Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي بالملتقى الوطني الأول للإعلام والاتصال: لايمكن حاليا تقييم تجربة المغرب في مجال تحرير القطاع السمعي/البصري

 السؤال الأول: بالنظر إلى أسماء أصحاب المشاريع التلفزية (الهمة, بنجلون, لحلو, البلغيثي, حياك...), كيف تنظر إلى مستقبل هذه المشاريع, والتغيير الذي يمكن أن تحدثه في الفضاء السمعي/البصري بالمغرب؟

يحيى اليحياوي: ليس لدي أدنى معرفة بالشخوص التي تتحدث عنهم, لكني أعلم أنهم يشتغلون بمجالات بعيدة كل البعد عن التلفزيون أو الصورة أو السينما أو غيرها. هم بالتالي سيكونوا دخلاء على القطاع بجانب الممارسة, ويبدو أن اهتمامهم به لربما هو متأت من حسابات جانبية, غايتها الأساس الربح المادي المباشر, أو التباهي الخالص, على خلفية من القول والادعاء بأن لديهم قنوات أو محطات إذاعية, شأنهم في ذلك شأن رجال الأعمال بأوروبا أو بأمريكا الشمالية أو بغيرها. وقد يكون بالأمر تطلع إلى الترويج لمنظومة إيديولوجية, أو تصفية الحساب مع هذه الجهة أو تلك.

أنا لا أعراف حقيقة خلفيات كل واحد من هؤلاء, وما هو مضمر بنفسه من تصورات أو غايات أو مقاصد, لكن دعني أقول بأن المسألة غير سليمة, لا بل ومحكومة بمحددات من خارج المجال السمعي/البصري. هذا جانب قد لا يكون مهما كثيرا, لكنه مؤشر على أن ثمة نية من لدن بعض "الخواص", في اختراق مجال ظل لمدة طويلة حكرا على السلطة.

بزاوية منسوب ما يمكن أن يحدثه هؤلاء بالفضاء السمعي/البصري, أقول لك بصراحة بأن رهاناتي على تحول هذا القطاع قد تقلصت بدرجة كبيرة, ولربما انتفت مع مرور الزمن, ولم أعد أهتم بمن سيدخل السوق أو سيخرج منه. بمعنى أن الرهان على هذه المشاريع للتأثير في المشهد العام, هو أقرب إلى السراب منه إلى واقع الحال. والسبب في ذلك لا يأتي فقط من عصي هذا المشهد على التحول, على الرغم من النصوص والتشريعات, ولكن أيضا لأن هذا المشهد هو بالبداية وبالمحصلة حكر على السلطة, تمرر من خلاله تصوراتها وتمثلاتها, ولن تقبل بالمرة أن يشاركها في ذلك أحد. إذا علمنا أن هؤلاء هم الرافد المادي للسلطة, بعضهم مندغم فيها, والبعض الآخر يدور بفلكها, سيتبين لنا بالواضح الجلي, أن المنظومة محكومة بنفس الخلفية, كي لا أقول بنفس المرجعية.

بالمقابل, فلو قسنا على ما سبق, أعني على ما هو قائم, أي على حجم الرهانات التي روجت عندما أنشئت الشركة الوطنية, وتم خلق ما يسمى بالقطب العمومي, وتفريخ القنوات الماسخة على الساتل, وكيف كان التبشير بتلفزة جديدة, مهنية, محتكمة للقرب, لو قسنا ذلك إلى "المنتوج" المحصل عليه, لتبين لنا أننا ندور حول أنفسنا, وأن ما نقوم به هو ترقيع في ترقيع, وأن مسألة التحرير كانت وهما في وهم, ولتأكد لنا بالمحصلة, بأننا بإزاء "فضاء" سمعي/بصري خاصيته الأساس الرداءة والميوعة والضحك على الذقون, والاستهتار بالقيم وما سوى ذلك.

وبالقياس على ما سبق أيضا, فإننا مع هذه المشاريع سنكون بإزاء مسلسل لإعادة إنتاج الفشل والإخفاق, وبإزاء توسيع مجال الرداءة والقبح, والترويج لصورة من صور "الحداثة" كميوعة, لا كمصدر للجدية والجمال بالتلفزيون. وأنا بهذه النقطة, مستعد للقول لمن قد يزايد على هذا الطرح: بيني وبينك الزمن.   

