Aller au contenu principal

أزمة البحث العلمي والتنمية

فهد العرابي الحارثي، مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام، الرياض، 2012، 46 ص.

ببداية هذه الدراسة، ومن باب وضع السياق، يقول الكاتب: إن "التقدم الهائل السريع الذي يشهده العالم اليوم له أسباب كثيرة، يقف في مقدمتها الاهتمام الشديد بالبحث العلمي. ففي الوقت الذي تقف فيه المشروعات العربية، في مجال البحث والتطوير، عند عتبة الدعاية البعيدة عن جدية الإنجاز، أو عند باب الترف الأكاديمي فحسب، نجد أن دول العالم المتقدم تكرس الكثير والوفير من إمكاناتها لدعم البحث والتجارب العلمية المختلفة من أجل التطوير، ومن أجل مستقبل أكثر ثباتا".

إن العالم، يقول الكاتب، ينفق حوالي 2.1 بالمائة من مجمل دخله الوطني على مجالات البحث العلمي، أي ما يساوي حوالي 536 بليون دولار. ويعمل في مؤسسات البحث العلمي في العالم ما يقارب 3.4 مليون باحث، أي بمعدل 1.3 باحث لكل ألف من القوى العاملة.

ويقدر إنفاق الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والاتحاد الأوروبي على البحث والتطوير بما يقارب 417 بليون دولار، وهو "ما يتجاوز ثلاثة أرباع إجمالي الإنفاق العالمي بأسره على البحث العلمي. والولايات المتحدة وحدها تنفق سنويا على البحث العلمي أكثر من 168 بليون دولار، أي حوالي 32 بالمائة من مجمل ما ينفق العالم كله. وتأتي اليابان بعد الولايات المتحدة ب 130 بليون دولار، أي ما يوازي أكثر من 24بالمائة من إنفاق دول العالم. ثم يتوالى بعد ذلك ترتيب دول العالم المتقدم: ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، كندا، ليكون مجموع ما تنفقه الدول السبع أكثر من 420 بليون دولار. ففي هذه الدول السبع مليونان و265 ألف باحث، يمثلون أكثر من 66بالمائة من مجموع الباحثين في العالم، ويكلف كل باحث منهم حوالي 185 ألف دولار في السنة".

 وتتصدر الدول الاسكندنافية قائمة الدول الأوروبية الداعمة للبحث والابتكارات، وذلك بالنسبة إلى نواتجها القومية، حيث النسب التي خصصتها تلك الدول للبحث والتطوير كالتالي: السويد 4.27 بالمائة، فنلندا 3.51 بالمائة والدانمارك 2.6 بالمائة.

 وقد بلغت ميزانية الاتحاد الأوربي للبحث  العلمي خلال الفترة من 2007 إلى 2010، حوالي 300 بليون يورو.

 وتولي دول جنوب وشرق آسيا أهمية متزايدة للبحث والتطوير. فقد رفعت كوريا الجنوبية نسبة إنفاقها على البحث والتطوير من 0.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1980 إلى 2.89 بالمائة في العام 1997، "ووجهت اهتمامها نحو الإلكترونيات، وعلوم البحار والمحيطات، وتقنيات البيئة، وتقنيات المعلومات، وأدوات التقييس، والمواد الجديدة، وعلوم الفضاء والطيران".

 وقد ارتفعت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في الصين مؤخرا إلى ما يقرب من 2.5 بالمائة من إجمالي الإنفاق القومي، حيث بلغت ميزانية الصين للبحث العلمي ما يقرب من 136 مليار دولار، في الوقت الذي لم تتجاوز فيه هذه الميزانية 30مليار دولار فقط في العام 2005.

  أما باقي دول العالم (ومنهم طبعا العرب)، "فلا يتجاوز إنفاقهم على البحث العلمي أكثر من 116 بليون دولار. وهذا المبلغ ليس لأمة العرب فيه سوى 535 مليون دولار ليس غير، أي ما يساوي 11 في الألف من الدخل القومي لتلك البقية من العالم".

