فهد العرابي الحارثي، مركز أسبار للبحوث والدراسات والإعلام، الرياض، يونيو 2010, 54 ص.
يبدأ الكاتب دراسته بالاعتراف المباشر التالي: "يتأكد من المنظور العام لاهتمام إسرائيل بنظم التعليم, أنها آمنت، دائما، بأن الحضارة والتقدم ليست حضارة القلة التي تقود التقدم، بل حضارة الشعب كله الذي يشتغل بهذا التقدم وينجزه فعلا".
من هنا, يلاحظ الكاتب بإن الفوائد الاقتصادية التي تجنى من التعليم تعادل في العموم 43 مرة ما ينفق عليه, وأن الأمي الذي يدرس سنة واحدة, تزداد إنتاجيته 30 بالمائة, وأن الذي يدرس 10 سنوات تزداد إنتاجيته من 30 إلى 80 مرة, مقارنة مع من يدرس 4 سنوات فقط.
إن إسرائيل, يقول صاحب الدراسة, يهمها الجانب الاقتصادي، ويهمها أكثر وأكثر الاستئثار بمركز "المتفوق" في جميع الميادين، مقارنة، على الأقل، بشعوب المنطقة التي تفصلها عنها الكثير من التمايزات والخصائص والتناقضات. ولعل إسرائيل، من هذا المنطلق ذاته، "تتفوق على كثير من البلدان الأخرى في العالم بأجمعه. فهي من الدول القليلة التي عاملت القوى البشرية على أنها نوع من رأس المال الذي ينمو، وليست مجرد استهلاك".
ويستشهد الكاتب بمالك بن نبي عندما يقول: "إنه لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار. ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمه، كأن يحدث فيضان، أو تقع حرب، فتمحو منه عالم الأشياء محوا كاملا، أو تفقده، إلى حين، ميزة السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار كان الخراب ماحقا. أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء، لأنه يستطيع أن يعيد بناء عالم الأشياء".
إن الأجيال, يقول الكاتب, هم مستودع الأفكار، وهم التربة الخصبة التي تنمو فيها تلك الأفكار وتتكاثر. ولا أحد آخر غير الأجيال يستطيع أن يحول تلك الأفكار إلى رخاء، ورغد في العيش، وفي الاقتصاد، وفي السيطرة على المستقبل.
وما وصل إليه الإنسان اليوم في مجال التقنية مثلا, هو حصيلة تاريخ طويل من التطور العلمي والمعرفي. "ولا تستطيع أمة أو شعب أن تنضم أو ينضم إلى الركب الجديد إلا باكتساب المعرفة والخبرة الجديدتين، ولن يتحقق له ذلك عن طريق الوحي أو الإلهام الكسول، بل عن طريق المثابرة والاجتهاد، وعن طريق تحويل أجياله من أجيال خاملة معطلة إلى أجيال نشطة وفاعلة ومؤثرة. ومهما أنفق أو أغدق على تلك الأجيال من الأموال الطائلة, فهو استثمار في مكانه الصحيح، أو بالأحرى مكانه الأصح، لأنه سيترجم نفسه إلى عائدات ومنتجات ومنجزات, هي من صميم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الخفية".
من هنا, فإن الشعوب التي فقدت مكانها في أعلى السلم الحضاري, إنما حدث لها ذلك لأنها تهاونت في حمل المسؤولية، وأهملت واجبها في المحافظة على موقعها المتقدم ترفا أو غيا أو جهلا بحركة التاريخ، "فتحولت من أمة عالمة مبدعة مسهمة في عمارة الأرض, إلى أمة مستكينة، راكدة، خاملة، وهي في واقعها الجديد عالة على غيرها في كل شيء".