 السؤال الثاني: هل بإمكان هذه المشاريع أن تخلق منافسة وتدفع القنوات العمومية إلى تطوير أدائها, أم ستكون مجرد تنويع على ما هو سائد وامتداد مقنع للقنوات العمومية؟

يحيى اليحياوي: المنافسة لا تقاس دائما بعدد الفاعلين المتواجدين بالسوق, وليست دائما مصدر نجاعة أو حسن تدبير, تماما كما أن الاحتكار ليس دائما عنوان تجمد أو دليل تكلس. أنظر مثلا في "السوق السياسي" بالمغرب, ستجد عشرات الأحزاب بالسوق, لكن العطاء متدني والمشهد محيل على الإحباط والتقزز, والمطالبة بالعمل بمبدأ الأقطاب في هذا المجال, المجال السياسي أقصد, هو اعتراف ضمني بفشل المنافسة المبنية على الفوضى والانفتاح غير المدروس.

بخصوص المنافسة بالمشهد السمعي/البصري, أعتقد أن الأصل فيها كان قائما لدى السلطة, على عدد الفاعلين وعلى الجانب الإجرائي, وليس على أساس ما سيقدمه هؤلاء من مواد وبرامج ومضامين. لقد قيل من قبل, إن الوضع المؤسساتي للإذاعة والتلفزة هو السبب في تدني عطائهما, فتم تغيير الإطار الناظم لهما, وتم خلق قطب عمومي, وضخت الأموال في صناديقه بغزارة وسخاء, ومع ذلك, فعندما ترى في مستوى العطاء المتأتي من كل ذلك, يبدو لك المشهد كارثي, وبكل مقاييس العمل الإعلامي.

من جهة أخرى, فعندما تلاحظ أن هذا المشهد لم يتأثر قيد أنملة بالتطورات التكنولوجية من حوله, اللهم إلا بعض المقتنيات الرقمية المتجاوزة, وترى كيف أن ثورة الفضائيات لم تطله بالمرة, وترى كيف أن احتجاجات المواطنين, ناهيك عن النقاد, لم تفعل فيه شيئا, وعندما ترى كيف تتم الصفقات ومن يستفيد منها, عندما ترى كل ذلك, فماذا عسى قنوات الهمة وبنجلون ولحلو أن تفعل؟ وعندما تسمع وزيرا في الاتصال يقول بأنهم بإزاء إنشاء قناة للرد على الجزيرة أو مضاهاتها, أقول كما قال أمير قطر في أعقاب العدوان على غزة: حسبي الله ونعم الوكيل.

السؤال الثالث: يقع الإشهار في صلب إشكالية الإعلام السمعي/البصري كرافد أساس لاستمرار كل مشروع إعلامي, هل يتسع سوق الإشهار بالمغرب للمشاريع الجديدة, أم أن واقع المنافسة سيجعل القنوات شبه العمومية مدعومة باستمرار من طرف الدولة, ولن تستقل عنها بشكل كامل, كما يقضي بذلك تحولها إلى شركة وطنية؟

يحيى اليحياوي: حجم سوق الإشهار بالمغرب معروف, وعدد المعلنين معروف, و"الأسس" التي يمنح الإشهار لهذه الجهة أو تلك بالبناء عليها معروفة, والمعطيات متوفرة لا مجال لمعاودة التذكير بها.  معنى هذا, أننا سنكون بإزاء عملية توزيع للمداخيل, أي سيتم اقتسام الكعكة على محدوديتها, ونصيب كل واحد سيأتي من مدى قربه من الجهة المعلنة, أو من السلطة المرتبة لذلك, أو من قدرته على الابتزاز, وهكذا. بالتالي, فإذا كانت هذه المشاريع تراهن على الإشهار والإشهار لوحده, فإنها لن تستطيع الاستمرار كثيرا, اللهم إلا إذا كان معنى الإشهار غير ما نعرف.

أنا أتصور أن هذه المشاريع لا تعوزها الموارد, ولن تعدم في الحصول عليها إن تطلب الأمر, ولك أن تلحظ كيف تم إنقاذ ميدي 1 سات, وعلى أي أساس, ومن تم وضعه على رأس القناة. أعتقد أن ثمة حسابات أخرى, غير حساب الإشهار, وقد لمحت إلى بعضها في جواب سابق.

