السؤال سؤال نظري صرف في جزء منه، ويستوجب تحديد المقصود بالمصطلح، ومكوناته، وبنيته وحركيته في الزمن والمكان، وأيضا المرجعيات الفكرية المفروض الانطلاق منها، لفهم طبيعة هذه الطبقة، ونمط تفكيرها، وعلاقتها بما سواها من طبقات. أزعم أن هذا الأمر يخرج عن نطاق السؤال، على الرغم من إلحاحيته.
سأسلم جدلا بأن هذا التحفظ المنهجي محسوم لأقول بحالة المغرب، إنه كان ثمة بسبعينات القرن الماضي، طبقة وسطى معتبرة، كان لها وجود مميز، بالجامعة والإدارة العمومية والتعليم الابتدائي والثانوي، وسلك القضاء والمهندسين والمحامين والمعماريين والفنانين والسينمائيين وما سواهم. كانت متواجدة، إذا لم يكن كتنظيمات مهيكلة، ذات بنيان مؤسساتي بارز، فعلى الأقل كتصور أفقي كان، ينشد تغيير الواقع القائم، على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، أي على مستوى النظر لثنائية الثروة والسلطة داخل البلد.
وأزعم من جهة أخرى، أن الأحزاب الوطنية الكبرى كانت مهد هذه الطبقة، على مستوى قاعدتها الأساس، كما على مستوى الأجهزة التتقريرية، ناهيك عن المستويات التنظيمية الوسيطة. وقد عرفناها جميعا، بكتاباتها بمجلات وجرائد كنا نشعر بوقته أننا حقا بإزاء شريحة اجتماعية، لا هي من ملاك رأس المال، ولا هي من الطبقات السفلى، الموظفة بالمعامل، والضيعات الفلاحية الكبرى والمتوسطة، أو المهاجرة للخارج تحت ضغط الفاقة والفقر.
وأزعم من جهة ثالثة، أن هذه الطبقة هي التي حملت لواء المطالبة بالإصلاحات الكبرى، الدستورية والسياسية، وكان لها قول يعتد به عندما تترجم مطالبها إلى مطالب نقابية وسياسية، تضغط بها بوجه الدولة. بهذه النقطة، أتصور أن الدولة أدركت أن طبقة من هذا القبيل، قد تفسد عليها ترتيباتها، فبدأت عمليات استقطاب عناصرها، من الجامعة تحديدا، وإدماجهم بهياكل الدولة، إما بالتعيينات السامية أو بالدواوين للاستشارة، فبدأ إشعاعها ينضب تدريجيا، حتى إذا كانت نهاية الثمانينات لوحظ، وقد بدأت الترتيبات على قدم وساق، لاستقطاب المعارضة، تراجع مدها وذبل عودها، ولم يعد لها من تواجد على الأرض. إنها باتت، على الأقل في جزء كبير منها، جزءا من البنيان الفوقي المقابل للبنيان السفلي، لكن دونما فاعل يموسط للعلاقة بين المستويين.
إن الدولة بمغرب الثمانينات والتسعينات، هي التي رتبت لنهاية الطبقة الوسطى، فدفعت بالجزء اللين منها بمستويات السلطة المختلفة، وتركت الممانع ضمن الطبقات السفلى، وقد كان الجزء الثاني هو الأكبر حجما ونسبة من هذه الطبقة.
اليوم، يتحدثون عن ضرورة تشجيع هذه الطبقة. أتساءل: لماذا؟ وفق أية ترتيبات؟ على أية أسس؟ لخدمة أي مشروع؟.
الطبقة الوسطى لا تخلق، هي بالبداية وبالمحصلة، نتاج حراك اجتماعي، تتواجه بصلبه الأفكار والمشاريع، وتأتي كمخرج موضوعي لواقع حال. هي طبقة لا تستنبت بدعم دخل هذه الفئة أو تلك، هي حالة اجتماعية، متحركة وذات مشروع سياسي، غالبا ما يكون مناهضا للاختيارات القائمة.
بكل الأحوال، فأنا أتصور أن الحاجة لهذه الطبقة اليوم، باتت رهانا سياسيا أكثر منه اجتماعيا، وأن محاولة إحيائها من جديد هو من قبيل ضبط بعض التوازنات التي غالبا ما تتكفل بهم هذه الطبقة.
* "يحيى اليحياوي لجريدة العدالة والتنمية: الدولة بمغرب الثمانينات والتسعينات، هي التي رتبت لنهاية الطبقة الوسطى"، جريدة العدالة والتنمية، 14- 21 نونبر 2008.