Aller au contenu principal

في بعض تأثيرات وسائل الإعلام والاتصال

news-details

ليس من الهين دائما أن يستطيع المرء تقييم التأثير الذي قد يكون لوسائل الإعلام والاتصال على المجتمع عامة، وعلى باقي القطاعات المكونة للاقتصاد. والواقع أن مكمن العسر بهذا الباب إنما يأتي من الصعوبة المنهجية التي تكتنف مقاربات من هذا القبيل.

فتأثير هذه الوسائل يستوجب مساءلة كل وسيلة على حدة، أي مساءلة الصحافة المكتوبة والسمعية والبصرية، ثم مساءلة شبكات الاتصالات، للنظر في مدى تأثيرها المباشر أو غير المباشر على هذا النشاط أو ذاك. وهذا أمر يتطلب الاحتكام إلى نماذج ماكرواقتصادية معقدة، تعتمد المعايير الدقيقة والمنهجية الرصينة والبحث الميداني لاستقاء البيانات والمعطيات، التي من شأن التعامل معها وضع التوجهات العامة والتحولات بعيدة المدى.

من جهة أخرى، فإن تقييم التأثير المحتمل لهذه الوسائل يتطلب توضيح الأدوات المنهجية التي من شأنها تأطير وضبط المجال المراد الاشتغال عليه. فالتأثير على الأنشطة الاقتصادية ليس كالتأثير على الخدمات، وليس كالتأثير على توزيع الثروة داخل هذا المجال الجغرافي أو ذاك. كما أن التأثير الكمي المباشر، السلبي كما الإيجابي، لا يمكن مقارنته مع التأثير النوعي، سواء تمظهر ذلك على شكل نجاعة في الأداء، أم أخذ شكل التأثير على سلوك المنظمات الإنتاجية الموزعة بين فضاءات مختلفة.

إن الأمر هنا لا يتعلق فقط بمدى القدرة على ملامسة كل هذه الجوانب، بل ويتعلق أيضا  بالعتاد المنهجي المفروض الارتكاز عليه لضبط التأثير ضبطا علميا دقيقا.

وعليه، فإننا نتصور أن أول تأثير بالإمكان ملامسته بمعطيات وبيانات كمية، إنما التأثير الاقتصادي الذي لهذه الوسائل، سواء تعلق الأمر بالإنتاج، أم بتوزيع الثروة، أم بتخزينها، أم بتوزيعها واستهلاكها.

فالتوزيع الجغرافي لهذه الوسائل من شأنه مثلا أن يخبرنا عن مدى إسهام هذه الوسائل في  استنبات أرضية لتنمية مستدامة، لا يكون من بين ظهرانيها من أثر لفجوة بين فضاء يستفيد من هذه الوسائل والتقنيات، وفضاء تتعذر عليه ذات الاستفادة، إما بسبب من سياسة عمومية غير متوازنة، أو ظالمة، أو مراهنة على تركيز الخيرات بجهة دون جهة أو جهات أخرى.

المجال الفضائي هنا لا يتأثر مباشرة بذات التوزيع، على مستوى بنياته التحتية الأساس، بل يتحايل على أية فجوة تقنية أواجتماعية من شأن توزيع غير مدروس أن يفرزها فيما بين المناطق والجهات والمستويات الترابية المختلفة.

لا يقتصر الأمر على هذا المعطى، بل يتجاوزه إلى مستوى التأثير التنظيمي الذي يفرزه التوزيع العادل لوسائل الإعلام والاتصال فيما بين الجهات، فيسهم بذلك في تقوية الأشكال التنظيمية الأفقية والشبكية، عوض الاشكال التقليدية في التنظيم، والتي غالبا ما تكون ذات طبيعة عمودية، هرمية، وغير قادرة على التساوق مع مبدأ السرعة والنجاعة والتواصل السريع الذي تستوجبه أنماط الإنتاج المعاصرة.

إن مفاهيم رأس المال والعمل والاستثمار والإنتاج والاستهلاك وغيرها، لم تعد، في شكلها أو في مضمونها، كما كانت من ذي قبل، أي أدوات إنتاج وتوزيع واستهلاك مادية صرفة. إنها باتت ظواهر متحركة، تتماهى مع الآنية والزمن الواقعي ورجات الفعل السريع، المتسارع.

بالتالي، فالتساؤل في مدى تأثير ذلك على المجتمع، أفرادا وجماعات، كما على الاقتصاد، مستثمرين ومنتجين وموزعين ومستهلكين، إنما هو من التساؤل في القدرة على مسايرة ذلك بالشكل والمضمون، والعمل على الإفادة منه لضمان تأثير إيجابي عام وشامل.

إن الذي بات يطلق عليه منذ مدة بالفجوة التقنية ثم الرقمية، ومن خلفهما الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، إنما مرده التوزيع غير العادل للموارد المادية واللامادية لوسائل الإعلام والاتصال، والتي قد تغني هذه الجهة وتفقر تلك. والسر في ذلك أن دراسة تأثير هذه الوسائل لم يتم بالمرة، أو أنه تم بطريقة غير علمية، أو أن السياسات العمومية لا تشتغل على هذا لا بالجملة ولا بالتفصيل.

* "في بعض تأثيرات تكنولوجيا الإعلام والاتصال"، 20 غشت 2012.

Vous pouvez partager ce contenu