي".

* "في آخر أعماله عن القابلية على التواصل، يحيى اليحياوي يناقش حدود الإعلام في ظل ثورة الشبكات الرقمية"، جريدة الصحراء المغربية، 11 يونيو 2010.

Vous pouvez partager ce contenu