نشر الصحفي ألن ديفالبو مقالا بمجلة لوموند دبلوماتيك الشهرية، عدد غشت 2012، بعنوان "فن المشاريع الكبرى عديمة الجدوى"، قال فيه من ضمن ما قال: "إن المشاريع الكبرى لتهيئة التراب لا تستهدف دائما تلبية الحاجيات. فلبيع خط قطار فائق السرعة، حيث لن يستخدمه زبناء كثر، أو مشروع مطار بجهة ليست بحاجة إليه، فإن المهندسين والمنعشين العقاريين ومكاتب الدراسات تتصارع فيما بينها على خلفية من الدهاء والخطابة".
ويتابع الكاتب القول: "إن تبرير ما هو غير مجدي وغير نافع، أضحى ثقافة حقيقية، حيث من السهل فهم قواعدها وطقوسها والسياق الذي يضمن لها الوتيرة". إن لذلك رجاله وآلياته، حيث تشتغل اللوبيات بقوة، وتستنفر مكاتب الدراسات، حيث فن التحايل على الأرقام والمعطيات، لتبيان جدوى هذا المشروع الضخم أو ذاك، وحيث تستقطب النخب، بالجهات وبالمركز، للدفع بالمشروع، وحيث تصاغ تركيبة في التمويل تنهل من المال العام، لكنها لا تتوانى في اللجوء إلى القروض طويلة المدى لتغطية التكلفة.
إن مناسبة هذا الكلام لا ترتبط في ذهننا، بمدى جدوى تصميم وإقامة المشاريع الكبرى بالدول المتقدمة، سواء تعلق الأمر بمشاريع البنى التحتية الضخمة وباهظة التكلفة، أو بتلك التي قد لا تكون الحاجة إليها ملحة، أو لنقل بلغة الاختصاصيين، تكون جدواها الاقتصادية والاجتماعية غير مؤكدة.
إن مناسبة هذا الحديث إنما مبعثها النظر في مشروع خط القطار فائق السرعة الذي يعتزم المغرب إنشاءه للربط بين مدينتي الدار البيضاء وطنجة، أي المحور الجغرافي الذي يعتبر القلب النابض للمغرب الاقتصادي والتجاري والمالي.
والواقع أن المشروع، منذ اعتماده من مدة من لدن الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، لا يزال مثار أخذ ورد، لا بل ومجال مزايدة سياسية، حول جدواه وتوقيته وتكلفته، وحول ما قد يترتب عنه من أعباء دين كبرى على المديين المتوسط والبعيد.
لسنا ضد المشاريع الكبرى، لا سيما لو كانت مدرة للأرباح، منتجة للثروة وفرص الشغل. ولسنا ضدها لو كانت نجاعتها الاقتصادية والاجتماعية والترابية مبررة ومسوغة وثابتة.
لكننا لا يمكن أن نتبناها، فما بالك أن ندافع عنها، لو كانت خلفياتها مصلحية ضيقة، أعني تخدم هذه الجهة المتنفذة أو تلك، أو دوافعها شخصية صرفة، تحيل على الادعاء بالريادة، أو على غريزة الظهور بمظهر معين، أو الخلوص إلى ترويج الاعتقاد بأن ذلك يدخل في صميم سياسات عمومية تتغيأ تصريف تصور ما في إعداد التراب، أو في توزيع الثروة بين الأفراد والجماعات والمناطق الجغرافية.
إن الذي يبدو لنا، من مشروع هذا الخط السككي المنتظر، إنما كونه قد أخطأ الهدف حقا وحقيقة، وجانب الصواب والواقعية في توقيته، ناهيك عن كون جدواه غير مؤكدة، وأولويته غير ملحة:
+ فمشروع من هذا الحجم، لا سيما وهو ممول بدين خارجي ثقيل، لا يتساوق مع اقتصاد بلد متخلف (دع عنك عبارات "في طريق النمو" غير البريئة)، ولا يتماشى مع متطلبات اقتصاد لا تزال سماته الكبرى تتميز بالهشاشة وضعف الهيكلة، ناهيك عن تدني مستوى التنافسية الذي يطبعه في الداخل، كما في علاقات المتاجرة والتبادل مع الخارج.
صحيح أن زمن العولمة هو زمن السرعة بامتياز، لا بل إنه يستوجب بنى تحتية في النقل والمواصلات والاتصالات واسعة وناجعة. وصحيح أن الحركية والآنية باتتا عنصرا تنافسية بامتياز. لكن ذلك ينطبق على الصين وعلى الهند والبرازيل، دع عنك الدول الكبرى، فكيف السبيل لاستقراء مؤشراته في اقتصاد لا يزال يراهن على صادرات تراب الفوسفاط، والخضراوات الموسمية واليد العاملة البدائية، وما يدره مهاجرون بالخارج لا يتعدى دخل معظمهم الحد الأدنى للأجور ببلدان المقام؟
+ ومشروع من هذا الحجم يستوجب نسقية في البناء الاجتماعي، يكون مبدأ الحاجة فيه هو المحدد، لا التسليم بوجود ذات الحاجة والبناء على أساس أنها قائمة وكائنة، ومن ثمة اعتبارها معطى مضمونا.
إن الدخول في المغرب ضعيفة ومتدنية، لندع جانبا من لديهم المقدرة والقابلية، ولا يمكنها بالتالي أن تتجاوب مع مشروع من هذا القبيل، لا سيما وأن تسعيرته ستكون بمستوى ما سيتم جنيه لتغطية التكاليف في مدد زمنية محددة.
ثم إن المغربي المتوسط الذي لا يستطيع اقتناء خط سكك حديد عادي نظرا لتكلفته العالية، ناهيك عن مقصوراته المهترئة وعدم انضباط تواقيته، لا يستطيع أن يقتني قطارا ستكون بطاقة تسعيرته مرتفعة دون أدنى شك، والحاجة إليه غير مبررة بالجملة والتفصيل. إذ ما معنى أن "يربح" مواطن ساعة أو ساعتين، وهو الذي لا يعير كبير اهتمام للوقت، وليس لديه أدنى معرفة بما هو الموعد المحدد، أو بقيمة العمل في مجال المال والأعمال؟
+ ثم إن مشروعا من هذا القبيل لم يراع الأولويات، ولا أخذ بعين الاعتبار المطالب الملحة التي يعبر عنها المواطنون هنا وهناك.
المغاربة بحاجة إلى مستشفيات ومدارس وطرق ومشاريع منتجة للخيرات وموفرة لفرص الشغل. هم بحاجة إلى مدارس وجامعات في المستوى، وإلى مراكز بحوث وتطوير تفرز براءات في الاختراع والابتكار. إنهم في حاجة إلى من يعرف حاجياتهم، لا أن يتجاوز عليها تحت هذا الاعتبار و ذاك.
* "فن المشاريع الكبرى عديمة الجدوى"، 12 نونبر 2012. جريدة المساء، 30 نونبر 2012.