وتبين الإحصاءات المتوفرة أن معظم الدول العربية لا تمنح البحث العلمي نسبة كبيرة تذكر، حيث المعطيات كالتالي: الإمارات 0.6 بالمائة، الكويت 0.2 بالمائة، الأردن 0.3 بالمائة، تونس 0.3 بالمائة، سوريا 00.2 بالمائة، ومصر  0.2 بالمائة. كما أن جملة الباحثين في الوطن العربي هم أقل من 16 ألف باحث، وتكلفة الباحث الواحد في السنة لا تتعدى 36 ألف دولار.

 أما إسرائيل فقد أنفقت على البحث العلمي حوالي 9 مليار دولار سنة 2008، وهو ما يوازي 4.7 بالمائة من إنتاجها القومي. و"تفيد المصادر بوجود حوالي 90 ألف عالم ومهندس في إسرائيل، يعملون في البحث العلمي وتصنيع التكنولوجيا المتقدمة، خاصة الإليكترونيات الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية. وتقدر تكلفة الباحث الواحد 162 ألف دولار في السنة (أي أكثر من أربعة أضعاف تكلفة الباحث العربي)".

وبالمجمل يبلغ إنفاق الدول العربية (مجتمعة) على البحث العلمي والتطوير تقريبا نصف ما تنفقه إسرائيل، على الرغم من أن الناتج القومي العربي يبلغ 11ضعفا للناتج القومي في إسرائيل، والمساحة هي 649 ضعفا.

وتحتل إسرائيل المرتبة الأولى عالميا من حيث نصيب الفرد من الإنفاق على البحث العلمي، وجاءت بعدها الولايات المتحدة الأمريكية ثم اليابان، أما الدول العربية، في هذا المجال من المقارنة، فهي مائة مرة أقل من إسرائيل.

 وبالنظر إلى نسبة الإنفاق على البحث العلمي، من حيث الدخل القومي، فإن إسرائيل تتساوى في الصرف على البحث العلمي مع اليابان والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا.

ويؤكد الكاتب أن أحد أهم نقاط الضعف في الاهتمام بالبحث العلمي عند العرب "تتمثل في أن مسؤوليته ظلت مقصورة على الحكومات. فهي المصدر الرئيس للتمويل طيلة السنوات الخمسين الماضية.  والقطاع الخاص في الدول العربية لا يساهم بأكثر مــن 10 بالمائة مـــن نفقات البحث العلمي والتطوير التقنـي، أما 90 بالمائة الباقية فتقع على عاتق القطاع الحكومي وهي، في الوقت ذاته، عرضه للهدر، بسبب ما عرف عن إدارة الحكومات من الترهل الإداري، وسيطرة الإجراءات البيروقراطية". 

  وتفتقر البلدان العربية بصورة عامة، إلى سياسة علمية وتكنولوجية محددة المعالم والأهداف والوسائل. و"ليس لديها ما يسمى بصناعة المعلومات، ولا توجد شبكات للمعلومات وأجهزة للتنسيق بين المؤسسات والمراكز البحثية، وليست هناك صناديق متخصصة بتمويل الأبحاث والتطوير".

 ويستشهد الكات بأحمد زويل في كتابه "عصر العلم"، أن نسبة الأوراق العلمية المقدمة من الجامعات العربية لا تتعدى 0.0003 بالمائة من مجموع الأبحاث المحكمة التي تقدمها جامعات العالم.

ويذكر أنه لا توجد في الوطن العربي قاعدة بيانات عربية عن النشاط العلمي، ولا عن المعاهد أو المراكز التي تجري البحث العلمي، وليست هناك وسائل فعالة لنقل الخبرة ونتائج البحوث إلى المؤسسات الصناعية، أو مكاتب الاستشارات.. إلخ.

 وقد أعاد الكاتب، اعتمادا على ما ذهب إليه بعض الباحثين، أعاد ضعف إنتاجية الباحثين العرب إلى أسباب كثيرة، منها:

1) عدم قناعة معظم الحكومات العربية بجدوى الأبحاث العلمية في رفع مستوى الإنتاجية، والدخل القومي ودخل الفرد.

2) عزوف القطاع الخاص بشكل شبه كامل، عن إجراء البحوث العلمية، وعدم الإيمان أو الثقة بجدوى البحث العلمي في دعم الإنتاج وتطوير الاقتصاد والحياة الاجتماعية.

