Aller au contenu principal

قراءة في كتاب "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال" ليحيى اليحياوي

تقديــــــــــم

لا يطمح الباحث من خلال استقراء واقع ومكانة تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الوطن العربي في كتابه، إلى وضع إجابات لقضايا شائكة، قدر ما يتطلع إلى طرح إشكالية تأصيل هذه التكنولوجيا تأصيلا عربيا يُمكن الوطن العربي من اقتحام القرن المقبل، وقد عمل الباحث على بسط ومعالجة هذه الإشكالية في عدد من المحطات، خصصها للحديث عن ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال؛ وواقعها في الوطن العربي؛ ومسألة الغزو الإعلامي الذي يتعرض له الوطن العربي جراء تضخم التدفق الإعلامي؛ وأثاره على الثقافة العربية؛ بينما خصص المحطة الأخيرة لمناقشة مستقبل النظام العالمي الجديد للإعلام والاتصال؛ وآفاق بناء نظام عربي جديد.

  الجزء الأول :

بعد أن اتضحت قدرة الدول التي لا تملك في الوقت الراهن إمكانية الاستثمار في العلم والتكنولوجيا بموازاة مع مأسسة الحريات والاعتراف بالحقوق الفردية للمواطنين، تماشى هذا الطرح مع ثورة التكنولوجيا؛ حيث دخلت الدول الأوربية الكبرى مرحلة جديدة  من تطورها  انتشرت إبانها معتقدات جديدة؛ نظرا لوجود مجموعة من التحولات الجذرية مست مصادر إنتاج السلع والخدمات الناتجة عن الانفجار المهول في ميدان التكنولوجيا التي عرفتها الدول الغربية، والتي لازلنا نشاهدها منذ أكثر من عقدين من الزمن، وأكبر مؤشر على ذلك؛ هذا الانفجار الهائل الذي عرفته وسائل الإعلام والإيصال إن على مستوى التجهيز والمحتويات؛ أو على مستوى مساهمتها في الدخل القومي وخلق عدد ضخم من فرص العمل.

ونتيجة التلاقي الخصب بين العديد من الروافد العلمية والتكنولوجية، أطلق الفن "توفلر" على الاقتصاديات المعاصرة نعت الاقتصاديات الموغلة، لقد أدى تعميق التلاقي الخصب بثورة الإلكترونيات الدقيقة إلى اعتبار القرصنة إحدى السمات الرئيسية لتكنولوجيا الإعلام والاتصال.

لقد أدت هذه التحولات الكثيفة والمتسارعة لتكنولوجيا الإعلام والاتصال إلى فتح المجال أمام اقتصاديات العلم والمعرفة. إن اقتصاد الإعلام والاتصال مصطلح في اعتقاد الباحث يطابق نمط الإنتاج والاستهلاك الجديد وينحصر في النموذج الصناعي التقليدي الذي أفرز في الوقت الراهن ما يمكن تسميته بمجتمع الإعلام والاتصال، وهذا ما يؤشر على تسمية القرن المقبل بقرن الإعلام والاتصال، بسبب التحولات الكبرى، واتساع مجالات تطوره خاصة في مرحلة التسعينات وإنشاء مشاريع جديدة كالانترنيت والطرق السيارة للإعلام والاتصال، والتلفزة الرقمية وغيرها من الوسائل التكنولوجية الحديثة.

الجزء الثاني:

إن الحديث عن الخطاب التكنولوجي العربي أو بالأحرى الإشكالية التكنولوجية العربية يبدو للكثير ضربا من ضروب الخيال نظرا لانعدام منظومة خطاب عربي حول هذه المسألة وبالتالي عدم وجود استقلالية ذاتية فيما يتعلق بالتفكير بالقضية؛ على الرغم من الدور الحاسم الذي لعبه العرب في التقدم العلمي والتكنولوجي قبل الإسلام وبعده، ولقد بدأت بوادر الهوة العلمية والتكنولوجية تأخذ طريقها بين الغرب والعرب اعتبارا من القرن التاسع عشر، رغم محاولات بعض الزعماء للقضاء عليها، وفي مقدمتهم محمد علي في مصر؛ والأمير عبد القادر في الجزائر وغيرهم.