السؤال الرابع:  هل التحرير انطلاقا من التجربة السابقة والمنتظرة, هو موضوع مهني أم سياسي؟

يحيى اليحياوي: التحرير, أي تحرير, ليس غاية في حد ذاته, ولا يجب أن يكون كذلك. هو أداة ووسيلة, تمتطى ناصيتها لإدراك غاية من الغايات, تكون محددة سلفا, ومدققة, وواضحة الأفق. ثم إن التحرير لا يقتصر ولا يجب أن يقتصر على طبيعة الملكية, بل يجب أن يتجاوز ذلك ليطاول طبيعة السوق, في تركيبته وبنيته وعدد الفاعلين فيه. كل ذلك أيضا وفق رؤية محددة, ومنهجية مضبوطة, ومدى زمني محدد, بالقياس إليه يتم التقييم في أفق التقويم.

بخصوص السمعي/البصري, التحرير غالبا ما يحاول الفعل في السوق, بغرض تحسين أداء الفاعلين, بجهة الزيادة في الجودة, أو الرفع من المردودية, أو خدمة لثلاثية "الإخبار والتثقيف والترفيه", التي ترفع لواءها قنوات المرفق العام بكل دول العالم.

تحرير السمعي/البصري بالمغرب كان بالبداية ولا يزال هدفا وليس غاية, والدليل هو أن تعدد القنوات "الفضائية (وأنا أسميها القنوات الماسخة) كانت الغاية منه الادعاء بأننا حررنا, وبات لدينا أكثر من قناة, وأن السوق لم يعد مكمن احتكار كما كان الأمر من ذي قبل. المراهنة إذن كانت على الأداة, على العدد حتى وإن كان استنساخا ماسخا, ولم يتم الانتباه للمضامين, وإلا فقل لي ماذا تقدم المغربية أو الرابعة أو السابعة من برامج مميزة, وماذا عساها تقدم وهي تنهل من معين قطب عمومي, يشتغل وفق منطلق الرداءة والميوعة والضحك على دافعي الضرائب؟

أنا لطالما قلت بأن الرهان الأساس في أي مشهد سمعي/بصري هو الرهان على المضامين والمحتويات, والأداء المبني على ثقافة القرب. لماذا؟ لأن العتاد بات اليوم سهلا, واقتناؤه بات هينا وبأبخس الأسعار. إذا لم يكن لديك المادة الجيدة لتمريرها عبر هذه القناة أو المحطة, فإنك ستسقط تلقائيا في تكرار ما توفر, وهو رديء أيضا, أو اقتناء سلسلات من تركيا وسوريا وأمريكا اللاتينية, تبدأ الحلقة الأولى, ولا يدري المرء متى ستنتهي, وتمرر بأوقات الذروة فوق كل ذلك.

بالتالي, فالتحرير هو عمل مهني بامتياز, لكن شريطة أن يكون مرفودا بعزيمة سياسية, تتغيأ القطيعة مع السائد, وبأدوات وكوادر بشرية من الميدان, لا معينة بظهير على خلفية من الولاء, أو التماهي مع ما تريده السلطة.

السؤال الخامس: يتميز الجيل الثاني من القنوات الإذاعية باستناده على رأسمال كبير مقارنة مع الجيل الأول, في ضوء ضيق السوق أصلا, هل يمكن الحديث عن أقطاب وتكتلات بعد دخول فاعلين جدد إلى الفضاء السمعي الخاص؟

يحيى اليحياوي: هذا سؤال المفروض أن تجيبنا عنه الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري, سيما لو كان من الوارد لديها التقريب بين المشاريع المختلفة, والعمل على دمجها, أو الدفع بها من باب اقتصاديات السلم التي تميز القطاع. بمعنى أنه مادامت تكاليف البنية التحتية غير مكلفة كثيرا, وتضخ مرة واحدة, ويمكن استردادها في آماد قصيرة, وأن المضامين هي التي ستكون المحك, وتكاليفها أكبر بكثير مع الزمن, فإنه من النجاعة أن تتم المراهنة على المضامين والمحتويات, عوض خلق بنى تحتية موازية لن تستطيع الصمود كثيرا بوجه تحدي المضامين. أو لنقل بحالة سكك الحديد مثلا, ما الفائدة من إقامة خطط سككي جديد وموازي للخط القائم, إذا كان عدد المسافرين قليلا, أو ثقافة الناس لا تسعفهم في اقتناء القطار أصلا؟