3) ضعف دخل الباحث مقارنة بغيره ممن يعملون في التجارة أو إدارة الأعمال أو في الصناعة أو الخدمات.

4) عدم توافر التجهيزات والوسائل العلمية الجيدة والمتطورة في مراكز البحوث والجامعات في أكثر الدول العربية، كما أن المتوفر منها لا يفاد منه بالشكل المطلوب أو المتوخى.

5) عدم وجود استراتيجيات أو سياسات لمعظم الدول العربية في مجال البحث العلمي.

6) هجرة العلماء العرب إلى الخارج.

أما فيما يتصل بالجامعات العربية، يتابع الكاتب، "فإن حصتها فيما ينفق على البحث العلمي والتطوير، لا تتجاوز 30 بالمائة من ذلك الإنفاق، وهي نسبة ضعيفة بل هي هزيلة جدا، مقارنة بما تحصل عليه مثلا جامعة بيركلي الأمريكية لفروعها التسعة من حكومة ولاية كاليفورنيا مقابل خدماتها البحثية، إذ تحصل هذه الجامعة على ستة أضعاف ما ينفقه العرب على التعليم العالي بمجمله في كل الجامعات العربية".

من جهة أخرى، يشكل إنفاق الشركات العالمية الألف الأولى، المنفقة على البحث العلمي في أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان، 95 بالمائة من الإنفاق الإجمالي على البحث العلمي.

وقد وسعت الشركات الأمريكية رقعة صدارتها في البحث والتطوير، فأنفقت 4.8 بالمائة من المبيعات على البحث والتطوير، مقارنة بنسبة 4.6 بالمائة في العام 2006، بينما أنفقت الشركات اليابانية 3.7 بالمائة من المبيعات، والشركات الأوروبية 3.4 بالمائة.

وتقدر الإحصاءات المتوفرة أن الشركات المبتكرة الألف الأولى "ساهمت في 84 بالمائة من الإنفاق العالمي الإجمالي للشركات على البحث والتطوير، البالغ 540 مليار دولار، و52 بالمائة من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير البالغ 879 مليار دولار، بما في ذلك الإنفاق الحكومي، وإنفاق المؤسسات التي لا تتوخى الربح في هذا المجال. وأكثر من ثلثي الإنفاق الإجمالي لعام 2006 تركز على ثلاثة قطاعات فقط: المعلوماتية والإلكترونيات 29 بالمائة، الصحة 22بالمائة، والسيارات 17 بالمائة".

وبناء عليه، يخلص الكاتب إلى القول بأنه "لابد من إعادة النظر في التعامل مع مؤسسات البحث العلمي، في بلاد العرب، فنبدأ بتصحيح مفهومنا للبحث العلمي، ونضع هذا المفهوم في سياق العصر الذي نشاهد، كل لحظة، جموحه، ونواجه، في كل منعطف، الكم الكبير من تحدياته وإغواءاته".

 إن العلم لم يعد مجرد اختزان آلي للمعلومات، يؤكد الكاتب، بل هو إعادة إنتاج ما نختزن، في شكل عطاءات ومساهمات، من شأنها أن تدفع إلى تحسين مستوى الحياة.

إن الجامعات في العالم العربي، بتقصير منها في أداء مهماتها، أو لعدم حصولها على الدعم اللازم في مجالات البحث، لا تتنبه، يقول الكاتب، "لحاجات مجتمعاتها المحلية، ولا تهتم بقضاياها الداخلية الملحة التي ترقى، في معظم الأحيان، إلى مستوى الأمن القومي الداخلي. وعلى سبيل المثال فإن 57 بالمائة من المياه المحلاة في العالم توجد هنا في منطقة الخليج، ولكن على الرغم من ذلك، فإن دول الخليج ليس لديها أبحاث ذات قيمة في هذا الموضوع. ومثال آخر: فإن دول الخليج من أكبر دول العالم إنتاجا للنفط والغاز الطبيعي، ولكن ليس لديها أبحاث ذات بال في مجال البتروكيماويات".

* "أزمة البحث العلمي والتنمية"، فهد العرابي الحارثي، نافذة "قرأت لكم"، 4 أكتوبر 2012.

Vous pouvez partager ce contenu