إلا أن الواقع ازداد تعقيدا خاصة بعد انحصار المشروع النهضوي العربي، بعدما واجهته  عدة عوامل تحبيطية خارجية: كالاستعمار من جهة؛ وهيمنة الشركاء المتعددة الجنسيات من جهة أخرى؛ التي سيطرت على الحكومات وأجهزة أخد القرار، وهذا ما دفع إلى الإبقاء على الهوة بين الدول المالكة للتكنولوجيا والأقطار العربية تزداد اتساعا، مع هذا الواقع المتردي أصبحت السوق العربية سوقا استهلاكية غير قادرة على المساهمة في بناء وإنتاج التكنولوجيا. إن القفزة العميقة في ميداني العلم والتكنولوجيا أصبح من المستحيل على الوطن العربي ملاحقتها، وانعكس ذلك سلبا على تبني تنمية ذاتية ومستقلة في طرائق البحث والتطوير.

إن اقتناء التكنولوجيا الحديثة في رأي الوطن العربي هي الحل الأنسب، بالاستعانة بالشركات المتعددة الجنسيات، ولا شك أن هذا النهج سيؤدي إلى شل العمل الذهني والعمل اليدوي في آن معا؛ لقد أصبح الإنسان العربي مفصولا عن عالم الإنتاج.

مجموع هذه العوامل لم تساهم في ظهور نظام تكنولوجي عربي متكامل، وهذا يبرر إخفاقات الخطاب السائد في الوطن العربي على المستوى التكنولوجي، بل أكثر من ذلك أدى إلى خلق تشوهات في البنيات السوسيواقتصادية: كاستنزاف مواردها الأولية من قبل الشركات الاحتكارية العالمية، التي عملت على استيراد تقنيات أو تكنولوجيا فارغة لم تساهم في الرفع من كفاءة الأنظمة الاقتصادية العربية، بل سرّعت في هبوط نسبة الدخل الوطني الإجمالي.

 أدت كل هذه العوامل إلى انحصار عملية التحديث والتنمية، وعمقت التبعية التكنولوجية. وأثرت سلبا على  القدرات التكنولوجية الذاتية المرتكزة على بنية تحتية قطرية للبحث العلمي والتكنولوجي؛ وعلى تأصيل العمل العربي المشترك في هذا الميدان، وأدت إلى عدم التركيز على الكفاءات البشرية العربية التي في غالب الأحيان ما تضطر لظروف سياسية واقتصادية للعمل في الغرب خاصة بالدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص.

ونظرا لغياب القدرة على وضع الإستراتيجيات التكنولوجية والعلمية في البلدان العربية واعتماد معظم السياسات القطرية على النقل الأعمى وتهميش الإبداعات الذاتية، وغياب الرؤية المستقبلية الموجهة، أدت هذه العوامل مجتمعة إلى عدم إستعاب منطق وطبيعة التحولات التكنولوجية التي يعيشها العالم نهاية هذا القرن والمعتمدة بالأساس على البحث والتطوير والتركيز على الكفاءات البشرية.

هذه الصورة المتردية للواقع العربي تمثلت أساسا في النزيف الضخم للعقول العربية واستقطابها في الشركات الغربية الكبرى، ومن تجليات هذه الهجرة ونحن على شرفة القرن الواحد والعشرين غياب أبسط شروط البحث والتطوير في المراكز والمؤسسات الجامعية.

الجزء الثالث:

إن أردنا الحديث عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الوطن العربي لا يمكن لنا عزلها عن جدلية الصراع والمنافسة وعن دينامية التطورات العلنية والتكنولوجية الراهنة، هذه المعطيات هي السبب الرئيسي في تهميش دول العالم الثالث ومنها على وجه الخصوص الدول العربية التي لم تظهر فيها في أحسن الأحوال صناعات أقل إستراتيجية، بل أصبحت أسواقا تكميلية للدول الغربية التي تمتلك السوق الدولي لتكنولوجيا الإعلام والاتصال، خاصة تلك الأقطاب الاقتصادية والصناعية الكبرى  التي تتنافس وتتقاسم السوق العالمية، وبالمقابل هُمش الدور العربي وأُبعد من المنافسة، وركنت السوق العربية إلى نقل ما وصل إليه الغرب باسم مسايرة التكنولوجيا.

