Aller au contenu principal

الإسلاميون وربيع الثورات

نواف بن عبد الرحمان القديمي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، أبريل 2012، 60 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: ربما يكون "الإرباك الفكري الذي أحدثته الثورات العربية، على الرغم من مرور عام على بدايتها، سببا في تأخر صدور أطروحات رصينة تناقش أسباب هذا التغيير الجذري، والكيفية التي نشأت خلالها لحظة الانفجار ومسارات التحول في الدول الثورية، والمستقبل السياسي لهذه الثورات".

ويتابع: لقد "ساهم التدفق الكثيف للمعلومات والأخبار في تقليص مساحة التفكير والتأمل في هذه التحولات. لكن مستقبل الإنتاج البحثي يشي بأن الاهتمام سيتزايد بهذا الحدث على مستوى التحليل والرصد والتفكيك والاستيعاب، باعتباره منعطفا تاريخيا غير مسبوق في العالم العربي".

من جهة أخرى، يرى الكاتب أن الفعل الثوري إنما يأتي كنتيجة طبيعية لانسداد شرايين الإصلاح السياسي، ولكن "الثورة، بحكم أنها تغيير جذري، لا تكفي لبناء دولة ديموقراطية، دون وجود الحد الأدنى من الفكر المدني في المجتمع، ودون تمدن الشريحة الكبرى في الحالة الإسلامية"، على اعتبار أن هذه الأخيرة تتبنى أفكارا تتضاد مع الفكر المدني لأسباب اجتماعية أو شرعية، كرفض القبول بالديموقراطية وبالمجتمع المدني وبالتعددية الإثنية والدينية والإيديولوجية.

ويلاحظ الكاتب "أنه لا يمكن الحديث عن كتلة واحدة إسمها إسلاميون، كي نقيس بعدها طبيعة موقفها من الثورات العربية. فثمة مساحة واسعة من التباينات الفكرية والسياسية في الفضاء الإسلامي، وهناك تيارات وجماعات وأحزاب تقع على مسطرة المحافظة في موقع الوسط واليسار (الإخوان وما بعد الإخوان) ولها موقف يتمايز عن موقف الإسلاميين المحافظين (التيارات السلفية بأطيافها)".

ويزعم الكاتب أن تاريخ التماس بين النظام الديموقراطي والفكر الإسلامي قديم نسبيا، على الأقل منذ أولى البعثات الطلابية إلى أوروبا، ثم حقبة الاستعمارات، حيث تم القبول بالنظام الديموقراطي الغربي، في صورته النيابية على وجه التحديد. لكن، "هذا القبول الضمني بالنظام النيابي الديموقراطي في تلك المرحلة المبكرة، لم ينتج عنه تنظير فقهي وفكري واسع لطبيعة علاقة النظام الديموقراطي بالشريعة".

أما الذين يرفضون النظام الديموقراطي حديثا وبالزمن الحاضر، فلكونهم يعتبرون أن الديموقراطية نظام غربي "لا علاقة له بتراثنا السياسي الإسلامي". وأن هذا المنتج "يقوم أساسا على مبدأ حكم الشعب، في حين أن الحكم في الإسلام هو للشريعة وليس للشعب".

ويعتبرون أيضا أن الديموقراطية "تجعل القرار واختيار الحاكم رهين الناس (العالم، والجاهل، وأهل الصلاح، وأهل الأهواء، والمبتدعة على حد السواء)، وفي النظام الإسلامي، يجب أن يكون القرار رهين أهل الحل والعقد".

أما عن موقف الإسلاميين من الربيع العربي، فيميز المؤلف فيه بين جماعات الإخوان وما بعد الإخوان، ثم الجماعات السلفية الخالصة.

بالنسبة للمجموعة الأولى، يرى الكاتب أن طبيعة تكونها وإيمانها بالإصلاح المتدرج، جعلها تصمد بوجه استبداد السلطة، لكن دونما لجوء للعنف، مما جعلها تمتص بيسر تبعات القمع السياسي...لكنها لم تبدو قادرة على المبادرة زمن التغيير، وتنتابها حالة من التردد والارتباك، في تعاطيها مع لحظات اشتعال الحدث الثوري.

ففي مصر مثلا، يلاحظ الكاتب أن موقف الإخوان من إعلان 25 يناير شابه كثير من الاضطراب والتردد. "فصدرت عنها تصريحات شفهية تتحفظ على المشاركة، وأخرى تعلن أن الجماعة لم تتلق دعوة إلى المشاركة، وأنها ما زالت تدرس الوضع، وثالثة تعلن أن المشاركة ستكون عبر بعض القيادات، وأنها لن تمنع شباب الجماعة من النزول إلى التظاهر، أي أنها أيضا لن تطلب منهم المشاركة)".

وحتى في بياناتها التي سبقت أو تزامنت مع يوم الغضب، فإن الجماعة اكتفت بالإشارة إلى ما وقع بتونس، مطالبة النظام بالإصلاح وإلغاء حالة الطوارئ وحل مجلس الشعب... وهكذا. لكنها لم تذهب لحد المطالبة بإسقاط النظام وذهاب الرئيس، كما كان يرفع بساحة التحرير.

