Aller au contenu principal

الحقيقة والسلطة

عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، مارس 2012، 31 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: " تقسم ظاهرة التسريب إلى تسريبات مقصودة من داخل المؤسسة، وهي تنتج جدلية سلبية في تعامل المواطن مع السياسة، وتسريبات على شكل فضائح ناجمة عن وظيفة مؤسسة الإعلام، وعن التوازن بينها وبين المؤسسة السياسية. ثم التسريبات النقدية، الناجمة عن فاعل منشق أو من خارج المؤسسة، ويكون في العادة مدفوعا بدوافع خارجة عن علاقات إعادة إنتاج المؤسسة الإعلامية والسياسية".

ويلاحظ المؤلف أن الحق في الوصول إلى المعلومة ذات العلاقة بالشأن العام، تتصدر "قائمة الحقوق التي يقوم عليها الحق في حرية الرأي والحق في التعبير والحق في المشاركة. وهذا الحق هو أهم الحقوق السياسية في النظام الديموقراطي، ولكن قلة من الدول الديموقراطية شرعت فعلا حق الوصول إلى المعلومات، مع أن مؤسسة السرية والسرية المقوننة، هما من نتاج تطوير النظام الديموقراطي في مقابل حق المواطن في المعرفة...في حين أن الأنظمة الديكتاتورية غالبا ما تعتبر السرية جزءا من تعريف النظام. فهو الذي يجب أن يعلم ويعرف ويفكر نيابة عن الشعب، ولا حاجة في هذه الحال إلى تحديد السرية لأنها هي القاعدة، في حين أن العلنية هي ما اختار النظام أن يعلنه".

من هنا، يتابع الكاتب، نجد قطبان للعملية: احتكار المعلومة كنوع من احتكار القوة والسلطة، ثم الحق في المعرفة. وتتوسط بينهما "عناصر عدة مثل الرقابة على النشر، وتصنيف المعلومات كمواد سرية، والشفافية المنظمة قانونيا".

ويزعم الكاتب أنه مهما منح المواطن من حقوق الرقابة على ما تقوم به السلطة، " فقد ظل برج المراقبة الذي تقبع فيه السلطة، أعلى وأكثر إشرافا واستدارة وبانورامية...وظل حجب المعلومة أداة أساسية في صنع السياسات الذي يتم من دون موافقة الرأي العام، وأداة في تنفيذ خطوات غير شعبية، أو أداة للقيام بخطوات لا تتلاءم مع برامج الحكومات، أو حتى للكذب الصريح، في إطار تبريري سمي الأمن القومي"، باعتبار هذا الأخير "مسألة خاصة"، توجد فوق الحقوق والقوانين الدنيوية.

ولعل ما يضفي على العملية مزيدا من الضبابية، هو طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة، حيث تتضمن هذه العلاقة "خدمات متبادلة، منها أن يخدم السياسي أو صاحب السلطة الإعلام بمنحه خبرا، وأن يخدم الإعلام السلطة بحجب خبرها، أو بتمرير معلومة كاذبة ترغب السلطة في إيصالها إلى المتلقي".

إن حجب معلومة أو تمرير معلومة خاطئة أو كاذبة، تكون الغاية منها تبرير موقف، أو تسويغ قرار، أو كسب الرأي العام، بإزاء هذه القضية أو تلك.

ويلاحظ الكاتب أن التسريب يولد "كجزء من عملية التحكم في الرأي العام، أو كنوع من الفضح المتبادل للخصوم السياسيين من داخل المؤسسة الحاكمة، كما ينشأ التسريب، خارج هذه السياق، في إطار الصراع ضد الحكومات...كعملية فضح للتناقض بين القول والفعل في إطار توعية الجماهير بمصالحها".

التسريب هنا إنما يعتبر إحدى آليات الحكم، "لأن دافع التسريب هو تنفيذ أجندة سياسية مخالفة، أو تسجيل نقاط في الصراع داخل المؤسسة، وليس الوصول إلى الحقيقة، ولا تحقيق الشفافية".

في مثل هذا السياق، ينشأ الشك في السياسة والسياسيين. ومن مظاهره عزوف الناس عن السياسة، واعتبارها لعبة قوة ومصالح في أفضل الحالات". كما "ينشأ أيضا التشكيك في الوقائع، وينشأ الموقف الريبي، ليس من الحقيقة وحدها، بل من مجرد السعي لمعرفة الحقائق أيضا".

ويعطي المؤلف نماذج من هذه الحالات، فيذكر بنشر صحيفة "نيويورك تايمز" لوثائق فضحت إدارة جونسون، وكذبها على جمهورها وعلى الكونغرس، بغرض إطالة أمد التدخل الأمريكي بفيتنام.

ويذكر أيضا بفضيحة تنصت الرئيس الأمريكي نيكسون على منافسيه السياسيين، والتي ثوت خلفها صحيفة واشنطن بوسط، وأطاحت بالرئيس قبلما ينهي ولايته الرئاسة.

من هنا يرى الكاتب بعض تجليات العلاقة الجدلية بين المؤسسات الإعلامية الكبرى وبين المؤسسة الحاكمة.

وعلى الرغم من التوتر ("الجدلية الإيجابية"، بمنطوق الكاتب)، بين المستويين، فإنهما غالبا ما يتفقان على فضاء يجمعهما، لا سيما في ظل مقولة "المصلحة الوطنية العليا".

ويصل الكاتب إلى محصلة أساس مفادها نسبية الحقائق الناجمة عن التسريبات، وأن "إغراق الناس بالمعلومات والترويج لنسبية الحقائق، هو الشكل الجديد لاحتكار المؤسسة السياسية الحقيقة. وهي أداة كبرى في تجنيد الرأي العام وتحشيده لأهداف محددة، وفي زيادة وزن الإثارة والمشهد، على حساب المعلومة والمضمون".

* "الحقيقة والسلطة"، عزمي بشارة، نافذة "قرأت لكم"، 6 شتنبر 2012.

Vous pouvez partager ce contenu