إن الدوافع الرئيسية التي ساهمت في نجاح وهيمنة السوق الدولي لتكنولوجيا الإعلام والاتصال: قدرته على التوسع باستمرار خصوصا بعد التزاوج الإيجابي بين روافد هذه التكنولوجيا الثلاث أي الاتصالات والمعلوميات والسمعي البصري، وهي ظاهرة حتمتها ضغوط البحوث والتطوير الباهض التكلفة، وكذا ضرورة توسيع فضاءات الشركات لا على المستوى الجغرافي فحسب بل على اقتحام قطاعات أخرى ذات الطبيعة المتشابهة أو القريبة منها وحتى ذات الطبيعة المختلفة والمتباعدة لذا فرهانات سوق تكنولوجيا الإعلام والاتصال رهانات كونية ضخمة لا تقف عند الحدود الاقتصادية والتجارية المحضة، بل تتعداها بكثير إلى نظم العمل والتنظيم وإنتاج فائض القيمة الذي يبشر به القرن الحالي.

 وهكذا ورغم محاولة إقحام الوطن العربي وتبنيه هذه التكنولوجيا فهو لم يؤسس ولم يساهم في ابتكارها ولا في صنعها، وبالتالي فهو لم يتجاوز حدود النقل الأعمى، وهذا ما يوضح هيمنت الشركات المتعددة الجنسيات على أسواقه وتكريس غياب الرؤية الإستراتيجية والمستقبلية لدى صانع القرار، خصوصا وأن اقتناء التكنولوجيا لا يعبر دوما عن احتياجات هذه الدول ولا يعتبر أساس مسايرة العصر بل يعتبر سبيلا للعادات الاستهلاك لدى مواطني هذه الدول تمهيدا لغزو مجتمعاته.

لدى فالمسايرة الحقيقية تنطلق أساسا من الوعي بضرورة توطين التكنولوجيا عبر إعادة النظر في ظروف وشروط جلب هذه التقنيات والعمل على تأصيلها مع المناخ والتربة العربية، مع ضرورة الإيمان بأهمية البحث والتطوير في أفق تنمية القدرات والكفاءات العربية، وهي مسألة تحتاج إلى إرادة وقرار سياسي بالدرجة الأولى.

الجزء الرابع:

قبل الحديث عن فشل التجربة العربية للاتصالات الفضائية وبالأخص تجربة عرب سات، لابد من الحديث عن الإطار العام والظروف التاريخية لهذه التجربة، هذه الأخيرة التي لم تكن نقطة البدء في تعرف العرب على تكنولوجيا الاتصالات على اعتبار أن الدول العربية كانت من بين السباقين إلى أخد بتكنولوجيا الفضاء والاستفادة من توابعها:

كمشاركة هذه الدول في الاتحاد المالي الدولي للاتصالات الفضائية – الانتلسات نموذجا -وكانت الرغبة المبكرة للعرب نحو الفضاء راجع بالأساس إلى إشباع الاحتياجات الأساسية للاتصالات وجعله سبيلا لمواجهة البنى الأساسية ومرافق الاتصالات السلكية واللاسلكية، وفي هذا الاتجاه خلقت فكرة إطلاق قمر اصطناعي عربي والتي تم تكن في الواقع تعبيرا عن احتياجات لهذه الدول على الرغم من كونها أصبحت حقيقة، لكون الفكرة تأسست على أنقاض ظروف هزيمة 1967 وما أعقبها من نتائج سلبية على النفسية العربية، ومن هنا أتى قرار خلق المنظمة العربية للاتصالات الفضائية تعبيرا بضرورة رد الاعتبار للعرب من الناحية الحضارية والتكنولوجية بحيث اعتبر حمدي قنديل أن القرار الخاص بإطلاق قمر اصطناعي عربي هو قرار سياسي في المقام الأول… بل اعتبره أكثر من ذلك رغبة في تحقيق نوع من الاستقلال ولو المحدود في مجال التكنولوجيا، وذهب البعض إلى اعتباره مشروعا يسهم في دعم الثقافة العربية المشتركة من خلال بث وتبادل برامج التلفزيون.