والعرب هم إحدى الأمم التي منيت بهذا المصير الأغبر، "فهم لم يفقدوا موقعهم القديم في أعلى السلم الحضاري فحسب، بل تهاووا إلى مستويات دنيا من التخلف والجهل. وهم على غزارة ثرواتهم الطبيعية, تعاني أكثر مجتمعاتهم من أسوأ وأرذل أنواع الفقر، لأنه فقر القادرين على الكمال، فهم قادرون على الشبع والرفاه فيما لو قدر لهم أن يبنوا تصورا أكثر صلابة للمستقبل، يكون مبنيا على تنمية الناس لينمو بالتالي رفاههم".
ولعل المجتمعات الصناعية هي المثال الواقعي الحي لنموذج التقدم، فهي اهتمت أيما اهتمام ببناء الفرد، وتأهيله، وإكسابه الخبرة، والمعرفة، وإمكانات التفكير المنظم. وبمعنى آخر, "فلقد خلقت تلك الدول بيئة علمية واجتماعية تحرض على الإبداع وتشجع عليه. ففي هذه البيئة تنمو المواهب، ويزدهر العقل، وتنطلق الأفكار، ويخصب الخيال، مبنيا كل ذلك على وفرة الإمكانات والتجهيزات، ومبنيا كل ذلك أيضا على الحرية، وهي جمرة الإبداع أو نبعه العذب المتدفق. ويستطيع العرب، لو فعلوا مثل الغرب، أن يحققوا أفضل استثماراتهم وأقواها وأنفعها لحاضرهم ومستقبلهم، وبهذه الطريقة وحدها يستطيعون أن يضعوا أنفسهم في الموقع الملائم من حلبات المنافسة".
وللتذكير, يتابع الكاتب, فإن التقدم الهائل الذي تحقق في اليابان لم يقم على أساس من مصادر الثروة الطبيعية، بل قام، بالدرجة الأولى، على الاهتمام بالإنسان الياباني، أو بالجيل الياباني الذي اجترح المعجزات, بعد أن استعد صانعو مستقبل اليابان بما ينبغي لذلك من شروط ومستلزمات، ولاسيما في مطلع القرن الحالي، وفي مقدمة تلك الشروط والمستلزمات التعليم تحديدا. فقد أسرفت اليابان في استثماراتها في التعليم بالنسبة إلى نصيب الفرد من الدخل القومي، ولم تتردد في وضع استثمارات ضخمة في نظامها التعليمي. فاليابانيون ينفقون أكثر من 12 بالمائة من الميزانية القومية على التربية, بينما لا يتعدى الإنفاق على النواحي العسكرية 7.7 بالمائة فقط، بمعنى أن الأولية هي للتربية.
بواقعنا العربي, يقول أحد وزراء التربية العربية السابقين: "لقد رأينا أفواج الجيل المسخ، تلو الجيل المسخ، يخرجون من الجامعات (جامعاتنا)، وينتشرون في الأرض العربية، دون أن يكون لهم أثر حاسم في صراع أمتهم مع الجهل والفقر والمرض والتخلف".
فالأجيال العربية, يلاحظ الكاتب, تستمرئ الخمول، والتبعية، والاعتماد على الغير. فهي جامدة، كسولة، ساكنة، خائفة، مترددة، لا تنزع إلى الحراك والمغامرة والمبادرة. وهي "تعتقد أن المستقبل هو مسؤولية الغير, أو هو موكل إلى الصدفة، أو الأقدار، أو أنه من الغيبيات التي يعد الإنشغال بها مضيعة للوقت. وأما فكرة الاعتماد على الغير, فهي تترسخ كثقافة محلية بامتياز لدى المجتمعات الميسورة وأحيانا غير الميسورة. وهي تبدأ من الأشياء الصغيرة مثل استفحال ظاهرة الخادمات والسائق الأجنبي في المنزل، وتنتهي عند مستوى تسليم مفاتيح عجلة التنمية في الوطن كله للآخرين, الذين هم دائما الأكثر خبرة والأكثر نفوذا".
