Aller au contenu principal

المثقف العربي: الإمكان المفقود وراهن التغيير

غزلان هاشمي، مركز اسبار للدراسات والبحوث والإعلام، الرياض، مارس 2012، 15 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، نقرأ التالي: "حينما نفكر في علاقة المثقف العربي بالسلطة السياسية يتبادر إلى أذهاننا جملة تساؤلات أهمها: هل السلطة السياسية تصاب بالذعر من قوة المثقف المعنوية، باعتبار أن الفكر المناهض مهدد لاستقرار الحكم والمجتمع؟ أم أن هذا المثقف هو الذي يخاف نتائج الخروج عن السلطة، فيتحاشى نقد الوضع القائم وكل القيم السائدة؟ ما مدى حاجة السلطة للمثقف في تأمين وتدعيم ركائزها؟ وهل في توجهاتها وسعيها لتأمين نظرة اتباعية حينما تقوم بتسويق منظومة معرفية وقيمية جامدة، غير متغيرة تروج إلى الانحطاط؟ ومن هنا أيهما له تأثير على الآخر: المثقف على السلطة أم السلطة على المثقف، على اعتبار أن المثقف يتحول إلى سلطة قائمة بذاتها تقارب سلطة السياسة، إن لم نقل إنها توازيها؟

ونقرأ من جهة أخرى: "إن ما ميز الراهن العربي هو تشتته بين اختلاقات سياسية مختلفة، ونحن إذ نسم التوجه السياسي بالاختلاق، نقصد إلى كشف الالتباس الواقع عن الاختلاف بين التنظير والحقيقة، أو ذلك التمثل الجاهز الذي يضفي إلى نوع من الصنمية والتقديس الشعاراتي، حيث تصبح المفاهيم المختلفة (ديمقراطية، دولة، حرية....الخ) من قبيل الطوباويات، أو الاختلاقات المفهومية التي تتجرد من دورها في المجتمع العربي، لتكرس صفة التناحر والتنافر بين مؤيد ورافض"، مدشنة عهد ما يسميه علي حرب بنهاية المثقف.

إن مصطلح نهاية المثقف هو الأقرب، بنظر الباحثة، إلى توصيف هذه الحالة، إذ يعتبره "قراءة في النهايات الفاشلة والمصائر البائسة للمشاريع والشعارات التي حملتها أو طرحتها النخب الثقافية، على اختلاف اتجاهاتها القومية واليسارية والعلمانية... من هنا كان التمييز بين المفكر والمناضل أو بين المهنة والمهمة، لا لإلغاء دور المثقف، بل سعيا لصنع صورة جديدة، أو صوغ دور جديد، تستعاد معه المصداقية والفاعلية".

إن المشهد السياسي العربي المعاصر وفي ظل هذه التأزمات الحاصلة، قد أنتج، بنظر الكاتبة، أنماطا متباينة من المثقفين. فمن النمط الاتباعي الذي تبنى خطاب السلطة السياسية، حيث استند إلى التبرير عن طريق المغالطات الواقعية والفكرية، ليعيش راهنه ضمن حدود الاعتراف المعاكس، ويسهم في خلق وعي مزيف باحثا عن حلول لكل الإشكالات الواقعة في تلك الصور المطابقة. ومن هنا اندرج تحت ما يسمى "بالمثقف التقليدي، الذي يبحث عن إجابات جاهزة وثابتة داخل المعطيات السلطوية، ولا يحاول تغييرها رغبة في الحصول على مكاسب مادية ومعنوية، فيتغاضى بالتالي عن كل الارتباكات الحاصلة والثغرات الموجودة في كل الأجهزة والتنظيمات السياسية وفي كل سيرورة إدارية".

هذا النوع هو الذي يسميه المفكر المصري نصر حامد أبو زيد بالمثقف التبريري، والذي يراهن على فعل السلطة، بقصد أو دونه، من أجل الحصول على واقع نموذجي. وقد وجدناه ماثلا بشكل جلي في الخطابات المضادة للخطاب الثوري، إذ "مع ظهور الثورات العربية الآنية، ظهر هذا النموذج بخطاباته المؤدلجة إلى حد التضييق، وذلك لخنق كل الاحتمالات المغايرة. هذا النوع يمتثل إلى المعطيات الوجودية بكل تجلياتها، ويعيش بعقلية امتثالية رافضا الإجهاز على الثبات، أو الخوض في مغامرة التأويل والتفسير، والناجم عنها التعدد واختلاف الرؤى. ومن ثمة تصبح الحقيقة منجزا جاهزا، فيؤدي هذا التصور إلى خنق الحريات وقتل الإبداع والاحتماء بالهويات السياسية المنغلقة، على اعتبار إن السلطة توجد حينما أفرض إرادتي رغم مقاومة الآخرين لها، حسب تعبير ماكس فيبر".