 لكن رغم هذه الجهود فالمشروع ورغم الحماسة والإرادة التي مهدت له فقد رافقته صعوبات كبيرة، لا على المستوى الفني والمالي بل أكثر من ذلك إلى إهمال الجوانب الأساسية له وبالأخص إشكالية المضمون الإعلامي المزمع تمريره عبر الشبكة على الرغم من المحاولات الجادة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومما زاد في عوائق وتعقيد مهمة هذه الشبكة عدم تحمس جل الدول العربية على استغلال القناة الجماعية القوية الإشعاع والتي تمكن الإرسال المباشر بين هذه الدول نظرا لغياب المادة الإعلامية وانكماش السياسات الوطنية التي تتحمس للبرامج والمواد الإعلامية المبثوثة من أقمار صناعية أجنبية، وهذا ما يجسد مظهرا من مظاهر هدر الإمكانيات العربية، فالمشروع لم يحقق ولو بنسبة ضئيلة خدمة القضايا العربية والمشكلات الإعلامية والاتصالية، أضف إلى ذلك عدم تحقيق التكامل العربي المرجو والوحدة العربية، بل الأخطر من ذلك أن طموح المواطن العربي بخصوص هذه الشبكة كان أكثر بكثير من طاقتها، إضافة إلى المشكل الموضوعي المتمثل أساسا في تحديات التكنولوجيا الضخمة التي تعيشها تكنولوجيا الاتصالات الفضائية نتيجة التكاثر الهائل الذي بدأ يتميز به الفضاء الخارجي أثر الطفرة الكبرى التي بدأت تميز الأقمار الصناعية ذات البث المباشر، والمشكل الآخر ذاتي يتمثل بالأساس في قصور السياسات العربية إزاء القمر الصناعي العربي وفي انكماش هذه السياسات على اعتبار هذا المشروع مشروعا اقتصاديا، في الوقت الذي كان من الممكن تجسيد قضايا الوطن العربي المستقبلية وذلك بوضع إستراتيجية عربية تحدد موقفها من الأقمار الأجنبية والوقوف إلى إنجاح التجربة العربية، وبالتالي مواجهة ما أصبح يعرف بالغزو الإعلامي الأجنبي وعبره الغزو الثقافي المهول.

الجزء الخامس :

بعد التفاوت الحاصل في ميدان تكنولوجيا الإعلام، طرحت مسألة ما أصبح يعرف بالغزو الإعلامي بحيث أن دول العالم الثالث ومنها على وجه الخصوص البلدان العربية التي أصبحت معرضة لغزو شرس بواسطة وسائل الإعلام والاتصال مستهدفة بشكل كبير جماهيرها دون تمييز نتيجة تحكم الدول الصناعية في هذه الوسائل التي تمتلك فيها الإمكانيات الكافية في إنتاجها وتوجيهها التوجيه السلبي لهذه الشعوب العربية، أن هذا الاختلال الإعلامي يغطي كافة مجالات قطاع الإعلام والاتصال وقد زادت هذه الشراسة تزايدا مهولا في العقدين الأخيرين لا في أجهزتها فحسب، بل في مضامينها وهو ما أدى إلى التدفق الإعلامي في اتجاه واحد، ويعتبر انعكاسا جليا للبنية السياسية والاقتصادية السائدة في العالم، والتي تسير في اتجاه الإبقاء على اعتماد الدول الفقيرة على الدول الغنية وتقوية هذا الاعتماد كما هو حاصل في علاقاتها التجارية والصناعية، هذا التدفق الأحادي الجانب مكن الدول العظمى من احتكار مصادر المعلومات؛ وكذا وسائل إنتاجها وتخزينها، وهو ما فسرته بعض الدراسات الأكاديمية بالتبعية الإعلامية، وهي إستراتيجية نهجتها الدول الكبرى لغزو الدول العربية إعلاميا، ويتجلى ذلك واضحا في غياب تغطية قضايا الأمة العربية، وحتى إن عرضت في بعض الأحيان فإنها تتعرض للتحريف على المستوى الكيفي وتسير في الاتجاه الذي يخدم مصالح الساهرين عليها من دول وشركات متعددة الجنسيات.

