Aller au contenu principal

عن الصحافة الألكترونية بالمغرب: عود على بدء

news-details

لا أستحب كثيرا مصطلح الصحافة الألكترونية أو ما بات يسمى كذلك منذ مدة. فالصحافة صحافة، كائنا ما يكن الحامل، ورقيا بالجريدة أم بالصوت بالإذاعة أم بالصوت والصورة بالتلفزيون، أم بهما مجتمعين على شبكة الإنترنيت. ثم إن الأصل في الصحافة هو الرسالة أو المحتوى أو المضمون، بصرف النظر عن الأداة التي تقتنيها الكلمة أو الصوت والصورة أو المعطى المعلوماتي الصرف. بمعنى أن المادة هي نفسها، والاختلاف في الإناء والأداة ليس إلا. هذه أمور لا بد أن ننتبه إليها لضبط المفهوم وتحديد مجاله. بالتالي فأنا لا أوافق كثيرا على التقسيم المتبني لثنائية الصحافة الورقية والصحافة على الشبكة أو الصحافة الألكترونية.

لو تجاوزنا على هذه الجزئية، يبدو لي أن ثمة العديد من الحالات التي تدخل في سياق الصحافة على الشبكة: ثمة صحف ورقية انتقلت للشبكة بهذا الشكل أو ذاك، وأبقت على صيغتها الورقية، وهو حال معظم الصحف اليومية والأسبوعية. وثمة منابر أنشئت من صلب الشبكة، وتشتغل بين ظهرانيها دونما أثر لها يذكر بالصيغة الورقية المادية. هل هي منابر إعلامية حقا وحقيقة؟ قد تكون كذلك مادام أنها تشتغل على المعلومة والخبر، أو لأنها تستوظف لذلك صحفيين اكتسبوا التمرس بالصحافة الورقية، وانتقلوا للشبكة تحت هذا الظرف أو ذاك. وقد تكون كذلك أيضا بالقياس إلى "الرسالة" التي تتغيؤها هذه المنابر.

لكنها ليست كذلك دائما بحكم أنها لا تخضع لمقاييس الحرفة الصحفية، والمشتغلون بها ليسوا دائما على دراية كافية بأصول المهنة، ولا إلمام لهم كبير بالأخلاقيات وما قد يجره عليهم عدم التمييز بين الخبر وبين التعليق عليه، لا بل وقد يكونوا ضحية الإشاعة وعدم التدقيق في المعطيات بحكم هوس السبق والآنية الذي يحدوهم. والمجال هنا ضيق لا يمنح إمكانية التفصيل.

بحالة المغرب، يمكننا قول التالي:

+ أولا، هناك العديد من هذه المواقع (أعني التي تشتغل بالشبكة حصرا) تتضارب الإحصاءات بخصوص عددها، وطرق تصنيفها، وطبيعة الطاقم الذي يشتغل من بين أضلعها. معظم هذه المواقع يقدم المعلومة الخام مكتوبة أو مسموعة أو مصورة، وبأشكال وألوان وتصاميم متقاربة. وأستطيع أن أجزم أنها تشتغل تقريبا بنفس الطريقة، اللهم إلا بعض التميز بالشكل أو بالمظهر. هي إذن منابر في العديد منها ذات مضامين مكرورة ومستقاة من نفس المصدر، وقد يتم ذلك دون الإتيان على ذكر هذا الأخير.

+ ثانيا، معظم هذه المواقع يعطي المعلومة، لكنه يبترها من سياقها، ولا يعمل على تأطيرها بهذه الخلفية أو تلك. ويبدو لي أن الأمر راجع هنا إلى تواضع تكوين المشتغلين بها، وعدم اكتراثهم بأن سياق الأمور هو الذي يعطيها معناها. وراجع أيضا إلى عاهات في الولادة، إذ العديد من أصحاب هذه المنابر انطلقوا من مدوناتهم أو انطباعاتهم المعبر عنها بالشبكة، وبقوا محكومين بهذه المرجعية، علما بأن هذه الأخيرة لا تتساوق دائما مع الطبيعة الإخبارية التي يدعيها هؤلاء.