والحق أن هذا الوضع المسخ في بلاد العرب, ليس مسؤولية ثقافية واجتماعية فحسب, ولكنه مسؤولية سياسية أيضا. "فليس هناك إيمان حقيقي بأهمية الاستثمار في الإنسان، حتى وإن كان القائمون على أمور التنمية يرددون ذلك في الكلمات والخطب، وإلا فكيف يمكن أن نقبل مزاعمهم تلك في الوقت الذي نشاهد فيه مؤسسات التعليم تعاني من الجمود في الحراك، وتعاني من الجحود في الإمكانات، ما ينعكس بوضوح في مستوى ميزانيات تلك المؤسسات، وفي مستوى الفاقة الفاضحة في تجهيزاتها، وحتى في قدراتها الاستيعابية.
هذا فضلا عن المستويات البائسة للمعلمين، وعن الفقر والتخلف في البرامج والمناهج وفي مخرجاتها لسوق العمل والإنتاج".
ومما يسجل من ظواهر خمول العامل العربي, وعدم تعلقه بمستويات متقدمة في الإنتاجية أن الخريجين عموما, يفضلون العمل في القطاع العام عليه في القطاع الخاص, وذلك لأن القطاع العام، كما هو معلوم، يعرف بأنه أقل "تنافسيه" وهو يضمن التوظيف مدى الحياة، وقد ينتظر الخريجون لسنوات من أجل أن يتم تعيينهم في القطاع العام.
ويعود الكاتب إلى نقطة البدء في دراسته, ويقول: "لقد قادتنا المواجهة المستمرة مع إسرائيل، أو هي حالة الخوف الفاضح من قوتها، إلى أن ننفق الأموال الطائلة في مشروعات عشوائية للتسلح، متمثلة في موجات متوالية وغير منقطعة من الشراء والتكديس، في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بصناعة أسلحتها، لا بل إنها تقوم بتصدير الفائض منها إلى دول أخرى في العالم".
لقد نجحت إسرائيل, يلاحظ الكاتب, في الإفادة من حروبها مع العرب في الحصول علي المزيد من فتوحات التكنولوجيا العسكرية بدعوى حماية وجودها، بل لقد دخلت في تعاون مشترك مع دول كبرى مثل الولايات المتحدة, من أجل إنتاج صواريخ مشتركة قادرة على إطلاق الأقمار، أو قادرة على ضرب أقمار أو صواريخ معادية. وأخطر ثمرات هذا التعاون كان الدخول مع الأمريكان في برنامج أبحاث الفضاء، ثم مبادرة الدفاع الإستراتيجية المعروفة باسم "حرب النجوم"، كما شارك الإسرائيليون ألمانيا في إنتاج أقمار استشعار عن بعد، واستفادوا من كل هذا التعاون في تطوير الصواريخ التي تحمل هذه الأقمار، بل وفي تطوير الصواريخ الحربية عالية الدقة.
وفي الوقت الذي لا تتجاوز فيه مساعدات الدول الغربية للبلدان العربية, والنامية بوجه عام, بضع مئات من ملايين الدولارات، فإن حجم مبيعات الأسلحة لهذه الدول يبلغ أرقاما فلكية.
إن من أهم شروط السيطرة على المستقبل, يقول الكاتب بحسرة, أن نستوفي عناصر بناء "القوة" اللازمة لذلك، وأبرز تلك العناصر، أو هو أولها، تنشئة الأجيال القادرة على مضاعفة ما يستثمر فيها من أموال، والقادرة في الوقت نفسه, على حماية التراب والثروات في مواجهة كل أنواع التحديات. فثروات الأرض تنضب, لكن قدرات الإنسان "المبدع" لا تنضب أبدا. والأموال التي بين أيدينا لا تضمن وحدها سيطرتنا على المستقبل، وكذلك الجيوش والأسلحة التي لا نتحكم في إمداداتها ولا في تطورها وفاعليتها.
* "سؤال السيطرة على المستقبل"، فهد العرابي الحارثي، نافذة "قرأت لكم"، 29 نونبر 2012.