وهذا التوسع العالمي الهائل للمعلومات من ناحية البث الإلكتروني وشبكات بنوك المعلومات هو ما ساهم في تكريس الآثار السلبية على الثقافات القومية، بسبب افتقار هذه الأخيرة للمادة الإعلامية، بل أيضا بالخصوص للبنى الأساسية المستخدمة في المادة الإعلامية. وما تجربة الشبكة العربية للاتصالات الفضائية إلا نموذجا عن ذلك، حيث يقول محمد الرم يحي: " أن ثورة الاتصالات قد أدت إلى عملقة الإعلام الدولي وتهميش الإعلام القومي الإقليمي"، وكنتيجة حتمية لما تكلمنا عنه سابقا فقد فقدت معظم دول العالم الثالث والدول العربية بوجه الخصوص وسائل الدفاع عن سيادتها ومعتقداتها خاصة وأنها لا تتوفر على المؤهلات التكنولوجية لمنع والوقوف في وجه المعلومات الواردة من الدول المتقدمة كالبث التلفزي المباشر والشبكات الإلكترونية والانترنيت…

والخلاصة أن هناك سلطة مطلقة لوسائل الإعلام والاتصال الغربية على الدول العربية ومرد ذلك إلى أسباب كثيرة أهمها امتلاك الدول المتقدمة لبنى إعلامية واتصالية ضخمة وتوفرها على إمكانات مادية وفنية كبيرة مع نجاحها في تكييف عوامل اللغة والجغرافيا والسياسة والمجتمع لصالح تمرير سلعها الإعلامية وذلك بغية توسيع فضاء سوقها والزيادة من مستوى الإعلامية.

وقد ساعد في تعميق هذا الاختلال وتكريس واقع الغزو الإعلامي تبني النخب الحاكمة لهذا المشروع وهي نخب غير متمسكة، ليس لها إرادة ولا غاية موحدة، إنها تعيش مستسلمة لقوى الخارج، وهذا ما أفرز نخبة مثقفة منصهرة في قيم الغرب وأنماط استهلاكه، وبالتالي انسلاخهم عن وظيفتهم الثقافية والإعلامية.

وأمام هذا الوضع ظهرت في الفكر إشكالات جديدة ومفاهيم تبين ما لهذه الحركة التكنولوجية العميقة من أثر وتأثير على حياة الفرد وأنماط إنتاج أفكاره وسلوكه وقيمه وإعادة إنتاج معتقداته ومكوناته الشخصية وموازاة مع ذلك ظهرت ما اصطلح عليه بالتبعية الثقافية والاغتراب الثقافي أو الاختراق الثقافي، ومرد ذلك إلى هيمنة وسائل الإعلام والاتصال الأجنبية إلى جانب شيوع إيديولوجية التدفق الحر للمادة الإعلامية، مما أدى إلى اختراق الثقافات الأدنى (ثقافات دول العالم العربي) من طرف الثقافات الأقوى (ثقافات الدول المتقدمة) وهذا ما عرض الشخصية العربية لموجة متضاربة من القيم أدت إلى انهيارها والى انفصام اجتماعي، وبالتالي إلى تبعية ثقافية عميقة، ستكون غير قادرة على مسايرة التكنولوجيا المتقدمة نتيجة إحساس الفرد العربي بالتمزق لأنه أصبح يعيش في عالم غربي عنه بثقافته التقليدية التي لا تستطيع أن تضمن حاجاته وعالم الثقافة الصناعية الحديثة التي تشعره في كل لحظة بالنقص لأنه يستهلك منتجاتها دون المساهمة في خلقها.

