بمقالين لي سابقين، عن "الغرب المنسي" و "الغرب الذي في خاطري"، تحدثت عن ثلاثة أمور جوهرية، لن أمل بالمرة في سردها وتكرارها، على الأقل من باب التذكير:
+ قلت بأن الغرب الذي في خاطري هو غرب منسي، متروك لقدره، غير مدرج في سلم الاهتمامات، فما بالك بالأولويات، متبرم عنه عندما يطاله الجفاف أو تضربه الفيضانات، جراء سد ظالم لا يجد توازنه إلا في جرف البشر والشجر والحجر من حوله. وهو غرب مادة للابتزاز والجباية بامتياز، لا سيما عندما تكون الغلة معتبرة، والحصاد الفلاحي وافرا وفي قمته.
+ وقلت بأن الغرب المنسي، والذي في خاطري أيضا، هو الذي لا يؤتى على ذكره إلا بفترة الحملات الانتخابية، فتبتزه عصابات جاهلة وأباطرة في المال الحرام، ورواد في الفساد والريع، بمجرد إدراكهم لمبتغياتهم بعد مغازلة ونفاق، يتركونه لحاله، يواجه لوحده جبروت الطبيعة وظلم أولي الأمر.
+ وقلت بأن دليلي في الادعاء بأن الغرب منسي حقا وحقيقة، إنما عدم اكتراث السلطات العمومية ببرمجة مشاريع تنموية بالمنطقة، وعدم الالتفات إليها زمن المحن، بالجفاف وبالفيضانات المتتالية، وعدم إدراج عمليات في الاستثمار معتبرة، تستوجب تنقل رئيس الدولة للإشراف عل انطلاقتها، أو مباشرة الأعمال بها خدمة للمنطقة ولأبنائها.
لا أزعم بالقطع أن تدشين الملك لمشاريع مهمة بمدينة القنيطرة أواسط هذا الشهر، شهر شتنبر من العام 2012، قد جاء في أعقاب المقالين أو على محكهما. فهذا استخلاص أستبعده بالجملة والتفصيل، لا بل وإن استبد بي غرور الاعتقاد به، فسيكون من لدني جهلا مطبقا بآليات اشتغال المخزن في المغرب.
لكني أزعم، جدلا ليس إلا، أنه لو كان التحرك الملكي بجهة مدينة القنيطرة مترتبا عن اطلاع ما على مضمون المقالين (وهذا أمر وارد إلى حد ما، على الأقل من باب الاحتمال)، فإني أقول بأنهما قد زاغا عن هدفيهما، أو لم يفهما الفهم الصحيح الذي قصدت:
+ فالغرب الذي تحدثت فيه وعنه، لا يمكن أن يختزل في مدينة القنيطرة، على أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، تماما كما لا يمكن اختزاله في مدينة سيدي سليمان أو سوق الأربعاء الغرب أو سيدي قاسم، على محوريتهم ومركزيتهم بالمنطقة.
إن الغرب الذي أقصد، والذي أطالب بإنصافه، إنما هو المنطقة الممتدة من القنيطرة وأحواشها، والمشارفة على اللوكوس شمالا وهضاب سايس غربا، بمدنها بالتأكيد، لكن وتحديدا بقراها ودواويرها، بحقولها الفلاحية التقليدية كما العصرية على حد سواء.
هذا الغرب المابين المدن والحواضر هو الذي أقصد والذي في خاطري، لأنه هو مكمن الضيم والظلم واللامبالاة. إنه غرب العوائل الفقيرة المعدمة، التي لا تحتكم إلى البنى التحية التي تقيها شر الطبيعة، ولا تجد من بين ظهرانيها المرافق الاجتماعية التي تحميها من المرض والفقر والفاقة وضيق اليد يوم السوق (السوق الأسبوعي أقصد).
إنه غرب الشباب العاطل أو المستغل بضيعات إقطاعيين لا علاقة لهم بعالم الفلاحة، بل استصدروا لفائدتهم المساحات الفلاحية الشاسعة، في غفلة من الدولة أو بتواطء مع مصالحها، أو اغتصبوها من أهلها ظلما وعدوانا، وتملكوها ضدا على أصحابها الأصليين بقوة النار والحديد.
إنه الغرب الذي يتم تجريف وتجفيف مقالعه في الرمال، واستنزاف معادنه جهارة وأمام الملأ، ويتم الاستهتار بمقوماته الطبيعية، في فلاحات دخيلة وهجينة، على حساب حقول الحوامض والزيتون والكروم التي برع المعمر في استنباتها، فغدت لعقود طويلة خاصية المنطقة استثمارا وجودة إنتاج.
ثم إن الغرب الذي أقصد هو ذاك الغرب الذي شوه معالمه "مستثمرون" دخلاء، يتاجرون في القمح الفاسد، وفي الأسمدة منتهية الصلاحية، وفي الزيت والسكر بالكوطا، لا بل والذين باتوا أعيانا من وجهة النظر الاجتماعية الصرفة، بعدما حولوا علياء القوم إلى خدم وحشم وقوادة وسماسرة.
ثم هو الغرب الذي أفرز نخبا متنورة على طول العصور، لكنها إما تنكرت لأصلها وحسبها، أو انشغلت عن أهلها بالمنطقة، أو تواطأت مع نخب لقيطة خضعت لعملية إنزال من عل، فعاثت فسادا دون حياء، وحولت المنطقة إلى ضيعة خاصة، قد يتعذر حقا استئصال نفوذها أو الحد من جشعها.
إن كل هذا هو الغرب الذي قصدت بالمقالين، وليس مدينة القنيطرة أو ما سواها من مدن الغرب، المهمشة والمحطمة والمنكسرة والمنفلتة من دورة التاريخ.
وعليه، فعندما سأرى أو أسمع بأن رئيس الدولة قد زار هذا الدوار أو ذاك بالغرب، دع عنك المدن والقرى التي يتوقف عندها الموكب الرسمي أو يخترقها، حينها سأطمئن حقا وأدرك بقوة أن للكلمة تأثير، لأن لها أثرا على الأرض، لا على الورق فحسب.
* "الغرب المحروم الذي أقصد"، هسبريس، 4 أكتوبر 2012.
https://www.hespress.com/%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%a3%d9%82%d8%b5%d8%af-102749.html