+ ثالثا، يحار المرء حقا، في معظم حالات هذه المنابر، في تحديد خطها التحريري أو ضبط طبيعة الرسالة التي تستهدفها...اللهم إلا الادعاء بأنها مفتوحة على "الرأي والرأي الآخر". وهذه مسألة غير سليمة في بناء هوية المنبر أو تحديد المرجعية التي تقوده.

أما بخصوص إشكالية التقنين أو التنظيم، فقد عبرنا عن رأينا بهذه النقطة في أكثر من مناسبة، وقلنا ثلاثة أمور لا نزال متشبثين بها:

+ قلنا أولا، إن تقنين هذا الجانب من النشاط "الصحفي" هو من تقنين الشبكة برمتها، أعني شبكة الإنترنيت. والشبكة كما نعرف كونية، وتتتجاذبها مصالح كبرى فيما يتعلق بحكامتها وبالجهة التي من المفروض أن تقوم على هذه الحكامة مكان الإدارة الأمريكية مباشرة، أو من خلال مؤسساتها المتخصصة. كيف إذن التبجح بتقنين شبكة لا نتحكم في بنيتها المادية، ولا في نظم عناوينها ونطاقاتها، ولا نحتكم حتى على خدوم واحد من الخدومات التي تحركها...اللهم إلا اللجوء إلى هذا المزود أو ذاك، لمنحنا الخدمة ومفاتيح الولوج؟

+ ثانيا، الشبكة لا تزال تتموج ولم تستقر بعد، تماما كالتكنولوجيات والشركات التي تتحكم فيها تشغيلا ثم بحثا وتطويرا، لا بل إن الدول المتقدمة ذاتها لا تزال في حيرة من أمر حوكمة الشبكة، اللهم إلا تطبيق بعض القوانين القائمة بالقياس إلى ما يروج بالصحافة الورقية. وهذا ما نلحظه بفرنسا وكندا والولايات المتحدة، ولا تزال المنظمات الدولية المتخصصة، بجنيف وغيرها، تبحث عن سبل لضمان انفتاح الشبكة، وعدم المساس بها خشية التجاوز على عذريتها والحرية التي لازمتها في المنشأ. كيف القول إذن عندنا بالمغرب ومن لدن مسؤولين، بأننا بإزاء "تقنين الصحافة الكترونية"؟ يبدو أن بالأمر إما جهل مطبق بالمسألة وهذه مصيبة كبرى، أو مزايدة لا مجال لها هنا، وهذه مصيبة أكبر.

+ ثالثا، قد نحاول رسم التوجهات العامة، في إطار ما نسميه التنظيم ليس بمعناه الإداري، ولكن وفق ما يعطيه الاقتصاد الصناعي لهذا المفهوم، أي تحديد قواعد اللعبة بليونة، ثم مصاحبة الفاعلين تدريجيا بالسوق وبالممارسة، مع العمل الملازم لذلك بغرض تنقيح هذه القواعد دونما تسرع أو مزايدة. وهذا هو تصوري لهذه المسألة.

قد يتساءل المرء عن تجاوزات هذه الصحافة، نقول: إن التجاوز غير متأت منها، إنه متأت من الذين يمارسون ويشتغلون بها. أعني بصورة مشابهة أن العيب ليس في الطريق السيار، بل في السائقين المتهورين. تدخل ضمن هذه الجزئية قضايا من قبيل أخلاقيات المهنة وحقوق الملكية والقرصنة وما سواها. وهي أمور المفروض ضبطها أولا، قبلما التساؤل في صيغة التنظيم المفروض اعتمادها وإعمالها...إن أمكن.

* "عن الصحافة الألكترونية بالمغرب: عود على بدء"، 11 مارس 2013.

Vous pouvez partager ce contenu