إن الاستثمار في القطاع السمعي/البصري ليس عملا هاويا, أو نزوة قد تنتاب هذا "الدومالي" أو ذاك, في لحظة نشوة, أو موقف غرور وتباهي. إنه حرفة وحب وطول نفس, والهاكا بهذه النقطة يجب أن تتلمس من له الحد الأدنى من ذلك, عوض الارتكاز على الجانب التقني والإجرائي الصرف, الذي لربما قد تقوم به مصلحة من مصالح وزارة الاتصال, عوض "حكماء" معينين بظهائر, غير مطالبين بتقديم الحساب لهيئة منتخبة.

السؤال السادس: كشفت ماروك ميتري لقياس نسب المشاهدة مؤخرا عن نتائج ضعيفة جديدة بالنسبة لقنوات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة, هل معنى هذا أن المشروع التعددي المتمثل في إطلاق قنوات موضوعاتية لم يكن مبنيا على استراتيجية إعلامية واضحة ووصل إلى الطريق المسدود؟

يحيى اليحياوي: لم نكن بحاجة لهذه المؤسسة لكي تقول لنا ذلك, إننا عشناه ونعيشه, قلناه ولا نزال نقوله, بل وبحت حناجر المشاهدين والنقاد من تكراره. وقد طالبت بأكثر من مناسبة, للتعبير عن إحباطي وحسرتي, بإغلاق القناتين "العموميتين", على الأقل للتخفيف من معاناة الملايين. فوصفنا جراء ذلك بالعدميين, أو المتآمرين, أو الغير مطلعين على الخبايا.

أريد أن أجيب على سؤالك بطريقة عملية: إننا نريد قناة واحدة, عمومية, بمجلس إدارة مسؤول, بدفتر تحملات مضبوط, برؤية إعلامية واضحة, تتطلع للعمل عن قرب وفق ثلاثية "الإخبار والتثقيف والترفيه", يقوم عليها أناس مهنيون, ومراسلون أكفاء, تكيف برامجها بالليل والنهار بالبناء على تطلعات المشاهدين, وبالإنصات إليهم, تنفتح على من طاوله الإقصاء, تراهن على المباشر الحي, دونما إعمال للرقابة الفجة, أو ترويج للرأي الواحد, وقس على ذلك. إننا نريد تلفزة تعكس واقعنا, وتعمل على الدفع بالمظاهر الإيجابية من بين ظهرانيه, لا تلفزة تتحدد شبكتها البرامجية عن بعد, ويتصرف فيها طاقم هو أقرب إلى السماسرة وأصحاب السوابق.  

السؤال السابع: من المنتظر أن تطلق القناة الأمازيغية في منتصف السنة, ما هي الإضافة التي يمكن أن تضيفها هذه القناة فيما يخص الثقافة الأمازيغية ومسألة التعددية بالمغرب؟ هل ستكون مجرد أداة إعلامية رسمية لمعالجة قضية ثقافية في العمق؟

 يحيى اليحياوي: لقد قلت من مدة, وأكرر القول هنا, بأن العبرة بالمضامين لا بالأقنية أو بالأعتدة, أو بتفريخ القنوات. بالتالي, وبصرف النظر عن طبيعة هذه القناة واللغة التي ستستخدم, والجهة التي ستنشأ من أجلها, فإن المحك بالنسبة لي هنا هو محك المضامين. إذا لم توفر هذه القناة مضامين جادة, ومحتويات مفيدة, وفرجة يستمتع بها المشاهد, واقتصرت على تقديم مواد أرشيفية متهالكة, أو صور فلكلورية للسياح, أو مواد للمزايدة السلبية, فإني أخشى ألا يتعدى عمرها عمر الزهور.

* "يحيى اليحياوي بالملتقى الوطني الأول للإعلام والاتصال: لايمكن حاليا تقييم تجربة المغرب في مجال تحرير القطاع السمعي/البصري بالنظر إلى حداثتها"، جريدة الأحداث المغربية، 18 يناير 2008، جريدة الصحراء المغربية، 18 يناير 2008. 

Vous pouvez partager ce contenu