أما النمط الثاني فهو النمط الثوري، وهو المسكون برغبة التغيير، والرافض لكل أدلجة جاهزة، حيث يحاول الإجهاز على المعطى الوجودي من أجل الكشف عن حدود الالتباس في كل المفاهيم الصورية المنجزة أو المنتجة من قبل السلطة. و"انطلاقا من هذا المنحى في المعالجة، تبدو الحقيقة بمثابة اشتغال على المواد، أو استخدام للمعايير، أو بناء للنماذج، أو صوغ للوقائع، أو إنتاج للموضوعات، أو تشكيل للخطابات، أو خلع للدلالات، أو ممارسة للذات".

وقد ظهر هذا النموذج مع الثورات العربية في مختلف التيارات، حيث اعتمد النقد والمساءلة من أجل الكشف عن المسكوت عنه، أو عما بقي في حدود الصمت وهامش الواقع المؤدلج والحقيقة المصطنعة. فقام بنقد السلطة ونقد الآليات والمؤسسات وحتى المجتمع والذات المنجزة لكل خطاب تماثلي، والواقعة في فخ المطابقة ووهم التماثل. إن هذه العملية كما يوضح علي حرب "انخراط في العالم، وانفتاح على الكون، ونسج علاقة بالوجود يحقق من خلالها الإنسان ذاته بأنماط وإيقاعات مختلفة".

وحتى هذا النمط ينقسم إلى نوعين: نوع يعيش راهنه أو ثورة التغيير داخله، وهو "النوع السكوني"، إلا أنه لا يستطيع التخلص من مأزق المماثلة، نظرا لاحتمائه بعالم اليوتوبيا، مما يجعله في موضع المتأزم، فيقوم بخلق عوالم محايثة هروبا من واقعه.

وقد وجدنا، تقول الكاتبة، بعض المثقفين العرب من التزم جانب الصمت إزاء مشاهد التغيير اليومية، مما أوقعهم في الحياد القاتل للمعنى، "لأن كينونة الإنسان وصيرورته تستلزم التغيير لا التموقع داخل حدود السكون، وحتى إن التقت لحظتنا ببعض آرائه، نجدها بشكل هامس محتشم، إذ يعتمد المواربة والتلميح، وهذا ما يكاد يبعده عن مفهوم المثقف العضوي الذي تكلم عنه غرامشي، الفاعل بأفكاره، ليصبح أقرب إلى النموذج الأول، أي النموذج الاتباعي. أما النوع الثاني فهو النوع المتحرك، والذي اتبع خطاب الرفض الذي أنتجه التزاما وتحققا، ويظهر ذلك من خلال مواقفه ونضاله الدائم، حيث يحاول الخروج عن مفهوم المثقف التقليدي المنتج للثقافة أو المعرفة فقط، أي عن الإطار التنظيري، لينخرط في الإطار الإنجازي، وذلك  بتفعيل الفكر واقعيا".

لقد فقد المثقف العربي آنيا الفاعلية إذ روج لحالة التجزئة في المجتمع العربي، وأصبح برأي الكاتبة، يعيش على مشاريع طوباوية، حيث راكم جملة مفاهيم ومصطلحات مؤلهة، فأضفت حالته إلى نوع من الاغتراب أو الاعتزال عن الناس، بحكم ابتعاده عن مشاغلهم الحقيقية، وعدم قيامه بتجريد هذه المصطلحات من صفة القداسة والتعميم، والتعامل مع خللها بفوقية وتعالي.

وتستشهد الباحثة بغرامشي، والذي يحدد صورة المثقف باعتماده معايير قائمة على الوظيفة والمكانة الاجتماعية، إذ وضح بالنظر إلى هذه المعايير، "أنه ليس لكل إنسان في المجتمع وظيفة المثقف، واعتبر أن مفهوم المثقف يتحدد بالنظر إلى الوظيفة التي يقوم بها داخل مجتمعه، حينما يقوم بتمثيل طبقته الاجتماعية، فيرتبط بها عضويا من خلال نشر وعيها وتصورها عن العالم". لكن ألا يضفي ذلك إلى نوع من الارتباط الخاضع، إذ يتحول معه المجتمع إلى سلطة فاعلة، تؤثر على توجه المثقف وتحيله إلى نموذج منجز من قبلها، حامل لوعيها الخاص ؟

إن الإجابة عن هذا الإشكال يقتضي الحديث بكل موضوعية عن كون المثقف "هو السبب في تهميشه، وجعل المجتمع يتحول إلى سلطة مؤثرة، إذ في عالم اليوم لا يقدم المثقف العربي إضافة نوعية، من هنا يتحول إلى  مجرد مروج للأفكار  لا عنصرا فاعلا، ومن ثمة عليه الالتزام بكل القيم السائدة مهما حادت عن منطق الصواب، مادام المجتمع قد أجمع عليها. لذلك نراه يتحول إلى ناطق بما يريده المجتمع  الذي تكون مواقفه في معظم الأحيان خارجة عن حدود المنطق، ولا تنم عن بعد رؤى، وهذا ما يجعله أمام تحد كبير لأنه سيتحول إلى عدو إذا أراد ترويج نظرة مغايرة وستلصق بة كل النعوت من عمالة وخيانة".

* "المثقف العربي: الإمكان المفقود وراهن التغيير" غزلان هاشمي، نافذة "قرأت لكم"، 27 دجنبر 2012.

Vous pouvez partager ce contenu