وعندما سقط النظام، استطاعت الجماعة أن تتدارك ترددها واضطرابها، وتبدأ في تحديد أولوياتها. وهذا يدل، برأي الكاتب، على أن "الجماعة تملك القدرة على التماسك في لحظات الابتلاء والمحن، أكثر مما تستطيعه في لحظات الانفتاح والحرية".

أما في اليمن، فتحظى "الحركة الإسلامية المتمثلة في التجمع اليمني للإصلاح نسبيا، بمساحة أكبر للعمل والانتشار، إذا ما قورنت بالمساحة المتاحة للحركات الإسلامية في الدول الأخرى". ثم إن أعضاء من التجمع كانوا لسنين طويلة في السلطة، والحزب أيضا يعتبر من أكبر القوى السياسية داخل "اللقاء المشترك" المعارض.

لذلك فقد كانت مطالبه إصلاحية مع التشديد على ذهاب الرئيس عند انتهاء ولايته، وعدم تزكية التوريث للسلطة. ومع أن تجمع الإصلاح قد أسس دعامة قوية للثورة، فإن مطالبه لم ترق إلى مطالب الشارع، حيث قبل بتولي نائب الرئيس للسلطة إلى حين إجراء الانتخابات، في حين رفض شباب الثورة أن يبقى أحد من رموز النظام السابق.

أما في المغرب، فقد شهد حزب العدالة والتنمية انقساما داخليا حادا بين من رفض التظاهر مع شباب 20 فبراير، وضمنهم أمين عام الحزب، وبين من طالب بالمشاركة، في حين فضل آخرون لغة الصمت. ولما كان قرار عدم المشاركة قرارا فرديا تبناه الأمين العام دون الرجوع إلى المجلس الوطني، فقد قرر قياديون من أمثال مصطفى الرميد والحبيب الشواني وحامي الدين، وهم وجوه معتبرة بالحزب، قرروا المشاركة، لا بل قدموا استقالاتهم من الأمانة العامة، قبل أن يعدلوا عن ذلك نتيجة تسوية قاموا بها. كما ضغط بنكيران على شبية الحزب فأثناها عن المشاركة.

والخلاصة، يقول الكاتب، فإن ثمة اليوم إجماع شبه تام على أن "الحركات الإسلامية هي الرابح الأكبر من التحول الديموقراطي في العالم العربي"، إذ تبوأ معظمها فضاء السلطة دون تكاليف كبرى من لدنهم تذكر.

من جهة أخرى، يرى الكاتب أن "أكثر التيارات الفكرية والسياسية إصابة بالصدمة مما جرى في الثورات العربية، وتأثرا بما حدث فكريا وسياسيا، هو التيار السلفي".

والواقع، يتابع الكاتب، أن التيار السلفي، لا سيما الجهادي ضمنه، والذي يمثل تنظيم القاعدة أبرز تجلياته، "كان حاسما في ازدراء فكرة التغيير السلمي، وحازما في تصور أن التغيير السياسي الجذري لا يكون إلا عبر الجهاد بالسلاح".

إلا أن زخم التغيير السلمي الذي أحدثته الثورات العربية، ضرب "الفكر الجهادي في فكرته المركزية، وأصابه بحالة فقدان التوازن"، لا بل دفعه لاعتماد لغة جديدة ترحب بهذا التغيير، وهو سلوك أطلق عليه البعض سلوك "التكيف الإيديولوجي".

وهذا السلوك عبر عنه أسامة بن لادن قبل وفاته، وأيمن الظواهري وأبو يحيى الليبي وأنور العولقي اليمني وأبي محد المقدسي وغيرهم، وكلهم عبروا عن دعمهم لهذه الثورات، ودعوا للانخراط فيها بهذا الشكل أو ذاك.

وعلى الرغم من أن هذه الثورات رفعت شعاري الحرية والديموقراطية، فإنها لقيت تأييدا ومساندة من لدن شيوخ السلفية، "إذ اعتبروها ثورات على الظلم، وطريقا لتحرر الشعوب من الاستبداد، وسبيلا لاقترابها من تطبيق الشريعة، لا سيما وأن كثيرين منهم يرون أن الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب، هي أنظمة كافرة ويجوز الخروج عليها".

وعليه، فقد عمد العديد من السلفيين إلى القبول بالديموقراطية وبالانتخابات وبالعمل الحزبي وبتداول السلطة بمصر تحديدا، حيث حصل التيار السلفي على حصة معتبرة من مقاعد مجلس الشعب...وبالسعودية أيضا حيث المراجعات الفكرية والسياسية على أشدها منذ انفجار ما يسمى بالثورات العربية.

* "الإسلاميون وربيع الثورات"، نواف بن عبد الرحمان القديمي، نافذة "قرأت لكم"، 23 غشت 2012.

Vous pouvez partager ce contenu