وأزمة الثقافة العربية هاته هي التي عمقت الغزو إن لم نقل مهدت له الطريق ومن تجلياتها ما تكرسه المادة الإعلامية والثقافية التي تبثها الأقمار الصناعية، وكذا المعلوماتية من برامج الأطفال، وطبيعة الأخبار ونوعيتها وهيمنة اللغة الأجنبية، الذي يعتبره البعض أمرا طبيعيا يقتضي مسايرة ثقافات العصر، وهو اعتراف ضمني بأزمة الثقافة العربية والتي لا يمكن النهوض بها إلا من خلال العمل على تقوية مناعتها لأن استقلاليتها لا تبدأ من مواجهة الآخر فحسب بل من مواجهة الأنا أيضا.

الجزء السادس:

 تطرح تكنولوجيا الإعلام والاتصال على الوطن العربي تحديات كبيرة خاصة على ضوء النظام الإعلامي العالمي الجديد أو في ظل النظام الدولي الجديد. إن النظام العالمي الجديد للإعلام والاتصال الذي طالبت به دول العالم الثالث في السبعينات، وتبنته اليونسكو إنما هو تقييم جاد وعميق لقضايا الاختلال والخلل في العلاقات الإعلامية الدولية.

لدى فأبعاد النظام الجديد نابعة من ضرورة تبني قواعد وأسس جديدة على عكس الممارسات الإعلامية التي سادت منذ "مرحلة الاستقلالات السياسية".

والمناداة بنظام عربي جديد نابع هو أيضا من المشروع نفسه ولكن مع تعميق أبعاده الإقليمية على اعتبار محورية مبدأ حق الخصوصية داخل النظام. وعلى الرغم من بروز هذين النظامين فإنهما لم يستطيعا النجاح في ظل وجود نظام مناقض لهما، وهذا ما أكده انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من اليونسكو.

 ومع انهيار الأنظمة الشيوعية وحرب الخليج الثانية وانتصار القيم اللبرالية ظهر نظام دولي أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الذي كرس من التدفق الحر للمادة الإعلامية والثقافية وبالتالي هيمنة مؤسسات الإعلام والاتصال العابرة للقارات وتهميش إعلام وثقافات دول العالم الثالث. ولا بد في ظل هذا الوضع أن تطرح الدول العربية نظام عربي للإعلام والاتصال برؤية عربية، وهذا ما يظن الكاتب أنه بعيد في الظروف الراهنة.

خاتمة:

يقف الكاتب في خاتمة كتابه على أن إشكالية بحثه تقتضي ست قضايا لا بد من التركيز عليها، تتمثل في:

-   أن الاقتصاديات والمجتمعات تعيش ثورة تكنولوجية ضخمة، وهي ثورة مأسست لما يسمى بالاقتصاديات اللامادية، وكرست للانفجار الإعلامي.

-   أن الوطن العربي غيب البعد الاستراتيجي للعلم والتكنولوجيا بحكم غياب الرؤيا عند النخب والنخب الحاكمة المتشربة والمتشبعة لثقافة الغرب.

-   أن ما اعتمده الوطن العربي من فلسفة إزاء التكنولوجيا عموما لم يكن له إلا أن يعتمد في تكنولوجيا الإعلام والاتصال: أي التضارب بين الخطاب والممارسة نحو اقتناء تكنولوجيا الغرب باسم أطروحة مسايرة العصر وتكنولوجيا العصر وهو تسارع من أجل اقتناء العتاد لا العلم والمعرفة.

-       إن التضارب الصارخ بين الخطاب والممارسة يجد مثاله في تجربة الشبكة العربية الفاشلة للاتصالات الفضائية.

-   أن أخطار الغزو الإعلامي والثقافي لا يمكن تفسيره بممارسات الشركات المتعددة الجنسيات وضغوط الدول الكبرى، بل أيضا بعدم تمكن العرب من بلورة مشروع مدقق وواضح.

-   أن الوعي بمستقبل الوطن العربي  يكمن في الوعي بالتحديات، وتحديد الرؤية الثاقبة لمواجهة الغزو الثقافي والإعلامي.

* "قراءة في كتاب الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال ليحيى اليحياوي"، موقع مقالي، 14 نونبر 2012.

Vous pouvez partager ce contenu